أهالي المعتقلين بمصر.. قلوبهم في السجون وعيونهم على المصالحة

معاناة كبيرة تعانيها أسر المعتقلين لزيارة ذويهم

في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، كثر الحديث عن مصالحة بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وسط رفض معتاد معلن من الجانبين، غير أن “فئة ثالثة” كانت طيلة هذا الشهر تزور  ذويها في السجون، وتتلهف ومناصروها على متابعة هذا الحديث، على أمل انفراجة تنهي معاناتهم.

منصات التواصل الاجتماعي حفلت بآراء مجموعة من تلك الفئة الثالثة، التي تنحاز إلى مصالحة “عادلة” تخرج ذويهم السجناء من معاناة تجاوزت 3 سنوات، عقب الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي من منصبه في 3 يوليو/ تموز 2013، وما تلاها من عمليات أمنية لتوقيف أشخاص من المحسوبين على معارضي النظام الحاكم، لا سيما من المنتمين إلى جماعة الإخوان، في قضايا تراها الجماعة “سياسية”، وتعتبرها الحكومة “جنائية”.

ويبلغ عدد المعتقلين إثر الإطاحة بمرسي، عدة آلاف وفق بيانات سابقة لحقوقيين وجماعة الإخوان، و500 فقط، بحسب تصريحات إعلامية حديثة للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي كان وزيرا للدفاع، عندما أطاح الجيش بمرسي، مدعوما باحتجاجات شعبية وقوى سياسية ودينية.

وهذا الشهر قدّم مئات من أسر السجناء ومنظمات حقوقية وجهات برلمانية وغير رسمية بيانات سجناء، في محاولة لإدراج أسمائهم ضمن العفو الرئاسي، الذي أقره السيسي، مؤخرا وبدأه بإطلاق سراح 82 شخصا، بينهم إخوان غير مشهورين.

وينتظر أن تصدر قائمة ثانية في وقت لاحق، لم تحدده لجنة العفو الرئاسي، وفق بيانات وتقارير محلية.

وتلى قرار العفو بيومين، طرح من إبراهيم منير، نائب مرشد الإخوان، مساء السبت 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، بإمكانية القبول بتصور من “حكماء” لمصالحة “مشروطة” لحل الأزمة السياسية في مصر، قبل أن ترفض الجماعة، في بيان رسمي، هذه الخطوة بعدها بساعات قلائل، عقب هجوم عليها من قواعدها على مواقع التواصل الاجتماعي.

الفئة الثالثة.. وطرح جريء

أهالي المعتقلين (السجناء السياسيين) هم الفئة الثالثة التي لها حق إتمام أي مصالحة تجرى في البلد، بحسب حمزة زوبع، أحد قيادات الإخوان البارزة في الخارج، والذي أضاف أن “المصالحة ليست بيد أي فصيل، بل بيد الشعب وأولياء الدم (ذوي القتلى) وأهالي المعتقلين (السجناء) والمصابين والمشردين”.

وفي مقال نشر قبل أسبوع على أحد المواقع الإخبارية، بعنوان “فتنة المصالحة”، اقترب زوبع من معاناة ذوي السجناء وانحيازهم، الذي بات معلنا، لمصالحة عادلة تخرج أبناءهم مما هم فيه، قائلا: “لا يمكن أن يلوم أحد الإخوان إن طالبوا بالإفراج عن المعتقلين، فهؤلاء ليسوا ألفا أو ألفين، بل عشرات الآلاف”.

ونفي أن يكون ضد الإفراج عنهم “في ظل ما يصل من رسائل من وراء القضبان ومن خارجها يشيب له الولدان”، على حد قوله.

مصالحة مقابل حرية

هذه المعاناة التي تحدث عنها زوبع كانت منطلق آراء عديدة عبر منصات التواصل “تويتر”، و”فيسبوك”، لمحتكين بمن في السجون أو حتى لمسجونين، تشير طيلة هذا الشهر إلى أنها مع إتمام مصالحة وطنية في مصر شريطة إخراج ذويهم من السجون.

وعبر “تويتر”، غرد أكثر من حساب حول دعم المصالحة، منهم حساب “Ahmed Abdelwahab” بقوله :”أنا مع المصالحة بين الإخوان والسيسي في الوقت الحالي مع خروج كافة المعتقلين”.

“أسامة زيد” ذكر عبر صفحته أيضا أنه يتحدث “من داخل السجن” (لم يحدده)، قائلا : “تابعت كل الكلام الكثير عن المصالحة.. الرافض والمتحامل والمؤيد الذي يرى معاناة المعتقلين والمطاردين وأهاليهم”.

وتحت هاشتاج (وسم) #أدعم_المصالحة كتب حساب “aymenstein” : “من لا يعجبه ممن هم في الداخل (البلد) فليتقدم لدخول السجن بدلا من المعتقلين ومن لا يعجبه في الخارج فليتفضل بالعودة إلى مصر”.

وهو ما اتفق معه حساب “Nader Elsayed”، قائلا لرافضي المصالحة: “عيشوا معاناة المعتقلين وأهاليهم وبعد ذلك قولوا أنتم مع المصالحة أو لا”.

وعبر “فيسبوك” قال “أحمد عبدالله بكري” عبر صفحته: “بالنسبة للمصالحة.. طالما ليست لديك رؤية لاسترداد حق الشهداء ولا لخروج المعتقلين فليس من حقك (أن) تعترض على أي مبادرة يكون فيها حلّ لخروج المعتقلين مبدئيا”.

موافقة مشروطة لمصالحة العفو

محمد خلف، والد أحمد، وهو شاب سجين في سجن وادي النطرون (شمال) قال: “أهلا بالمصالحة إذا خرج ابني بكرامته وتلقى معاملة مواطن محترم، أما يخرج كذليل ويعامل مواطن درجة ثانية، فأنا أرفض المصالحة”، بحسب مداخلة تليفونية أجريت في وقت سابق من هذا الشهر عبر أحد برامج قناة “مكملين” التلفزيونية، التي تبث من خارج مصر، دون أن يتطرق الأب إلى مطالب جماعة الإخوان المعتادة.

ويتفق معه إبراهيم متولي، محام مصري، ومتحدث باسم “رابطة المختفين قسريا” (غير حكومية)، ووالد عمرو، أحد المختفين عقب مظاهرات بالقاهرة في يوليو/ تموز 2013، قائلا: “أتفهم معاناة أهالي المعتقلين والمختفين قسرا، وأنا منهم، وأود أن تتم مصالحة أو أي انفراجة، ولكن بشروط ألا تجور على الحقوق أو تكون محل مساومة لنا، وألا تترك النظام يمر دون محاسبة”.

ومحاولا اتخاذ موقف وسط بين تأييد ورفض، أضاف: “مسألة الإخوان والمصالحة مع النظام قد تفيد المعتقلين والمختفين، لكني أرفض أن تقحم الملفات الحقوقية ضمن ملف سياسي، فالنظام سواء كان انقلابيا أو إسلاميا أو ليبراليا عليه التزامات تجاه حقوق الإنسان يجب تنفيذها دون مصالحة”.

رفض العفو.. قرار ذو وجهين

وتبقى  الرافضة من أسر السجناء لفكرة المصالحة تشكل الأغلبية.

أحمد أبو زيد، باحث إعلامي، وأحد المتابعين لملف السجناء المصريين، قال: “مفهوم شريحة كبيرة من أسر المعتقلين ترفض المصالحة مرتبط بأنها ترفض إسقاط الجرائم التي ارتكبت في حقهم عن مرتكبيها”.

وأضاف أبو زيد : “سبب ثان هو إيمانهم بثورتهم ضد النظام غير الشرعي بالنسبة لهم، فضلا عن أن أغلب الأهالي يبنون توجههم علي رأي ذويهم المعتقلين وأغلبهم يرفضونه، وهناك أقل من 1000 شخص فقط من آلاف لجأوا إلى استمارات العفو الرئاسي، وهو ما يعني أن عشرات الآلاف من الأسر ترفض هذا المنحى”.

القانون والفئة الثالثة.. يقتربان

في المقابل، قال عزت غنيم، مدير “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات” (غير حكومية مقرها القاهرة)، وأحد الحقوقيين البارزين في ملف سجناء المعارضة، إن “جزءا كبيرا من الداعين إلى إنهاء الأزمة بين الإسلاميين والنظام موجودون في مجموعات كثيرة من أسر المعتقلين الموجودين داخل مصر، أما الجزء الكبير الرافض لهذا الأمر، فهم مجموعات لمصريين موجودين خارج البلد”.

وأضاف غنيم، أن “أغلب الأسر تحدثنا كحقوقيين عن قبولهم بخروج ذويهم السجناء لكن بشرف ودون إملاء شروط عليهم أو مجرد تهدئة للأمور وتعود الاعتقالات بعد فترة”.

وحول قانونية “العفو مقابل المصالحة”، قال إن “تاريخ مصر لا يعرف مصالحة وطنية ساعدت على إتمام وإخراج آلاف المعتقلين، وما تم في عهد الرئيس أنور السادات (1970 – 1981) والرئيس حسني مبارك (1981- 2011) كان عفوا رئاسيا لعدد معين عن عقوبة بعينها، لكن القانون يسمح بذلك عبر قانون عفو شامل يصدره البرلمان عن جميع المتهمين في عقوبات بعينها”.

موقف طبيعي

كمال حبيب، الأكاديمي المتخصص في شؤون الإسلام السياسي، يري أن “المأساة الواقعة مع تزيد أعداد المعتقلين دون حلول تجعل كثيرين يندفعون إلى تلك (المصالحة)، وهذا موقف طبيعي”.

ودعا حبيب، جماعة الإخوان إلى “الجرأة، وتقديم بيانات اعتذار للشعب، وإجراء مراجعات فكرية، واقتراح أسماء وسطاء”، بجانب “قيام النظام (الحاكم) بالإفراج عن آلاف المحبوسين من الشباب والنساء، ووقف مصادرة أموال الإسلاميين، وتفعيل قانون العدالة الاجتماعية، الذي ينص على المصالحة الوطنية، وإيقاف الحملات الإعلامية من الجانبين”.

ومنذ الإطاحة بمرسي عام 2013، تشهد مصر أزمة سياسية وانقساما مجتمعيا، وفق مراقبين، لم تفلح معها حتى الآن مبادرات من سياسيين ومبعوثين دوليين بين نظام حاكم يرفض عودة الإخوان إلى المشهد، وقطاع من المصريين يرفض بقاء السيسي في الحكم، الذي يعتبره نتيجة “انقلاب على مرسي”، بينما يعتبر آخرون أنه جاء استجابة من قيادة الجيش لـ”ثورة شعبية” رافضة لاستمرار حكم مرسي.

وتتهم السلطات قيادات جماعة الإخوان وأفرادها بـ”التحريض على العنف والإرهاب”، وأصدرت في ديسمبر/ كانون أول 2013 قرارا باعتبارها “جماعة إرهابية”.

فيما تقول جماعة الإخوان إن نهجها “سلمي” في الاحتجاج على ما تعتبره انقلابًا عسكريا على مرسي، الذي أمضى عامًا واحدًا فقط من فترته الرئاسية.

وفي ظل الأزمة السياسية والاضطرابات الأمنية والأوضاع الاقتصادية المتردية في مصر، أظهر استطلاع للرأي أجراه المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة- غير حكومي) تراجع شعبية السيسي بنسبة 14%، أي من 82% قبل إلى 68% الآن، وذلك بحسب نتائج نشرها المركز، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بمناسبة مرور 28 شهرا على انتخاب السيسي.


المزيد من منوعات
الأكثر قراءة