سد النهضة.. الاختبار الأصعب لمصر

بعدما دخل سد النهضة مرحلة التشغيل يتوقع أن يحجز هذا السد العملاق نحو70 مليار م3 من مياه النيل الأزرق، ويعتبر النيل الأزرق الرافد الرئيسي لنهر النيل، فهو يمد النيل بنحو 86% من مياهه، أي ما يعادل نحو 72 مليار م3.

ويمكن تصور حجم الضرر إذا أخذنا في الاعتبار أن كمية المياه الواردة لمصر والسودان تبلغ نحو 84 مليار م3.. وبمعنى آخر، ملء خزان السد بالمياه يمكن أن يحرم مصر والسودان عاما كاملاً من مياه النيل الأزرق أو على أقل تقدير سيؤدى الى استهلاك نحو ثلثي المخزون الاستراتيجي في بحيرة ناصر.

ويتوقع أن يؤدى انخفاض منسوب النيل إلى تأثر توربينات السد العالي، وبالتالي تفاقم أزمة الطاقة التي تضرب البلاد.

وثمة توقعات بأن تقل نسبة الطاقة المتولدة من توربينات السد العالي بنسبة 37%، بسبب انحسار منسوب النهر وتذبذب معدل جريانه، هذا الى جانب تأثر الثروة السمكية والملاحة النيلية وما يتعلق بها من سياحة وتجارة داخلية.

ومما يزيد الأمر سوءاً أن مصر دخلت بالفعل مرحلة الفقر المائي حيث يقل نصيب المواطن المصري من المياه (630 م3) عن المعدلات الدولية وهى 1000 م3سنوياً، أضف الى ذلك أن هناك حاجة ملحة لاستصلاح ملايين الأفدنة لاستيعاب الزيادة السكانية المتفجرة وسد فجوة الغذاء التي تستنزف العملة الصعبة.

فمصر الأولى عالمياً في استيراد القمح على مدار عقود، بالإضافة الى استيراد اللحوم والألبان والزيوت والسكر والشاي، ويتوقع أن يصل العجز المائي في مصر الى 80% بحلول عام 2030.

 مخاطر انهيار السد

والأسوأ من حجز مياه النيل هو مخاطر تعرض السد للتصدع والانهيار مما يؤدى الى غرق بلاد النيل في مياهه وطمرها تحت طميه كما حدث في حوادث مشابهة. فبخلاف السد العالي، تم بناء سد النهضة من الكتل الخرسانية مما يعرضها الى خطر التصدع والانهيار بسبب الهزات الأرضية ، فكما المنشئات العملاقة الأخرى، تتعرض السدود الى مخاطر التصدع والانهيار بسبب الزلازل أو ضغط الطمي المتراكم أمام السد أو الاندفاع الشديد للمياه نتيجة الفيضانات العارمة أو الانهيارات الجبلية أو تسرب المياه في بنية السد والمنطقة الحاضنة له مما يؤدى الى انجراف التربة وما عليها.

هذا بالإضافة الى مخاطر وجود عيوب في التصميم والتنفيذ والارتفاع المبالغ فيه، فسرعة اندفاع مياه النيل الأزرق تزيد في بعض الأحيان على نصف مليار متر مكعب يوميا، وبارتفاع يصل أحياناً الى 600 م.

ومما يعزز المخاوف من انهيار السد هو تضارب المعلومات حول سعته ( كانت 18 مليار م3 في البداية)، وارتفاعه وضعف الدراسات الجيولوجية والفنية له، أضف الى ذلك، عدم وجود ضمانات أمان، وشيوع فشل المشروعات التنموية في أثيوبيا، علاوة على تجارب العالم القاسية من كوارث عظيمة من جراء انهيار السدود.

فقديماً، انهار سد مأرب في اليمن ما سبب هجرة معظم سكانه وتشتتهم بين شعوب المنطقة. وبالمثل، إنهار سد مقاطعة هنان Henan  في الصين عام 1975 مما أسفر عن مقتل 171 ألف شخص وتدمير 11 مليون منزل. كما انهار سد تيتون Teton  بولاية أيداهو الأمريكية عام 1976 أثناء عملية ملء الخزان. وحديثاً، إنهار سد قرب جاكارتا في مارس 2009 ما تسبب في مقتل 67 شخصاً. وفى نفس الشهر من نفس العام قتل 50 شخصاً جراء انهيار سد في إندونيسيا. وأحدث كارثة هي انهيار سد أليو في الهند  في 12 يناير/كانون الثاني من العام الماضي أثناء اختباره للمرة الأولى.

 حلول متأخرة وصعبة

ثمة عدد من الخيارات أمام حكومتي مصر والسودان للتعامل مع الأزمة، الخيار الأول هو خيار المفاوضات والاتفاق مع الجانب الأثيوبي على ضمان حقوق مصر والسودان التاريخية في النيل والإشراف المشترك على التصميم والتنفيذ والصيانة والتحقق من شروط الأمان وضمان عدم تذبذب جريان النهر والبحث في مشروعات لحصاد المياه تعوض الفاقد نتيجة بخر المياه وتسربها في الأرض أمام السد. وهذا المقترح بعض أجزائه فاتها الزمن ولم تعد تصلح مثل الإشراف المشترك في التصميم والتنفيذ، فالسد الآن في مرحلة تجاوزت ذلك، وذلك في حيز التشغيل.

 وبمعنى آخر، يجب الاتفاق على التحكم في معدل جريان المياه بحيث يضمن عدم تأثر احتياجات الزراعة والملاحة في نهر النيل أو توقف توربينات سدود مصر والسودان، وذلك بالاعتماد على المخزون الاستراتيجي في بحيرة ناصر.

وبذلك يصبح مخزون بحيرة سد النهضة مكملاً لمخزون بحيرة ناصر، مع الأخذ في الاعتبار فقدان نسبة كبيرة من المياه نتيجة البخر والتسرب في طبقات الأرض أمام سد النهضة، ومن شروط الأمان المقترحة تصغير حجم السد أو استبداله بعدد من السدود الصغيرة بحيث لو انهار أحدها تكون أضراره محدودة، ويفضل أن تكون الاتفاقية موثقة ومضمونة دولياً ومتضمنة شروطا جزائية محددة، وهذا المقترح كذلك لم يعد ممكنا، فسد النهضة اكتمل بناؤه.

كما يمكن للجانب الأثيوبي عرض بعض المقترحات لمشروعات حصاد المياه في أعالي النيل الأزرق لتعويض الفاقد الناتج عن البخر أمام السد وتسرب المياه في طبقات الأرض.

وفى المقابل، يمكن عرض حزمة من الحوافز على الجانب الأثيوبي والسوداني تشمل تكاملا اقتصاديا أوسع يتضمن اتفاقيات للتبادل التجاري بين الدول الثلاثة وربط شبكات الطرق والسكك حديد وشبكات الكهرباء. فإثيوبيا ربطت شبكتها بشبكة السودان، لكن لا يوجد ربط كهربائي بين مصر والسودان، وصعوبة هذا المقترح التمويل، الذي أصبح أزمة معضلة لمصر.

كما أن السلطات المصرية بعد الانقلاب العسكري أدارت ظهرها للتكامل مع السودان، حيث جمدت افتتاح الطريق البرى بين مصر والسودان وأوقفت مشروع ربط شبكات الكهرباء بين البلدين ومشروع استصلاح مليون فدان في السودان، لذلك ففرص التعاون مع السودان في ظل الحكومة الحالية ضعيفة لترددها في الدخول مع السودان في أي مشروعات اقتصادية.

سوف يتولد عن هذا السد العملاق حوالى 6000 ميجا وات من الكهرباء وسوف تحتاج إثيوبيا الى الربط الكهربائي مع مصر لتصدير هذه الطاقة، وطاقة سدودها الأخرى، الى شبكة الدول الثمانية وقطاع غزة والاتحاد الأوربي.

ويمكن للجانب المصري فرض رسوم على عبور الطاقة الكهربائية من أراضيه، كما الحال في قناة السويس وكابلات الاتصالات البحرية. وبمعنى آخر، فإن دور مصر محوري في نجاح سد النهضة لأن غرضه الوحيد هو توليد الكهرباء بغرض التصدير.

ويمكن طلب مساعدة الدول العربية ولا سيما دول الخليج بالنظر لمصالحها المشتركة مع إثيوبيا. فهناك عمالة أثيوبية في دول الخليج ويوجد استثمارات خليجية في أثيوبيا، كما تقدم هذه الدول مساعدات تنموية لأثيوبيا والدول الأفريقية، ومما يجعل هذا الأمر في غاية الصعوبة، اختلاف وجهات النظر بين كل من مصر ودول الخليج حول الدور الإقليمي، فالصورة الآن هي صورة يحكمها الصراع بين الطرفين، وليس التكامل.

وهناك من ينادى باستخدام القوة للتعامل مع الأزمة. فاعتماد القوة أو حتى التلويح بها يمكن أن يبعث برسالة للإثيوبيين ودول حوض النيل الأخرى مفادها أن مياه النيل خط أحمر وأن الوضع السياسي المضطرب في مصر لن يثنى الجيش عن تأمين منابع النيل.

فمثلاً، يمكن التلويح بالقوة عن طريق إرسال سرب من الطائرات المصرية المقاتلة لتصوير السد، لكن هذا الخيار صعب في ظل دعم السودان للسد، غير أنه يمكن جذب السودان الى جانب مصر عن طريق عقد اتفاقية للدفاع المشترك مع السودان وإجراء مناورات مشتركة وإنشاء قاعدة عسكرية مصرية قرب الحدود مع أثيوبيا ومساعدة السودان في تخفيف الحظر الدولي عليها وكبح جماح المتمردين. وهذا المقترح ستقف دونه قوى دولية، تريد لمصر أن تبقى أسيرة ضغوط متعددة.

ويمكن تعزيز هذا الخيار بمنع السفن الإثيوبية من المرور بقناة السويس حتى يتم الاتفاق حول السد. كما يمكن التلويح بمنع سفن الدول الداعمة للسد من المرور أيضاً. ومما يعزز هذا الخيار أن دولاً مثل الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدم الضربات الاستباقية بحجة حماية أمنها القومي. فإن لم تستخدم مصر قناة السويس كأداة ضغط على الدول المعادية فمتى تستخدمها؟- يقول المنادون – وإن لم يتحرك الجيش المصري لحماية النيل فمتى يتحرك؟ وما فائدة طائرات الرافال ومنظومات الصواريخ الروسية وحاملات الطائرات الفرنسية التي تم شراؤها مؤخراً؟ ولكن المرور بقناة السويس تنظمه اتفاقية دولية، قد لا تمكن مصر من تنفيذه.

يقول خبراء أنه لا يمكن ضرب السد بعد اكتماله حيث أن تدميره بعد ملء الخزان سيغرق السودان. لذلك لابد من اتخاذ إجراء حاسم الآن وليس غدا: إما الاتفاق والضمانات والتنسيق المشترك أو القوة والعقوبات. فنجاح السد أو انهياره يهدد وجود مصر والسودان ويعيد تشكيل المنطقة عندما يسفر عن هجرة الملايين خارج وادي النيل. والخلاصة من وجهة نظر هؤلاء أن الانقلاب العسكري قد فوت على مصر العديد من الفرص وأوراق الضغط التي كان يمكن أن تمارسها على إثيوبيا لمنع إقامة سد النهضة.

 

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة