التشريعات الاقتصادية في مصر ومخاوف “تقنين الفساد”

الرئيس السابق عدلي منصور والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي

من المسلم به دستوريا وقانونيا أن السلطة التشريعية صاحبة الحق الأصيل في إصدار التشريعات، إلا في حالات الضرورة القصوى، لذا أعطت المادة رقم 156 من الدستور المصري 2014 –بعد انقلاب 3 يوليو 2013- لرئيس الجمهورية سلطة إصدار قرارات لها قوة القانون في حالة الضرورة؛ ولكن بقيود معينة.

فقد نصت المادة على أنه: “إذا حدث في غير دور انعقاد مجلس النواب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، يدعو رئيس الجمهورية المجلس لانعقاد طارئ لعرض الأمر عليه، وإذا كان مجلس النواب غير قائم، يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين، على أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها خلال 15  يوماً من انعقاد المجلس الجديد، فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس، زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة، أو تسوية ما ترتب عليها من آثار”.

وهذه المادة تقر ذات السلطة المنصوص عليها في المادة 147 من دستور 1971 وبذات القيود، وعلى الرغم من وجود هذه المادة في دستور 1971 فبحسب الجريدة الرسمية بلغ عدد القرارات الجمهورية بقوانين التي صدرت بعد عام 1971حتى نهاية عام 2010 -أي خلال 40 عاما- 88 قرارًا جمهوريا بقانون، منها 61 قرارًا في عهد الرئيس الراحل السادات، و27 قرارا في عهد الرئيس المخلوع مبارك، وبمتوسط قرارين كل عام، بينما بلغ عدد القرارات الجمهورية بقوانين التي صدرت في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور والرئيس السيسي عدد331 قرارا بقانون، وبمتوسط 150 قرار بقانون كل عام، فهل اتسمت هذه القرارات بقوانين جميعها بشرط الضرورة، والتدابير التي لا تحتمل التأخير الذي اشترطه الدستور؟

في هذا الصدد وافق مجلس النواب المصري –الذي انتخب مؤخرا- على تشكيل 19 لجنة نوعية، برئاسة أكبر الأعضاء سناً، ويتولى أصغر الأعضاء أمانة السر؛ على أن تتولى تلك اللجان مراجعة القرارات بقوانين التي صدرت في غياب البرلمان خلال عهدي الرئيس السابق عدلي منصور، والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، بالإضافة إلى إعداد تقرير بشأنها تنتهى منه يوم السبت المقبل.

وقال على عبد العال رئيس البرلمان إن المجلس سيناقش تلك القرارات بقوانين الأحد المقبل، معلناً أنه بعد مناقشة القرارات بقوانين سيتم إعداد لائحة جديدة للبرلمان سيتم فيها تقسيم اللجان النوعية من جديد.

القوانين الاقتصادية
وبينما تتعدد مجالات القرارات الجمهورية بقوانين التي أصدرها منصور والسيسي، تأتي القوانين الاقتصادية في مقدمة التشريعات المهمة والخطيرة من حيث تأثيراتها الحالية والمستقبلية على الوضع الاقتصادي لمصر والحالة المعيشية للمصريين، حيث عمد قائد الانقلاب العسكري -منذ قيامه- على إصدار العديد من التشريعات الاقتصادية التي قد تقنن للفساد وتهدر ثروات البلاد، بحسب محللين، وفي مقدمتها القرار بقانون الذي صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 من الرئيس المؤقت عدلي منصور بالسماح للحكومة بالتخلي عن المناقصات وإسناد المشروعات لأي شركة في الحالات العاجلة، وهو ما ساهم بصورة ملحوظة في عسكرة الاقتصاد، واستيلاء العسكر على معظم المشروعات ومزاحمة القطاع الخاص وتصفية العديد من الشركات.

كما أصدر عدلي منصور في إبريل/نيسان 2014  قرارًا بقانون آخر لتقنين الفساد وذلك  بحظر الطعن من طرف ثالث على العقود التي تبرمها الحكومة مع أي طرف، مصريًّا كان أو أجنبيًّا، وسواء أكانت تلك العقود متعلقة بالخصخصة أو ببيع أراضي الدولة أو تخصيص العقارات أو أعمال المقاولات أو غير ذلك، وذلك على خلاف ما كان في السابق مثلما حدث لوقف بيع عمر أفندي وغزل شبين الكوم عبر حكم قضائي.

كما قام عبد الفتاح السيسي بعد توليه الرئاسة بإصدار مئات القرارات الجمهورية بقوانين، ومنها العديد من القوانين الاقتصادية، ففي 12/3/2014م (قبل انعقاد المؤتمر الاقتصادي بيوم واحد) قام بتعديل بعض أحكام قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997، وقانون الضريبة على الدخل الصادر بالقانون رقم 91 لسنة 2005، وقانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، وقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة الصادر بالقانون رقم 159 لسنة 1981متخذا من الاستثمار الأجنبي غاية لا هدفا والتفريط في الموارد منهجا.

قانون ضمانات وحوافز الاستثمار
ففد منحت تلك التعديلات لغير المصريين الحق في تملك الأراضي والعقارات بل وبالمجان أيضا، وسمحت للمستثمر الأجنبي بالدخول والخروج دون قيود بصورة قد تضيع معها حقوق الأطراف المرتبطة به وفي مقدمتها القوى العاملة، وأقرت انتفاء المساءلة الجنائية للمستثمرين وتابعيهم، وسمحت لمجلس الوزراء بمنح مميزات للشركات كثيفة الاستخدام للعمالة تتضمن الحصول على الطاقة بأسعار مخفضة وتحميل الدولة جزءا من تكاليف تدريب العاملين وتكاليف حصة العامل ورب العمل في التأمينات لمدة محددة. كما نصت على تخفيض ضرائب المبيعات على الآلات والمعدات وإعادتها للمستثمرين مع تقديم أول إقرار ضريبي.

قانون الضريبة على الدخل
وفي أول يوليو/تموز 2014 أصدر السيسي قرارا بقانون بتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على الدخل بمقتضاه تم فرض ضريبة بنسبة 10% على الأرباح الرأسمالية والتوزيعات النقدية بالبورصة، ومع ضغوط مافيا رجال الأعمال تراجع السيسي عن قراره وقام بتأجيل ضريبة الأرباح الرأسمالية لمدة عامين مع استمرار ضريبة التوزيعات النقدية.

وفي يوليو2014 –أيضا- أصدر السيسي قرارا بقانون يحدد الحد الأقصى لأجور العاملين بالحكومة والقطاع العام بمبلغ  42 ألف جنيه شهريا، وهو ما يمثل 35 ضعفا الحد الأدنى البالغ 1200 جنيه، وقد فرغ القانون من مضمونه بعد استثناء القضاء والشرطة والبنوك من الحد الأقصى وفي الوقت نفسه بات الحد الأدنى للأجور نسيا منسيا.

 

المصدر : الجزيرة مباشر