مصر: الأجانب يستحوذن على البنوك والمواطنون غائبون

جاء خروج عدة بنوك أجنبية من السوق المصري في ظرف اقتصادي صعب

تعتبر البنوك في كل دول العالم هي الوعاء الأكبر لمدخرات المواطنين، وعلى الرغم أن الوظيفة الرئيسة للبنوك هي الاتجار في القروض، إلا أن خطط التنمية السليمة، تستطيع أن تجعل للبنوك أدوارًا أخرى، وتكون الممول الرئيس للنشاط الاقتصادي، وتحقيق أهداف التنمية، لذلك يتحدث المصرفيون عن البنك الشامل، الذي يجمع بين الوظائف التجارية والتنموية.

وحسب بيانات البنك المركزي المصري، تمتلك البنوك المصرية 1.87 تريليون جنيه مصر، كودائع للمصريين، في أكتوبر 2015، وتساهم من خلال هذه الودائع في منح الائتمان العام والخاص.

إلا أن الحكومة تعتمد على البنوك المصرية، وبخاصة بنوك القطاع العام في تمويل الدين العام المحلي، عبر الاكتتاب في أذون وسندات الخزانة، كما ساهمت البنوك المحلية المصرية في سداد جزء كبير من المديونية المستحقة على الهيئة العامة للبترول، لصالح شركات النفط الأجنبية، بنحو 3 مليارات دولار خلال عام 2015.

كما قامت بنوك القطاع العام بالاقتراض من الخارج لصالح الهيئات الحكومية، ومؤخراً استخدم جزء من مورد البنوك المحلية من الدولار في تغطية طلبات الاستيراد، حتى لا ينكشف احتياطي النقط الأجنبي لدى البنك المركزي، لما دون احتياجات البلاد من الواردات لأقل من شهرين ونصف الشهر، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن أحد بنوك الاستثمار بمصر.

لكن يلاحظ على التجربة المصرية، أنها فرطت منذ دخولها في برنامج الخصخصة في منتصف التسعينيات في حصص رئيسة لبنوك مشتركة، ثم تطور الأمر إلى بيع أحد بنوك القطاع العام وهو بنك الإسكندرية، لمستثمرين ايطاليين.

وإن كانت هذه الخطوة قد نالت اعتراض العديد من المصرفيين والاكاديميين العاملين في مجال الاقتصاد، لما لها من مخاطر تتعلق بالأمن القومي الاقتصادي، إلا أن هذه الاعتراضات لم تجد آذان صاغية لدى المسؤولين.

 

بنك باركليز أعلن عن بيع فرعه في مصر

كما أن عملية خصخصة البنوك في عهد مبارك، حظيت بشبهات فساد، ما زالت قضاياها معروضة على القضاء المصري، والتى يحاكم فيها ابني مبارك وشركائهم من رجال الأعمال الآخرين.

وفي يناير/كانون ثاني الماضي، صرح متحدث باسم رئاسة الجمهورية، بأن السيسي وجه الحكومة بخصخصة بنوك وشركات رابحة من أجل تنشيط البورصة، وهو ما أثار مخاوف كبيرة بشأن سيطرة الأجانب على البقية الباقية، من مقدرات الاقتصاد المصري.

وفي خطوة اعتبرها البعض مؤشرًا على تراجع الاقتصاد المصري، ورآها البعض إجراءات تخص المستثمرين الأجانب، تخارجت مجموعة من البنوك الأجنبية، وكان أخر هذه البنوك، ما أعلن عن عزم بنك باركليز البريطاني عن خطته للاستغناء عن فرعه في مصر، باعتباره ليس من مكونات خطته الاستراتيجية خلال المرحلة المقبلة.

خطوة بنك باركليز تأتي في ظل ظروف اقتصادية غير مواتية بالنسبة لمصر، ومن الممكن أن يكون لها دلالات سلبية على تقويم مناخ الاستثمار المصري، وبخاصة بعد ما عاناه المستثمرون الأجانب خلال الفترة الماضية، من تحويلات أرباحهم وتدبير تمويل مستلزمات إنتاجهم بالدولار.

وإعلان بنك بركليز عن بيع فرعه في مصر، يفتح الباب للسؤال عن مستقبل البنوك الأجنبية، -وبخاصة الأوروبية منها- في مصر، وكذلك يلاحظ أن معظم البنوك الأجنبية التي تم بيعها، اشترتها بنوك خليجية، باعتبار أن الخليجيين عادة يفضلون الاستثمار في مصر في قطاع الخدمات، مثل السياحة والعقارات، والبورصة، والبنوك، في حين لم يتم دخول المصريين كأفراد أو مؤسسات كمشترين للبنوك الأجنبية التي عرضت للبيع خلال الفترة الماضية.

تجربة خصخصة البنوك بدأت تجربة خصخصة البنوك، ببيع حصص الحكومة في البنوك المشتركة، بحيث تتخلى مصر عن شرط امتلاك 51% من رأس مال هذه البنوك، وسمحت للشركاء الأجانب بالاستحواذ على نسب ملكية تزيد عن 49%، مما مكنها من التفرد باتخاذ القرارات المهمة داخل دائرة عمل هذه البنوك.

واحتفظت الحكومة المصرية بنسبة بسيطة من ملكية البنوك المبيعة للأجانب، وفي أحيان أخرى تخلصت من كامل حصتها.

حدث ذلك في تجارب خصخصة بنك القاهرة وباريس، وبنك القاهرة بركليز، ومصر اكستريور، وبنك الإسكندرية التجاري، والأهلي سوستيه جنرال، والبنك الوطني للتنمية، ثم تطورت لتشمل بيع كامل للبنوك كما تم في بنك الإسكندرية.

المحصلة أن مصر بعد تجربة خصخصة البنوك، وجهت جزءاً كبيراً من حصيلة بيعها، مع باقي حصيلة بيع مؤسسات أخرى، للموازنة العامة للدولة، التي تعاني من عجز شديد، فخسرت مصر تلك البنوك، وظلت البنوك الأجنبية والعربية التي قامت بشراء هذه الحصص من المصارف، تمارس أعمالها المصرفية، وتقوم بتحويل أرباحها للخارج.

البيع لصالح الأجانب

استحوذ الشركاء الأجانب على معظم البنوك المشتركة، التي كانت الحكومة المصرية طرفًا فيها، كما أتت البنوك الخليجية لتساهم في هذا الأمر، وقامت مجموعة البركة بشراء بنك الأهرام، والذي أصبح بنك البركة الآن، وقام البنك الأهلي الكويتي بشراء بنك بيريوس مصر.

كذلك، استحوذ بنك أبو ظبي الإسلامي، على البنك الوطني للتنمية، وقام بنك دبي الوطني بشراء بنك “بي ان بي باربيا”، وكان بنك سوستيه جنرال مصر، من نصيب بنك قطر الوطني. ومن المرجح أن يكون بيع بنك باركليز لصالح الخليجيين أيضاً، وسيكون دور الحكومة المصرية مجرد اعتماد البنك المركزي لعملية البيع.

مضار غياب المصريين

تعد البنوك من المؤسسات الاقتصادية الرابحة، وبخاصة في سوق مثل السوق المصرية، التي تتسم بسعر فائدة مرتفع، وتطلق فيها حرية المجالات المختلفة التي تعمل بها البنوك، ويلاحظ أن المؤسسات المالية العامة أو الأفراد لم يفكروا في الاستحواذ على بعض هذه البنوك التي تم بيعها لصالح الأجانب.

اتجهت استثمارات مصرية وحكومية إلى البورصة ـ أرشيف

لقد اتجهت استثمارات حكومية وعامة إلى الاستثمار في البورصة، على الرغم من أن عوائد الاستثمار في البنوك أفضل من البورصة، لقد كونت صناديق التأمينات والمعاشات، وكذلك شركات التأمين محافظ استثمار في البورصة المصرية، ولم يتم تبني فكرة بناء مركز مالي للاستفادة من شراء البنوك المعروضة للبيع في مصر، والتي اشتراها الأجانب.

ولم يفكر رجال الأعمال عبر جمعياتهم المختلفة، أو منظمات اتحاد الصناعات أو اتحاد الغرف التجارية، في الاستحواذ على هذه البنوك.

استفاد المستثمرون الأجانب كثيراً من شراء البنوك المصرية، فأحد البنوك التي تم خروج الحكومة منها لصالح مستثمرين أجانب، حققت أرباح سنوية بلغت في عام 2011 نحو 250 مليون دولار، فما بالك بباقي البنوك، التي ستعمل بلا أدنى شك على خروج هذه الأرباح لدولها.

وهناك مضار أخرى لغياب المصريين عن شراء البنوك العامة، أو البنوك الأجنبية التي يعاد بيعها مرة أخرى، ومنها: استبعاد المصريين يعرض جزءاً لا بأس به من الجهاز المصرفي للوقوع بالتدريج تحت سيطرة الأجانب، الذين لا يعنيهم سوى الربح، دون اعتبارات التنمية، أو تلبية احتياجات ضرورية، تمثل عصب الاقتصاد المصري.

وغياب المصريين سيشكل ضغطاً على المدى الطويل، على ميزان المدفوعات المصري، بسبب تحويل هذه البنوك لأرباحها للخارج، بينما لو أقدم المصريون على شراء ما هو مطروح من بنوك في مصر، ستكون كافة هذه الأرباح ورؤوس الأموال داخل مصر، ويعاد استثمارها سواء داخل الجهاز المصرفي، أو خارجه، بما يعود بآثار إيجابية من إتاحة التمويل، وخلق فرص عمل جديدة.


المزيد من منوعات
الأكثر قراءة