مصر: ضعف التمويل الخارجي والتنمية المفقودة

الدين العام المحلي في مصر تجاوز كل الخطوط الحمراء ـ أرشيف

لا يزال معدل الزيادة السكانية يفوق معدل التنمية بمصر، وهو أحد الشواهد القوية على تراجع الوضع التنموي، خاصة خلال السنوات الأربع الماضية، فحسب تصريح وزير التخطيط المصري، أشرف العربي، فإن متوسط معدل النمو بالناتج المحلي الإجمالي خلال هذه السنوات بلغ 2% بينما متوسط زيادة السكان بلغ 2.5%.

وبحسب الخبراء فإن المفترض في وضع تنموي سليم، أن يبلغ معدل النمو ثلاثة أضعاف معدل الزيادة السكانية، أما أن يزيد معدل الزيادة السكانية عن معدل النمو، فهذه هي المعادلة المقلوبة، والتي تعكس مأزق التنمية في مصر.

ليس معنى ذلك أن التنمية في مصر قبل ثورة 25 يناير كانت على خير حال، ففي ضوء العلاقة السابقة بين معدل نمو الناتج المحلي ومعدل الزيادة السكانية، نجد أن معدل النمو بلغ نحو 3 أضعاف معدل الزيادة السكانية؛ ولكن تكملة الصورة، أن هذا الناتج كان يوزع بطريق تفتقد للعدالة، مما أدى إلى سوء توزيع الثروة، من ناحية، ومن ناحية أخرى كرس لتهميش شريحة كبيرة من المجتمع المصري، وتراكمت أعداد العاطلين، وكذلك أعداد الفقراء.

ويرى خبراء أنه مما أدى إلى تشوه نتائج التنمية قبل الثورة على الرغم من تحقيق معدلات عالية من النمو الاقتصادي، أن هذا النمو كان يتركز في قطاعات ريعية وغير إنتاجية، مما أفقده القدرة على إيجاد وظائف تناسب الراغبين في الحصول على فرص العمل، وبخاصة الداخلين الجدد لسوق العمل من الشباب.

ويرى الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن السياسة التنموية في مصر منذ عقود ترى أن أزمة التمويل بمصر تحل من خلال الاعتماد على الخارج، عبر الاستثمار الأجنبي أو الدين، وأن هذه السياسة ظلت قائمة إلى الآن، وهو ما نلمسه بوضوح منذ الترويح لمؤتمر “مستقبل مصر” الذي عقد في مارس/آذار 2015.

وقد نشرت مجلة الإيكونوميست منذ شهور أن مصر تحتاج إلى 60 مليار دولار حتى عام 2018 من أجل أن تحقق معدل نمو 5%، وهو ما يعني أن مصر بحاجة إلى تدفقات تمويلية من الخارج بنحو 20 مليار دولار سنويًا في المتوسط، وهو بلا شك تحد كبير بالنسبة لمصر في ظل ظروفها الحالية.

ولا يتوقف طموح الحكومة المصرية في تدبير التمويل اللازم للتنمية من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، ولكن تتجه كذلك للاستدانة من الخارج، بدعوى أن الدين الخارجي لمصر لا يزال في معدلات مقبولة، وأن معدل الفائدة على الاقتراض من الخارج أقل من الاقتراض من الداخل، وتبذل حكومة شريف إسماعيل جهود كبيرة من أجل الاقتراض الخارجي، حيث وقعت على اتفاقيات قروض بنحو 4.5 مليار دولار مع كل من البنك الدولي وبنك التنمية الافريقي.

ويقول الصاوي إن هناك تحديات أمام المستثمر الأجنبي في مصر لا تجعلها في مكانة متقدمة تنافسيًا بين بلدان المنطقة والعالم في مجال الاستثمارات الأجنبية، نظرًا لغياب الاستقرار السياسي والأمني، بينما أصبحت بلدانا أفريقية مقصدًا لهذه الاستثمارات على مدار السنوات الماضية، وبخاصة من الدول الصاعدة مثل الصين وتركيا، مما أفقد مصر ميزة أنها عضو في اتفاقيات إقليمية يستفيد منها المستثمر الذي يقصدها ليحصل على إعفاءات ضريبية وجمركية.

اختلاف التوجهات

وحتى في الاستثمار تختلف أهداف المستثمر الأجنبي عن أهداف البلد المضيف، فهذا المستثمر عينه على الربح بالدرجة الأولى، وبالتالي لا يعنيه الاستثمار في مشروعات تحتاجها التنمية بمصر، أو تمثل أولية نوعية وزمنية، فقد يتجه للمشروعات الريعية أو سريعة الربح، كما حدث من قبل الاستثمارات الخليجية على مدار السنوات الماضية، حيث أتت في مجالات العقارات والمشروعات السياحية، ومجال خدمات الاتصالات والمصارف.

ويرى الصاوي أن مصر في احتياج شديد لمشروعات كثيفة استخدام العمل لامتصاص فائض البطالة، وكذلك ضخ أموال خارجية في مجال الاستثمار بقطاعات الصناعة والزراعة، وبخاصة تلك التي تعتمد على تحقيق قيمة مضافة عالية، وتستهدف سياسة الإحلال محل الواردات في السلع والخدمات، حتى يمكن ردم فجوة الموارد في هذا المضمار، والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار سنويًا.

وبالنظر إلى تجارب مصر في مختلف مشاركتها بالمؤتمرات الدولية والإقليمية نجد أنها تقدم قائمة طويلة من أفكار المشروعات، دون ترتيب أوليات احتياجاتها، بحسب مراقبين.

إن التفكير في استقدام التمويل للتنمية من الخارج عبر الاستثمار الأجنبي المباشر يستجلب المخاطر السابقة، فضلًا عن أن التجارب التنموية في العديد من النماذج الناجحة، في دول جنوب شرق آسيا، تفيد بأن النجاح تحقق عبر المدخرات المحلية، والتي لا يفكر فيها المخطط المصري للأسف، بالشكل المناسب، بحسب الصاوي.

وأوضح أن الاستثمارات الأجنبية في تجارب الدول الأسيوية، أتت لتساعد بعد نجاح المدخرات المحلية في تمويل الاستثمارات، وقبل المساعدة أتت الاستثمارات الأجنبية لتحصد ثمار تجارب ناجحة، ولتحصل على عوائد استثمارية تتسم بالاستدامة والمعدلات العالية من الربح مقارنة ببلدانها الأصلية.

التورط في الدين الخارجي

وإذا كان الدين الخارجي المصري في حدوده الآمنة، إلا أن الشق المكمل لهذه المعادلة أن الدين المحلي تجاوز كل الخطوط الحمراء، وأصبح أحد التحديات التي تؤرق صانع السياسة الاقتصادية والتنموية في مصر, ومع ذلك فإن الاتجاه للتمويل من الخارج في الحالة المصرية يتضح منه أنه من أجل سد الفجوة التمويلية المتمثلة في تمويل عجز الموازنة، أو الحفاظ على معدلات آمنة من احتياطيات النقد الأجنبي.

ويوقل خبراء اقتصاديون إن أوضاع مصر الائتمانية ستفرض عليها أسعار فائدة عالية، وهذه قواعد سوق الائتمان الدولية، ومما يثير الكثير من المخاوف، أن التمويل المتاح بالسوق عادة ما يكون صالح للأجلين القصير والمتوسط الأجل في أحسن الأحوال، بينما تمويل التنمية يتطلب تمويلا طويل الأجل، وهو ما لا يتوفر إلا عبر المؤسسات المالية الدولية أو الاتفاقيات الثنائية بين الدول.

ويحذر الصاوي من أنه أيًا كانت وجهة التمويل عبر الاستدانة من الخارج، فهي ليست منحا أو هبات، وإنما له تكلفة تؤثر في النهاية على أداء الموازنة العامة، وباقي أداء الاقتصاد القومي.

 البديل المهجور

ويضيف الصاوي أن الحكومة المصرية لا تزال تفكر في إطار بعيد عن الاستفادة من التمويل المحلي، إذ قبل التفكير في التمويل، لابد من إعادة النظر في أولويات التنمية، ثم تشجيع التمويل المحلي، وبخاصة غير الرسمي، الذي يقدره البعض بنحو تريليون جنيه مصر، وهو الأمر الذي يجعل هذا التمويل يبلغ نسبة تقترب من 85% من حجم الودائع المتاحة بالجهاز المصرفي المصري.

ولا يحرك هذه الأموال –بحسب الخبير الاقتصادي-إلا أن تعطي نفس المزايا السخية التي تقدم بها مصر عروضها للاستثمار الأجنبي، كما أن مصر فشلت خلال الفترة الماضية في تسويق مشروعاتها التنموية، وبخاصة في مجالات البنية الأساسية من خلال آلية ( B.O.T) أو الصكوك الإسلامية، بينما تجربة الدول الآسيوية أو تركيا تفيد أنها استفادت بشكل كبير من هاتين الآليتين.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة