هل ابتدع العثمانيون عادة إمساك الخطيب سيفا في يده؟

 رئيس الشؤون الدينية ألقى خطبة أول جمعة تقام في مسجد آيا صوفيا بعد 86 عاما من إيقاف الصلاة فيه، حاملا سيفا
رئيس الشؤون الدينية ألقى خطبة أول جمعة تقام في مسجد آيا صوفيا بعد 86 عاما من إيقاف الصلاة فيه، حاملا سيفا

عام 1453م؛ زُيِّنت شوارع العواصم الإسلامية، ودُقت فيها الطبول، وابتهج المسلمون بتحقيق البشارة النبوية بفتح القسطنطينية؛ بعد أن زف فاتحها محمد بن مراد النبأ إلى حكامها.

ذلك الفتح الذي شهد تحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، وصلى فيه الفاتح أول صلاة جمعة، وألقى معلمه آق شمس الدين أول خطبة فيه، كما ذكر المؤرخ محمد حرب.

التاريخ الآن يعيد نفسه؛ فقد ابتهجت الشعوب الإسلامية لعودة الصلاة في آيا صوفيا بعد انقطاع دام أكثر من ثمانين سنة بسبب تحويله إلى متحف.
وبحسب تقرير لوكالة الأناضول، لم يرق للبعض فرحة المسلمين والأتراك بهذا الحدث الجليل، وزاد في حنقه مرأى الجموع الهادرة وهي تصلي أول صلاة جمعة في مسجد آيا صوفيا، وبينهم الرئيس رجب طيب أردوغان.

وبحسب الوكالة، اتجه بعضهم هذه المرة إلى رئيس الشؤون الدينية على أرباش الذي خطب لأول مرة بعد 86 سنة على منبر آيا صوفيا ممسكاً سيفاً عثمانياً بيده، وزعم البعض أنها رسالة “إرهابية” تدل على أن الأتراك أصحاب أطماع استعمارية في المنطقة، وأنهم مبعوثو الدمار في كل بلد تكون لهم فيها يد.

وإثر ذلك، زعم البعض أن ما فعله خطيب آيا صوفيا، إنما هو “بدعة تركية ابتدعها الأتراك لإظهار حقهم في الحكم بالسيف، وإعادة الشرعية للخلافة العثمانية، واغتصاب أراضي الدول العربية والإسلامية”، بحسب مزاعمهم.

وثمة سؤال يفرض نفسه في هذا المقام: هل مجرد حمل السيف في هذه المناسبة يُعد رسالة إرهابٍ يبعثها الأتراك للعالم؟.

وقالت الوكالة إن كان حمْل السيف في هذه المناسبة رسالة إرهاب، فإن ملوك السعودية يبثون العديد من رسائل الإرهاب حين يرقصون بالسيوف في “العرضة النجدية” أو “العرضة السعودية”، وهي رقصة شعبية تؤدى في المناسبات والأعياد بالمملكة وتعد جزءًا من تاريخ الجزيرة العربية وأهازيج الحروب فيها.

ثم ارتبطت هذه الرقصة- حديثاً- بتأسيس الملك عبد العزيز بن سعود للدولة السعودية وتوحيدها؛ حيث يشارك الملك نفسه بالرقص بالسيف في المناسبات المختلفة.. فهل يعد حمل السيف في هذه المناسبات الوطنية رسالة إرهاب؟.

وهل عندما شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الملك سلمان بن عبد العزيز ملك السعودية رقصة العرضة بالسيف؛ كان مشاركاً في بث رسائل الإرهاب؟.

وعندما تتبع ملكة بريطانيا تقاليد أسلافها وتُكرّم رجال المملكة أو تمنحهم ألقاباً رفيعة بوضع السيف بمحاذاة رقابهم وهم جاثون على رُكَبهم أمامها؛ فهل يعد هذا التقليد- الذي يتضمن إشهاراً للسيف- رسالة إرهاب؟.

ومع أن الأتراك يقولون إن الاتكاء على السيف أثناء الخطبة عادة عثمانية؛ إلا أن هذه العادة جاءت في كتب المذاهب الفقهية المعتبرة، وليست كما يدعي هؤلاء من أنها بدعة تركية.

ويرى بعض الفقهاء مشروعية الاعتماد على السيف أثناء خطبة الجمعة؛ فمنهم ابن قدامة في كتاب المغني حيث قال عن الآداب التي يتبعها خطيب الجمعة: “وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ عَصًا”.

وقال النووي في كتاب المجموع شرح المهذب: “يُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ عَصًا أَوْ نَحْوِهَا”.

وجاء في كتاب الإنصاف’ وهو من كتب الفقه الحنبلي-: “وَيَعْتَمِدُ على سَيْفٍ أو قَوْسٍ أو عَصَى”.

وقال البهوتي الحنبلي في كتاب كشاف القناع: يُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا بِإِحْدَى يَدَيْهِ”.

وجاء في كتاب الاختيار- وهو من كتب الفقه الحنفي- في سياق الحديث عن خطبة صلاة الاستسقاء: ” ثُمَّ يَخْطُبُ مُتَنَكِّبًا قَوْسًا أَوْ مُعْتَمِدًا عَلَى سَيْفِهِ”.

وقال القزويني في كتابه فتح العزيز: “ومنها- أي من آداب الخطبة- أن يعتمد على سيف أو عَنَزَة؛ وهي شبه الحربة أو عصا أو نحوها.

وقال ابن النقيب الشافعي في كتاب عمدة السالك: “ويعتمدُ على سيفٍ أوْ قوسٍ أوْ عصا”.

وقال ابن حجر الهيثمي في كتاب تحفة المحتاج: “وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا وَنَحْوِهِ كَالْقَوْسِ”.

وقال شهاب الدين النفراوي المالكي في كتاب الفواكه الدواني: “يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَكَّأَ الْإِمَامُ أَيْ يَعْتَمِد حَالَ خُطْبَتِهِ عَلَى عَصًا أَوْ سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ”.

وفي 10 يوليو/ تموز الجاري، ألغت المحكمة الإدارية العليا التركية، قرار مجلس الوزراء الصادر في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 1934، بتحويل “آيا صوفيا” من جامع إلى متحف، والجمعة الماضية أقيمت أول صلاة في المسجد بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردغان.

و”آيا صوفيا”، صرح فني ومعماري فريد، يقع في منطقة “السلطان أحمد” بمدينة إسطنبول، واستُخدم لمدة 481 سنة جامعا، ثم تحول إلى متحف في 1934، وهو من أهم المعالم المعمارية في تاريخ منطقة الشرق الأوسط.

المصدر : الأناضول + الجزيرة مباشر

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة