قصة الدايت.. جولة غذائية (الحلقة الثانية)

العرب اشتهروا باستخدام لحم الصيد والألبان
العرب اشتهروا باستخدام لحم الصيد والألبان

اختلفت أنماط التغذية من بلد لآخر، ونقدم هنا لمحة عن بعض أنماط الغذاء في بعض البلدان.

العرب

يقول الأديب والمؤرخ العراقي محمود شكري الألوسي في كتابه "بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" عن طبيعة الطعام عند العرب، بأنهم اشتهروا باستخدام لحم الصيد والألبان، وكان أحسن اللحوم عندهم لحوم الإبل، ويقول "كان الغالب من أهل باديتهم لا يعاف شيئًا من المأكل لقلتها عندهم".

ومن الأطباق التي كان يتناولها العرب "الوليقة" المكونة من دقيق وسمن ولبن، و"الثريد"، وهو الخبز والمرق، أي الخبز المفتّت مع المرق. و"الصحيرة"، وتحضر من اللبن المغلي الذي يضاف إليه الدقيق، و"العكيسة" المكونة من لبن يصب عليه "الإهالة" وهو الشحم المذاب، و"الفريقة" المكونة من الحلبة واللبن والتمر.

ومن الأطباق "الحريقة" وهي دقيق يذر على ماء أو لبن حليب، و"الرغيدة" وهو اللبن الحليب يغلى ثم يذر عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق، و"الأصية" وهي دقيق يعدن بلبن وتمر، و"الربيكة" المكونة من بر (دقيق القمح الكامل) وتمر وسمن، و"التلبينة" وهي مكونة من دقيق أو نخالة مع عسل.

وأيضًا "المجيع" وهو التمر مع اللبن، و"البريك" وهو الزبد مع الرطب، و"الخليط" وهو السمن بالشحم، و"النخيسة" وهو لبن الضأن يخلط بلبن المعز، و"المرضة" وهي اللبن الحلو إذا اختلط مع اللبن الحامض.

ومن الأطباق أيضًا "الخزيرة" وهي أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارًا على ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن لحما فهو "عصيدة".

"مطبخ زرياب":

من جهة أخرى يرى الكاتب والمؤرخ السوري د. فاروق مردم بك –في تصريحات صحفية- وهو مؤلف كتاب "مطبخ زرياب"، أن تاريخ الطعام في العالم العربي يمكن تلخيصه في ثلاث مراحل:

1- المرحلة البغدادية: وتمتد من القرن الثامن أو التاسع إلى القرن الثالث عشر، ويعتقد أن المطبخ البغدادي كان الأرقى حتى ذلك العصر، وكان أكثر رفاهية ودقة من المطبخ الروماني.

وشهد العصر العباسي استعمال مجموعة كبيرة جدًا من الفواكه والخضراوات واللحوم والأسماك والدواجن والطيور. وفي هذه الفترة تم استعمال الخضراوات والفواكه التي جاءت من أقصى آسيا ومن الهند، في بلاد الشرق الأوسط، ثم انتقلت بفضل العرب والمسلمين إلى أوربا عبر صقلية أو الأندلس.

وفي هذه المرحلة كان هناك مزج بين المالح والحلو في الطعام، ويشبه اليوم المطبخ التايلاندي والهندي والفارسي.

2- المرحلة الأندلسية: ويقول مردم بك إن المرحلة الأولى من المطبخ العربي انتقلت إلى الأندلس في القرن التاسع وينسب هذا الفضل في نقلها إلى الموسيقي زرياب، وكان موسيقيًا كبيرًا حسده أستاذه إسحاق الموصلي فقرر الهجرة خوفًا إلى الأندلس أقصى الغرب الإسلامي، واتصل وهو في تونس بالأمير الأموي في قرطبة فدعاه الأخير ليستقر فيها.

ويقال إن زرياب علم الناس ألا يضعوا كل شيء على مائدة الطعام، وأن يبدأوا بالشوربة الحلوة المالحة أو الحارة ثم يقدمون الأطباق ثم الحلوى، وينسب إليه إدخال بعض الخضار. وكانت أطباق الأندلس في ذلك العصر شبيهة جدًا بالمآكل البغدادية.

3- المرحلة العثمانية: هي مرحلة تمتد إلى يومنا هذا، إذ إن الدولة العثمانية شهدت اختلاط شعوب كثيرة، وكانت النتيجة أن الطبق نفسه ممكن أن ينسب إلى الأتراك ويمكن أن ينسب إلى العرب والكرد والأرمن إلى آخره، وكل هذه الشعوب ساهمت في بلورة مطبخ جديد.

كما شهدت المرحلة العثمانية وصول الخضراوات الأمريكية إلى الشرق الأوسط والتي لم تكن معروفة أبدًا في العالم القديم، وكذلك البطاطا والطماطم والذرة، وهي لم تكن معروفة في العالم القديم لا في أوربا ولا آسيا ولا في أفريقيا وجاءت في القرن السادس عشر إلى أوربا، وانتقلت إلى الإمبراطورية العثمانية لكنها لم تستقر في البلاد العربية إلا مع بدايات القرن الثامن عشر.

تباينت عادات الأكل من منطقة إلى أخرى في مصر واختلفت من طبقة اجتماعية لأخرى (الجزيرة مباشر)
مصر

كان لدى سكان مصر القديمة العديد من الخيارات الغذائية، شملت الزراعة وتربية الحيوانات كالأبقار والأغنام، كما كان لدى المصريين تفضيل واضح للطيور مثل الأوز والبط والسمان والحمام.

كما زرع المصريون كميات كبيرة من الحبوب في حوض النيل الخصيب، وأنتجوا الخضروات مثل البصل والكراث والخس والثوم، والبقول مثل الحمص والعدس.

بالنظر إلى تنوع هذه الموارد يمكننا القول إن النظام الغذائي المصري كان متنوعًا ومتوازنًا، لكن المشكلة كانت أن الإمدادات لم تكن منتظمة على الإطلاق وتعتمد على وضع نهر النيل.

علاوة على ذلك، تباينت عادات الأكل من منطقة إلى أخرى في مصر، وأيضًا اختلفت من طبقة اجتماعية إلى أخرى، إذ حصل الأثرياء وأصحاب السلطة على نظام غذائي أكثر وفرة وغنى، أما القطاعات الأكثر فقرًا في المجتمع فاعتمد غذاؤها على الحبوب والخضراوات والبقول.

وتشير معطيات بحثية إلى أن المصريين لم يتمتعوا دائمًا بصحة جيدة، وهذا ينطبق على الأقل على أولئك الذين كان غذاؤهم يعتمد فقط على الحبوب (الكربوهيدرات) أي الطبقات الفقيرة.

إذ تشير معطيات إلى أن متوسط العمر المتوقع كان أقل من 30 عامًا، وأن أسنان المصريين عانت بشكل كبير من التسوس، وأنهم كانوا يعانون من تصلب المفاصل وأمراض القلب وحتى السمنة.

اليونان

شكلت الحبوب 80% من الغذاء في اليونان، ويعتقد أن هذا كان ناتجًا عن أكثر من مجرد اختيار جغرافي واقتصادي، بل كان نتاج أيديولوجية معينة.

فاليونانيون كانوا مقتنعين بأنهم شعب متحضر، على عكس البرابرة الذين اعتمد غذاؤهم على جمع الفواكه والخضروات البرية والصيد، والعيش على ما تقدمه لهم الطبيعة.

أما اليونان فشعروا أنهم من خلال الزراعة فإنهم يحددون عاداتهم الغذائية. بالمقابل اعتبر الصيد نشاطًا خادعًا وعلامة على الفقر.

كانت هناك أنواع معينة من الطعام اعتبرت علامة على مكانة الرجل المتحضر، مثل الخبز والنبيذ وزيت الزيتون، والجبن إلى حد ما.
 بشكل عام وبالنسبة للسكان عمومًا (باستثناء الجنود الذين كانوا يأكلون اللحم والذين استمدوا منه قوتهم الهائلة)، كان تناول اللحم يعتبر ترفًا.

بالمقابل كان تناول السمك منتشرًا على شكل واسع، فالأسماك كانت وفيرة وشكلت طبقًا متوسطيًا تقليديًا. 

انخفاض تناول البروتين الحيواني ترك بصماته على صحة الناس (الجزيرة مباشر)
روما

في روما لعبت اللحوم دورا أكثر أهمية مقارنة مع اليونان، ومع ذلك فإن رمز الغذاء الروماني مثله مثل اليونان، هو الخبز (القمح)، وخاصة بالنسبة للجندي الروماني، إذ كان طعام الجنود خبز القمح مع الزيتون والبصل والتين والزيت.

كان الخبز بالنسبة  للجندي الروماني مهمًا إلى الحد الذي كان يدفعه للاحتجاج إذا تم تقديم اللحم لوحده له دون وجود الخبز.

كان الانضمام إلى الفيلق الروماني شرفًا للفلاحين الرومان، إذ ضمن لهم ضمنت الحرية الاجتماعية، وكان  خبز القمح هو الغذاء الوحيد الذي يفي بمعايير هذا المكانة المرموقة.

والحقيقة هي أن المواطن الروماني العادي أكل كميات صغيرة جدًا من القمح، بالإضافة للحم الخنزير والدواجن والجبن وأحيانًا الأسماك، بينما كان نظامه الغذائي يتكون أساسا من الخضروات.

اعتبرت زراعة القمح علامة على وضع اقتصادي معين، وهو امتياز الطبقات العليا.

ومع ذلك فإن القمح ليس فقط للقطاعات المميزة في المجتمع بل هو الغذاء الذي يساعد السلطات على ربط الناس عندما تحدث مجاعة.

ومن المفارقات أنه على الرغم من أن القمح كان غذاء الأغنياء، إلا أنه كان يوزع على الفقراء خلال فترات المجاعة.

في الحلقة القادمة نأخذكم في رحلة زمنية نكتشف فيها كيف تطور الغذاء في القرون الوسطى في أوربا.

اقرأ أيضًا: قصة الدايت.. الصيد والجمع ثم الزراعة (الحلقة الأولى)

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة