شاهد: حكاية “صاحب براد العودة” الذي قتلته إسرائيل

يغمر الصمت المكان، ولا يُسمع سوى صوت بكاء السيدة الفلسطينية سوسن أبو عويضة، وهي تنظر إلى صور زوجها الشهيد “حسين”، الموجودة في الهاتف المحمول الخاص بابنتها أسيل (11عامًا).

تنهار دموع “سوسن” بغزارة، ويزداد بكاؤها وهي تستذكر زوجها الذي استشهد في مجزرة غزة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلية منتصف مايو/أيار الجاري، قائلةً “لقد استشهد وهو يسعى لتوفير رزق أبنائه”.

وكان أبو عويضة يشارك في مسيرة “العودة” السلمية، على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع إسرائيل، مثله في ذلك مثل آلاف الفلسطينيين، لكن هدفه كان يختلف عنهم قليلًا.

فهو كان يذهب إلى تلك المنطقة “الساخنة” طلبًا للرزق، ولتلبية احتياجات عائلته، من خلال بيعه البراد (أحد أنواع المثلجات)، للمتظاهرين هناك.

اختار أبو عويضة تلك المنطقة الخطرة للبحث عن رزقه؛ لأن بيع المرطبات للمارة في المدينة، قليل جدًا، لتردي أوضاع الفلسطينيين المعيشية بغزة، كما تقول زوجته.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، عن استشهاد أبو عويضة (42 عامًا)، فجر السبت الماضي متأثرًا بجراحه التي أصيب بها في أحداث “مجزرة غزة”، في 14 من الشهر الجاري.

وأصيب أبو عويضة برصاصة إسرائيلية في عموده الفقري، تسببت بتهتك كبير في الحبل الشوكي، والرئتين والكبد، وفقد على إثرها الإحساس والحركة من منطقة أعلى الصدر، وحتى أسفل القدمين.

ومنذ بداية مسيرات “العودة”، كان ينطلق أبو عويضة الذي يعيل أربعة أبناء أصغرهم في السابعة من عمره، إلى الحدود الشرقية لقطاع غزة؛ لبيع بضاعته.

وفي ساعات الصباح الباكر من كل يوم، يجهز عربته الصغيرة، ويتفقد منتجه الأصفر، وأكوابه البلاستيكية، ثم يخرج لعمله ويعود في الساعة العاشرة مساءً.

وعرُف أبو عويضة، الذي عمل في بيع “البراد” منذ نحو 18 سنة، بين المشاركين في المسيرة بلقب “صاحب براد العودة”.

وقالت زوجته “كان يذهب لبيع البراد (المرطبات)، كان يسعى لرزقنا، بما إنه ما في حركة بيع بين الناس في الشوارع، بسبب الفقر والبطالة”.

ويعاني قطاع غزة من أوضاع اقتصادية متردية للغاية بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ أكثر من عشرة أعوام، الذي ترتفع فيه نسبة البطالة لأكثر من 60 %.

ويوجد العديد من الباعة المتجولين قرب الحدود الشرقية للقطاع آملين في توفير فرصة عمل لأنفسهم.

وتابعت زوجة الشهيد “كان يقول لي إن الحر يدفع العديد من المتظاهرين لشراء البراد، ويجب أن أذهب هناك لأجل أبنائي، والله يحمينا”.

وأضافت باكية “كان حنونًا للغاية، كان دائمًا يحضر لأبنائه السكاكر ورقائق البطاطا، ويجعلني أيقظهم من النوم”.

وأكملت “كنت أقول له دعهم نائمين، فيقول، لا أنا أنتظر العودة للمنزل لكي أراهم، نريد أن نتعشى مع بعض وأراهم ثم يناموا”.

وقبل خروجه في الأيام الأخيرة كان يودعني، ويقول لي كل مرة أبنائنا أمانة لديك، كأنه كان يشعر أنه سيموت، وفق زوجته.

لكن الزوجة لم تكن تتوقع أن تنال رصاصات “الموت” الإسرائيلية من زوجها، فهو “لم يرتكب أي ذنب سوى أنه كان يوفر لعائلته طعامهم اليومي”.

وكان أبو عويضة المعيل الوحيد لأسرته، ويحصل على نحو 5 دولارات يوميًا، ولا تعرف الأم كيف ستدبر شؤون أسرتها المالية بعد استشهاد زوجها.

وعلى إثر تظاهرات العودة استشهد أكثر نحو 115 فلسطينيًا وأصيب أكثر من 13 ألفا آخرين.

بدورها قالت شقيقته حليمة (60عامًا) باكيةً بحرقة “كان حسين بمثابة ابني وصديقي وأخي، إنه مكافح في البحث عن رزق أبنائه، لماذا تقتله إسرائيل؟”

وتابعت “يوم المجزرة قبل خروجه، قال لنا أشعر أنني سأعود برزق وفير اليوم، لأن أعداد الناس ستكون كبيرة، لكنه عاد جريحًا ثم شهيدًا”.

وأردفت “إنه حنون جدًا، رغم دخله المحدود إلا أنه لم يكن يبخل علينا بأي شيء، ويوفر لنا كل ما نحتاج بقدر استطاعته”.

المصدر : الأناضول