قصة الدايت.. العصور الوسطى في أوربا (الحلقة الثالثة)

لم تكن القرون الوسطى العليا في أوربا تشهد أمراض الحرمان الناجمة عن سوء التغذية

نتابع في حلقتنا اليوم كيف تطورت الحمية الغذائية في العصور الوسطى في أوربا، وكيف عكست بشكل واضح الفروق الطبقية، وكيف تغيرت مع الزمن.

العصور الوسطى العليا (من عام 1000 ميلادي إلى 1250م)

بشكل عام تناولت الشعوب الأوربية في القرون الوسطى العليا نظامًا غذائيًا متوازنًا، وتشير العديد من الدراسات حول الرفات البشرية التي تم اكتشافها من هذه الفترة إلى أن الأشخاص كانوا بصحة جيدة.

وتشير المعطيات إلى أنه -على عكس القرون التالية- لم تكن القرون الوسطى العليا تشهد أمراض الحرمان الناجمة عن سوء التغذية. ومع أنها لم تكن فترة وفرة في الغذاء، إلا أن العصور الوسطى العليا لم تكن قاسية.

العصور الوسطى السفلى (من عام 1250م إلى عام 1500م)

اعتبارًا من منتصف القرن العاشر، بدأ توازن إنتاج الغذاء الذي أنشئ خلال العصور الوسطى العليا، في الانخفاض تدريجيًا، ولم يعد قادرًا على تلبية الاحتياجات المجتمعية.

ومع زيادة عدد السكان بدأت تلبية احتياجاتهم الغذائية تصبح أكثر صعوبة، إذ تغيرت الظروف الاقتصادية بشكل جذري، وأحدثت التجارة ظهور اقتصاد سوق حقيقي.

واكتشف ملاك الأراضي (الذين يحتفظون بالسلطة السياسية) أن بإمكانهم الاستفادة بشكل أكبر من أراضيهم من خلال توسيع محاصيلهم لتشمل أراضي المراعي وعبر تكثيف عمل الفلاحين.

تم التركيز على زراعة الحبوب، إذ كان من السهل الحفاظ عليها وتخزينها (الجزيرة مباشر)

 

تم التركيز على زراعة الحبوب، إذ كان من السهل الحفاظ عليها وتخزينها، وأيضًا كانت ملائمة للنظام التجاري الجديد، وهذا أدى لحدوث تحول في المشهد الزراعي في أوربا، وأصبحت إزالة الغابات أمر منهجيًا، وبدأت الغابات الضخمة في الاختفاء.

أصبحت الحبوب الغذاء الأساسي للفلاحين، وتم وضع قيود على الصيد والرعي، وسرعان ما اختفى اللحم من أطباق الفلاحين ليصبح امتيازًا للطبقات الثرية.

بالتدريج أصبح الفرق واضحًا بين الطعام الذي يأكله الأغنياء، والذي تتناوله الطبقات الفقيرة، وبقيت فئتان اجتماعيتان تتمتعان بامتيازات غذائية: وهم الأرستقراطيون الذين يتناولون اللحوم، وسكان المدن من جميع الطبقات الاجتماعية.

بالنسبة للمجموعة الأخيرة فإن خوف السلطات المستمر من أعمال الشغب بسبب نقص الغذاء ضمن لسكان المدينة مجموعة واسعة من الأطعمة واللحوم.

أصبح هذا التمايز بين النموذج الغذائي “الحضري” و”الريفي”، ملحوظًا بشكل خاص في نهاية العصور الوسطى في جميع أنحاء أوربا، إذ تناول سكان المدن الخبز الأبيض مقارنة مع الخبز الداكن للفلاحين، وتناول سكان المدن اللحوم الطازجة (خاصة لحم الضأن)، مقارنة مع لحم الخنزير المملح (اللحوم الباردة) الذي يتم تناوله في الريف.

انعكس هذا الاختلاف أيضًا على صحة الفئتين، كانت صحة الفلاحين أضعف نسبيًا، فهم عانوا من سوء التغذية نتيجة نقص البروتين، وأيضًا كان عليهم تحمل ظروف عمل أصعب.

أصبحت الحبوب هي العنصر الرئيسي في النظام الغذائي للناس وهذا قلل من تنوع الأطعمة وكمية البروتينات المستهلكة.

برز التمايز بين النموذج الغذائي "الحضري" و"الريفي" في نهاية العصور الوسطى (الجزيرة مباشر)
انخفاض استهلاك اللحوم

لاحقًا أخذ الناس يأكلون كميات أقل وأقل من اللحوم، خاصة في المدن التي كان سكانها في الأسبق يتناولون كميات أوفر من اللحوم.

مثلًا في مدينة نابولي في إيطاليا خلال القرن السادس عشر استهلكت المدينة 30 ألف بقرة سنويًا، وكان عدد السكان 200 ألف، ولكن بعد قرنين في القرن الثامن عشر أصبح عدد سكان نابولي 400 ألف، لكن استهلكت من البقر سنويًا 20 ألف بقرة فقط.

في برلين وفي القرن التاسع عشر كانت نسبة اللحوم المستهلكة لكل فرد أقل بمقدار 12 ضعفًا مما كان في القرن الرابع عشر.

ترك انخفاض تناول البروتين الحيواني بصماته على صحة الناس، وتشير العديد من الإحصاءات إلى حقيقة أن هذا أثر على أحجام الناس.

في إنجلترا وخاصة في لندن، حتى القرن الثامن عشر، بدا أن المراهقين كانوا أقصر من أسلافهم. أما الألمان في بداية القرن التاسع عشر، فقدوا بضع بوصات من الطول بالمقارنة مع الأجيال الألمانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

أصبح الأشخاص يعتمدون أكثر على الحبوب، وازدادت معدلات الوفيات نتيجة لأزمات الحبوب بسبب المحاصيل السيئة مما أدى إلى تدهور صحة المزارعين.

 ومن العوامل الأخرى التي ساعدت في ذلك التحول في نظام الحيازة الريفية هو انتقال الأراضي الزراعية تدريجيًا إلى أيدي الأثرياء (طبقة النبلاء والبرجوازية …)، مما فرض ظروف عمل قاسية على الفلاحين.

في الحلقة القادمة نتعرف على كيفية دخول السكر بشكل كبير في الحمية الغذائية، وما أبرز تأثيراته على الصحة، وكيف تقدم علم التغذية في القرن العشرين؟

اقرأ أيضًا: قصة الدايت.. جولة غذائية (الحلقة الثانية)

المصدر : الجزيرة مباشر