أمير قطر لدول الحصار: ما فعلتموه في كل الأعراف “عيب”

قال أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إن سلوك الشعب القطري “خيب آمال الذين راهنوا على عكسه لجهل بطبيعة المجتمع والشعب القطريين”.

 

وأضاف في خطاب متلفز الجمعة بشأن الأزمة الخليجية الراهنة أن “الحياة في قطر تسير بشكل طبيعي منذ بداية الحصار ، وأن الشعب القطري تلقائيا وبشكل طبيعي وعفوي وقف دفاعا عن سيادة وطنه واستقلاله”.

وقال أمير قطر :” قد تبين للقاصي والداني أن هذه الحملة والخطوات التي تلتها خططت سلفا وأقدم مخططوها ومنفذوها على عملية اعتداء على سيادة قطر بزرع تصريحات لم تقل، لتضليل الرأي العام ودول العالم ، وبغرض تحقيق غايات مبيتة سلفا.

 

ومضى قائلا:” لم يدرك من قام بهذه الخطوات أن شعوب العالم لا تتقبل الظلم بهذه البساطة، والناس لا يصدقون أضاليل من لا يحترم عقولهم، وثمة حدود لفاعلية الدعاية الموجهة التي لا يصدقها أصحابها أنفسهم. ولذلك فإن الدول العربية وغير العربية التي لديها رأي عام تحترمه وقفت معنا، أو على الأقل لم تقف مع الحصار على الرغم من الابتزاز الذي تعرضت له.

واستطرد قائلا:” لقد اعتمدت الدول التي قامت بهذه الخطوات على مفعول تهمة الإرهاب في الغرب، وعلى تملق مشاعر بعض القوى العنصرية الهامشية في المجتمعات الغربية وأفكارها المسبقة. ولكن سرعان ما تبين لهم أن المجتمعات الغربية مثلنا، لا تقبل أن تطلق تهمة الإرهاب لمجرد الخلاف السياسي، أو لأغراض مثل قمع التعددية في الداخل، أو لتشويه صورة دول أخرى وعزلها على الساحة الدولية. فهذا السلوك، عدا عن كونه ظلما، يلحق في النهاية ضررا بالحرب على الإرهاب.  كما أن المؤسسات الغربية السياسية والمدنية والإعلامية ترفض الإملاءات مثلما نرفضها. وتبين ذلك من رد الفعل الدولي على الشروط التي حاول البعض فرضها علينا، ولاسيما التحكم بعلاقاتنا الخارجية وتحديد استقلالية سياستنا وإغلاق وسائل الإعلام والتحكم بحرية التعبير في بلادنا.

 

وتابع :” نحن نعرف أنه وجدت وتوجد حاليا خلافات مع بعض دول مجلس التعاون بشأن السياسة الخارجية المستقلة التي تنتهجها قطر. ونحن أيضا بدورنا لا نتفق مع السياسة الخارجية لبعض الدول الأعضاء في مجلس التعاون، ولاسيما في الموقف من تطلعات الشعوب العربية، والوقوف مع القضايا العادلة، والتمييز بين المقاومة المشروعة للاحتلال وبين الإرهاب، وغيرها من القضايا لكننا لا نحاول أن نفرض رأينا على أحد. ولم نعتقد يوما أن هذه الخلافات تفسد للود قضية، فثمة أمور مشتركة كثيرة هي الأسباب التي من أجلها أقيمت هذه المنظمة الإقليمية.”

وأضاف الأمير تميم :” اعتقد بعض الأشقاء أنهم يعيشون وحدهم في هذا العالم، وأن المال يمكنه شراء كل شيء، فارتكبوا بذلك خطأ آخر، إذ ذكرتهم دول ومؤسسات عديدة أنهم ليسوا وحدهم ، وأن الكثير من الدول لا تفضل المصلحة الآنية على المبدأ والمصلحة البعيدة المدى، وتبين لهم أنه حتى الدول الفقيرة لديها كرامة وإرادة، وأنه لا يمكنهم فرض أمور تجاوزها التاريخ ولقد حاولوا المس بمبدأين ضحت من أجلهما الإنسانية جمعاء. أولا، مبدأ سيادة الدول وإرادتها المستقلة وثانيا، حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة، فلا معنى لحرية التعبير إذا لم يكن لدى المواطن الحق في الوصول إلى المعلومة. واحتكار المعلومة هو الذي كسرته قطر بالثورة الإعلامية التي أحدثتها، ولم يعد ممكنا العودة إلى الخلف، فقد أصبحت هذه الثورة إنجازا للشعوب العربية كلها”.

ومضى قائلا:” لقد حزنا كثيرا ونحن نتابع كيف تقوم بعض الدول باتباع أسلوب التشهير والافتراء على قطر بنوع من الوشاية السياسية ضدها في الغرب. فهذا في كل الأعراف عيب: أولا لأن الادعاءات غير صحيحة، وثانيا لأنها مساس بغير حق بدولة شقيقة.

وتساءل أمير قطر :” ألا نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الوشاية والكذب هما رذيلتان من أسوأ الرذائل؟ أليس التشهير وتلطيخ السمعة جريمة يحاسب عليها القانون في جميع الدول المتحضرة ؟

وحول مكافحة قطر للإرهاب قال الأمير تميم إن ” قطر تكافح الإرهاب، بلا هوادة ودون حلول وسط ، وثمة اعتراف دولي بدور قطر في هذا المضمار ، وهي تفعل هذا ليس لأنها تريد أن ترضي به أحدا في الشرق أو الغرب ، بل لأنها تعتبر الإرهاب، بمعنى الاعتداء على المدنيين الأبرياء لغايات سياسية، جريمة بشعة ضد الإنسانية ولأنها ترى أن القضايا العربية العادلة تتضرر من الإرهاب، فهو يمس بالعرب والإسلام والمسلمين.

واستطرد:” نحن نختلف مع البعض بشأن مصادر الإرهاب، فنحن مثلا نقول إن الدين وازع أخلاقي، وهو ليس مصدر الإرهاب وإنما أيديولوجيات متطرفة دينية وعلمانية. وحتى هذه الأيديولوجيات المتطرفة تصبح مصدرا للإرهاب فقط في بيئة سياسية اجتماعية تنتج اليأس والإحباط ومن دون الاستهانة بآفة الإرهاب فمن الواجب علينا عدم تجاهل القضايا الأخرى في عالمنا، فنحن نرى أن العالم كله بما في ذلك منطقتنا يعاني أيضا من مشاكل مثل الفقر والطغيان والاحتلال وغيرها. وهذه المعاناة أيضا تحتاج إلى معالجة، عدا عن كونها من أهم مصادر الإرهاب.

وحول الحصار قال أمير قطر :” لا أريد أن أقلل من حجم الألم والمعاناة الذي سببه الحصار، وآمل أن ينقضي هذا الأسلوب في التعامل بين الأشقاء، وحل الخلافات بالحوار والتفاوض. فقد أساء هذا الأسلوب لجميع دول مجلس التعاون وصورتها في العالم.   وقد آن الأوان لوقف تحميل الشعوب ثمن الخلافات السياسية بين الحكومات. لقد عرفت منطقتنا العربية أسلوب الانتقام والعقاب الجماعي لمواطني الدولة الأخرى في حالة الاختلاف مع حكومتها، وقد نجحنا في تجنبه هنا في الخليج حتى الآن ، ولكن الدول التي طالبت القطريين بمغادرتها، وفصلت بين أبناء العائلة الواحدة ، وطلبت من مواطنيها التخلي عن أعمالهم وعائلاتهم ومغادرة دولة قطر، أبت إلا أن تستخدم هذا الأسلوب  وهو لا يتناقض مع القانون الدولي فحسب، بل يمس بمواطنيهم، وبالقيم وأعراف التعامل بين الناس.

وأكد أمير قطر أن أي حل لهذه الأزمة في المستقبل يجب أن يشمل ترتيبات تضمن عدم العودة إلى هذا الأسلوب الانتقامي في التعامل مع المواطنين الأبرياء عند حدوث خلاف سياسي بين الحكومات.

وأشاد أمير قطر بـ “الحكومة القطرية ونجاحها في توفير كافة احتياجات السكان، بحيث لم يشعروا بالفرق في حياتهم اليومية”.

وأكد أمير قطر على ضرورة فتح الاقتصاد القطري للمبادرات والاستثمار بحيث “ننتج غذاءنا ودواءنا وننوع مصادر دخلنا، ونحقق استقلالنا الاقتصادي ضمن علاقات ثنائية من التعاون مع الدول الأخرى، وهذا كله بالطبع بالتعاون مع المقيمين في بلادنا الذين يعملون وينتجون ويعيشون معنا، ووقفوا معنا في هذه الأزمة”.

وتابع :” سبق أن وجهت عدة مرات لاتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي على الاستثمار وتنويع مصادر الدخل، ولكن في هذه المرحلة لم يعد هذا مسألة رفاهية، بل أصبح أمرا ملزما ومحتما علينا ولا مجال للتهاون فيه. وهذه مسؤوليتنا جميعا حكومة ورجال أعمال فلقد ساعدتنا هذه الأزمة في تشخيص النواقص والعثرات أمام تحديد شخصية قطر الوطنية، السياسية والاقتصادية، المستقلة، وفي اتخاذ القرار بالتغلب على هذه العقبات وتجاوزها.   وها أنا أتوجه إليكم فيما نخوض جميعا هذا الامتحان بعزة وكرامة، لأقول لكم إن قطر بحاجة لكل منكم في بناء اقتصادها وحماية أمنها نحن بحاجة للاجتهاد والإبداع والتفكير المستقل والمبادرات البناءة والاهتمام بالتحصيل العلمي في الاختصاصات كافة، والاعتماد على النفس ومحاربة الكسل والاتكالية. وهذه ليست مجرد أماني وأحلام. فأهدافنا واقعية وعملية، وتقوم على استمرار الروح التي أظهرها القطريون في هذه الأزمة، بحيث لا تكون موجة حماس عابرة ، بل أساسا لمزيد من الوعي في بناء الوطن”

وأضاف أن المرحلة التي تمر بها قطر حاليا هي مرحلة بالغة الأهمية من حيث الفرص التي أتاحتها ، ليس فقط للبناء ، بل أيضا لسد النواقص وتصحيح الأخطاء ، مضيفا ” لقد وجهت الحكومة للقيام بكل ما يلزم لتحقيق هذه الرؤية، بما في ذلك الانفتاح الاقتصادي المطلوب وإزالة العوائق أمام الاستثمار ومنع الاحتكار في إطار بناء الاقتصاد الوطني، والاستثمار في التنمية ولا سيما التنمية البشرية. كما وجهت بتخصيص عائدات الغاز من الاكتشافات الجديدة التي أنعم بها الله علينا للاستثمار من أجل الأجيال القادمة، فقد عاشت قطر برخاء حتى الآن من دونها. وقد وجهت أيضا بالعمل على الساحة الدولية لتعميق التعاون الثنائي والتوصل إلى اتفاقيات ثنائية بين قطر والدول الأخرى.

وحول الوساطة الكويتية قال أمير قطر :” نحن نثمن عاليا جهود الوساطة التي يقوم بها السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت والتي دعمتها قطر منذ البداية، وهذه فرصة أن أعبر عن شكري مرة أخرى لما قام ويقوم به، ونأمل أن تكلل جهوده المباركة بالنجاح، كما نقدر المساندة الأمريكية لهذه الوساطة، وكذلك المواقف البناءة لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأوروبا عموما وروسيا كما أشاد بالدور التركي في إقرارها السريع لاتفاقية التعاون الاستراتيجي الموقعة بين قطر وتركيا والمباشرة في تنفيذها، كما وجه الشكر لكل من فتح لقطر أجواءه ومياهه الإقليمية حين أغلقها الأشقاء.  

وأكد الأمير تميم على انفتاح قطر على الحوار لإيجاد حلول للمشاكل العالقة، “وذلك ليس فقط في صالح دولنا وشعوبنا، وإنما أيضا لتوفير الجهود العبثية التي تبددها دول في الكيد للأشقاء على الساحة الدولية، عسى أن تستثمر هذه الجهود في خدمة قضايا الأمة”.

وشدد على “أن أي حل للأزمة يجب أن يقوم على مبدأين: أولا، أن يكون الحل في إطار احترام سيادة كل دولة وإرادتها. وثانيا، أن لا يوضع في صيغة إملاءات من طرف على طرف، بل كتعهدات متبادلة والتزامات مشتركة ملزمة للجميع، ونحن جاهزون للحوار والتوصل إلى تسويات في القضايا الخلافية كافة في هذا الإطار”.  

وعبر الشيخ تميم عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني الشقيق واستنكر إغلاق المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأعرب عن أمله في أن يكون ما تتعرض له القدس حافزا للوحدة والتضامن بدلا من الانقسام. 

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة