نزوح نصف سكان ناغورني كاراباخ.. وفرنسا تدخل على خط الأزمة وإيران تحذر

استمرار القتال بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم ناغورني كاراباخ وقلق عالمي من تدويل القتال

نزح نصف سكان إقليم ناغورني كاراباخ بسبب المعارك بين الإقليم الانفصالي الذي يشكل الأرمن غالبية سكانه وأذربيجان، فيما دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وقف “المأساة” الجارية.

واندلع القتال في أحد أكثر النزاعات المجمدة والقابلة للانفجار منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، في 27 سبتمبر/أيلول، ولم يُظهر الطرفان أي رغبة في التوصل إلى تسوية.

واكتسب الصراع بعدًا دوليًّا أثار قلق الغرب مع دعم تركيا لأذربيجان، فيما تأمل أرمينيا أن تنال تأييد روسيا التي تظل حتى الآن على الهامش.     

وفي مقابلة مع التلفزيون الحكومي “روسيا” بثها الكرملين، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “إنها مأساة هائلة. هناك ناس يموتون. نأمل أن يتوقف هذا النزاع في أسرع وقت ممكن”.    

وتابع بوتين، الذي أجرى أول مباحثات هاتفية مع نظيره الأذري إلهام علييف “إن كان من غير الممكن وقف هذا النزاع بشكل نهائي، لأننا بعيدين عن ذلك؛ فإننا ندعو على الأقل إلى وقف إطلاق النار”، مؤكدًا أنه “ينبغي تحقيق ذلك في أقرب وقت ممكن”.     

وحوّل القصف الذي نفّذته القوات الأذرية “ستيباناكرت”، وهي المدينة الرئيسية في كاراباخ، إلى مدينة أشباح مليئة بالذخيرة غير المتفجّرة والحفر الناجمة عن القذائف.     

وقال أرتاك بلغاريان المسؤول المكلف بملف حقوق المدنيين في أوقات الحرب في كاراباخ “بحسئب تقديراتنا الأولية، نزح نحو 50 بالمئة من سكان كاراباخ و90 بالمئة من النساء والأطفال؛ أي ما يعادل نحو 70 إلى 75 ألف شخص”.     

ودوّت صفارات الإنذار للتحذير من غارات جوية طوال الليل الذي شهد انفجارات عدة في مدينة تغرق في ظلام دامس.      

واستهدفت ضربات جديدة المدينة، صباح الأربعاء، فيما تشير الضوضاء المرافقة للضربات إلى أن المصدر كان طائرة مسيّرة.     

واتّهمت أذربيجان القوات الأرمينية بقصف أهداف مدنية في المناطق المأهولة، بما في ذلك ثاني كبريات مدن البلاد كنجه، التي تعد أكثر من 330 ألف نسمة.     

وقالت المتحدثة باسم الإدعاء جوناي سالم زاده إن 427 مسكنًا يقطنها نحو 1200 شخص دمِّرت منذ بدء الصراع الحالي.     

وندّدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في نهاية الأسبوع الماضي “بالقصف العشوائي وغيره من هجمات غير القانونية مزعومة”، قائلة إن “العشرات” من المدنيين لقوا حتفهم بالفعل.

دعم تركيا الكامل

وتخوض باكو ويريفان نزاعًا منذ عقود للسيطرة على المنطقة التي يهيمن عليها الأرمن، وانفصلت عن باكو خلال حرب اندلعت في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وأودت بنحو 30 ألف شخص.

وأعلن إقليم كاراباخ الذي يسكنه نحو 140 ألف نسمة غالبيتهم من الأرمن استقلاله، لكن لم تعترف أي جهة بعد، ولا حتى أرمينيا، باستقلال الإقليم.

والمحادثات الهادفة إلى تسوية النزاع، والتي بدأت مع تفكك الاتحاد السوفيتي في 1991، متعثرة بشكل كبير منذ اتفاقية لوقف إطلاق النار عام 1994.     

واندلعت مواجهات عدة بين الطرفين خلال العقود الماضية، أكبرها في أبريل/ نيسان 2016 وأدت إلى مقتل 110 أشخاص.     

واعتبر رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الثلاثاء، أن تجدّد المعارك في إقليم ناغورني كاراباخ سببه الدعم التركي “الكامل” لأذربيجان، متهمًا انقرة بإرسال مقاتلين أجانب، ما يعني أن الحرب باتت في رأيه “عملية لمكافحة الإرهاب” تقوم بها القوات الأرمينية.

من جهته، دعا وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو، الثلاثاء، العالم لدعم أذربيجان “الطرف الذي على حق”، واصفًا أرمينيا “بالمحتل”.     

وفي بروكسل، حذّر مسؤول الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوربي جوزيب بوريل من تدويل الأزمة.  

وقال “لا يمكن استبعاد تورط الجهات الإقليمية في النزاع”، وتابع “يجب أن نمنع التدخل الأجنبي”.     

من جهتها، أشارت فرنسا إلى “تدخل عسكري” تركي في ناغورني كاراباخ.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (يمين) ونظيره الأذري إلهام علييف (يسار)
رئيس الوزراء الأرميني: “واثق” في روسيا     

وكرر رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في تصريحات تلفزيونية الاتهامات لتركيا وأذربيجان، واصفًا الأمر بوصوله إلى حد “هجوم إرهابي”.

ووجه باشينيان تحذيرًا مبطنًا إلى أذربيجان من توسيع النزاع، مذكرًا بتحالفه العسكري مع الشقيق الأكبر الروسي، وقال “إنني واثق من أن روسيا ستفي بالتزاماتها إذا تطلب الوضع ذلك”.

وأضاف “بالنسبة لي، لا شك في أن هذه سياسة استمرار للإبادة الجماعية للأرمن وسياسة لإعادة الإمبراطورية التركية”.

وكان باشينيان قد قال لمجلة “تايم” إن بلاده لن توافق على وقف إطلاق النار إلا إذا كفت تركيا عن المشاركة في الصراع وجرى سحب المرتزقة.

بوتين: روسيا تحترم التزاماتها

وخلال مقابلة متلّفزة، أعلن بوتين أن روسيا “ستحترم التزاماها في إطار منظمة المعاهدة الأمنية الجماعية”، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن المواجهات “لا تجري على أراضي أرمينيا” بل على أراضي ناغورني كاراباخ، الإقليم الانفصالي الأذربيجاني المدعوم من يريفان.     

لكن في حال امتد النزاع إلى الأراضي الأرمنية، فإن ذلك قد يحمل روسيا على التدخل، لا سيما وأن لديها قاعدة في أرمينيا.    

وكان المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، أكثر صراحة إذ قال إنّ التزامات روسيا بموجب المعاهدة “لا تشمل كاراباخ”، وأشار بيسكوف إلى أن وجود مقاتلين سوريين يشكل “خطرًا كبيرًا وسببًا لقلق روسيا البالغ”.     

ومعظم الوفيات المؤكدة هي في الجانب الأرميني الذي أفاد بسقوط 240 قتيلًا من المقاتلين الانفصاليين، في حين لا تعلن أذربيجان عن أي خسائر في صفوف قواتها.

وسبق أن نقل الكرملين عن بوتين دعوته إلى وقف القتال في بيانات، لكنه أول موقف علني وتلفزيوني يصدر عنه مباشرة منذ بدء القتال في 27 سبتمبر الماضي.

وقال رئيس المخابرات الخارجية الروسية سيرجي ناريشكين، الثلاثاء، إن الصراع يجتذب من وصفهم بالمرتزقة والإرهابيين من الشرق الأوسط. 

وأضاف ناريشكين أن ناغورني كاراباخ قد تصبح قاعدة انطلاق لمتشددين إسلاميين يدخلون روسيا أو لدول أخرى بالمنطقة.

حتى الآن، نأت روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي السابق بنفسها عن النزاع مع تصاعد أزمات أخرى، مثل الاحتجاجات في بيلاروسيا المجاورة، وتسميم المعارض أليكسي نافالني والاضطرابات الآن في قرغيزستان.

وتقيم روسيا علاقات جيدة مع طرفي النزاع اللذين تمدهما بالسلاح، لكنها أقرب إلى أرمينيا العضو في حلف عسكري تهيمن عليه موسكو.

مخاوف من تفاقم الوضع بين أذربيجان وحليفتها تركيا من جهة وأرمينيا وحليفتها روسيا من جهة أخرى
ضغوط فرنسية

وفي السياق، أكدت فرنسا أن تركيا تتدخل “عسكريًا” في نزاع ناغورني كاراباخ إلى جانب أذربيجان، وجددت مخاوفها من “تدويل” الصراع.     

وصرح وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان أمام لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية بأن “الجديد في الأمر هو وجود تدخل عسكري لتركيا، ما قد يؤدي إلى تأجيج تدويل الصراع”.

وندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرًا بما وصفه نشر “مقاتلين سوريين من جماعات جهادية” في ناغورني كاراباخ ممن مروا، وفق الاستخبارات الفرنسية، عبر غازي عنتاب (تركيا). 

وأسف وزير الخارجية الفرنسي لـ “وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين من أجل تحقيق تقدم طفيف في الأراضي من جانب أذربيجان، بما أن أذربيجان (على حد وصفه) هي التي بدأت النزاع”.     

ودعا من جديد إلى وقف فوري للقتال والعودة إلى طاولة المفاوضات بين الطرفين “من دون شروط” تحت رعاية مجموعة مينسك المكلفة بالوساطة وتضم فرنسا وروسيا والولايات المتحدة.      

وأوضح لودريان “ستعقد اجتماعات غدًا في جنيف وأخرى -الإثنين المقبل- في موسكو، ونأمل أن يؤدي ذلك إلى بدء المفاوضات”.

وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان
إيران تحذر من حرب إقليمية وتحتج رسميًّا

من جهته، حذر الرئيس الإيراني حسن روحاني، الأربعاء، من خطر تحول الصراع بين قوات أذربيجان وأخرى من الأرمن إلى حرب إقليمية.

وقال روحاني، خلال اجتماع لمجلس الوزراء إنه “من غير المقبول إطلاقًا” أن تسقط أي قذيفة مورتر أو صاروخ على أراضٍ إيرانية، وذلك بعدما ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن قذائف طائشة من القتال الدائر على جيب ناغورني كاراباخ أصابت قرىً قريبة من الحدود الشمالية الغربية لإيران، ما أدى لإصابة طفل وإلحاق أضرار بمبانٍ. 

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، في بيان تناقلته وسائل الإعلام المحلية، إن إيران قدمت احتجاجًا رسميًّا لأذربيجان وأرمينيا، الأربعاء، بسبب انتهاكات “لسلامة الأراضي” الإيرانية. 

وقال روحاني “يجب أن ننتبه كي لا تتحول الحرب بين أرمينيا وأذربيجان إلى حرب إقليمية. السلام أساس عملنا، ونأمل في إعادة الاستقرار إلى المنطقة بطريقة سلمية”، وتابع “الأولوية لدينا هي أمن مدننا وقرانا”.

وأضاف أن إيران، التي تقع على الحدود مع أرمينيا وأذربيجان، لن تسمح لدول “بإرسال الإرهابيين إلى حدودها تحت ذرائع مختلفة”. 

وجاءت تصريحات روحاني بعد اتهامات -كان الرئيس الفرنسي أول من وجهها إلى تركيا، وكررها رأس النظام السوري بشار الأسد- بإرسال سوريين إلى الإقليم. في حين، تنفي أنقرة، الحليف الوثيق لأذربيجان والتي تدعم مقاتلي المعارضة الذين يحاربون قوات النظام السوري، هذا الاتهام.

رئيس أذربيجان: سنعود للمحادثات بعد انتهاء القتال

ونقلت وكالة الروسية للأنباء (تاس) عن رئيس أذربيجان إلهام علييف قوله إن بلاده ستعود إلى المحادثات مع أرمينيا بعد انتهاء مرحلة الصراع العسكري الحرجة في إقليم ناغورني كاراباخ.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الروسي قال علييف، الذي تحدث إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر الهاتف، إن من حق تركيا المشاركة في الوساطة. 

وتقول أذربيجان إن مدنها الواقعة خارج منطقة الصراع تعرضت كذلك لهجمات في أسوأ قتال تشهده المنطقة منذ 25 عاما ليقترب القتال من أراضٍ تمر بها خطوط أنابيب تحمل النفط والغاز من أذربيجان لأوربا.

المصدر : الجزيرة مباشر + وكالات