زوجة محمد البطاوي تكتب: أرقب الودع وأنتظر حريته

وقفة تطالب بالإفراج عن الصحفي محمد البطاوي

 

كمن يرقب الودع، أجلس أنتظر اتصالا من أحدهم يخبرني بالقرار الصادر من نيابة أمن الدولة العليا بمصر، بعد عرض زوجي محمد البطاوي، الصحفي في مؤسسة أخبار اليوم القومية، وعضو نقابة الصحفيين، عليها.

تذكرت زميلاتي في المدرسة، حين تقرب النتائج الدراسية على الظهور وهن يمسكن وردة يقطعن أوراقها ورقة تلو الأخرى مع ترديد عبارة "هانجح.. مش هانجح"، أو حين تجلس إحداهن تعاتب نفسها، بأن سمحت لقلبها بأن يحب ويبادل المشاعر مع صديق لها، وتمسك وردة وتردد "بيحبني.. هيسبني".

لا أدري لماذا تذكرتهن الآن، وأنا أجلس على صفيح ساخن، أنتظر خبرا يفرحني بإخلاء سبيل زوجي، أو آخر يبكيني، لأبيت ليلتي بين أدمعي على خبر تجديد حبسه، وهو ما حدث على مدار 4 مرات سابقة.

قدر الله علينا، أن تداهم قوات الأمن المصرية، فجر الأربعاء 17 يونيو/ حزيران، الذي يقع في مدينة طوخ بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)، وتقوم باعتقاله بعد تفتيش دقيق للمنزل وبعثرة محتوياته، والتحفظ على هاتفه الشخصي، ووحدة تخزين خارجية تضم صور الأسرة، و2 كمبيوتر محمول يخصه ويخصني، وكل إثباتات الشخصية الخاصة به كبطاقة الرقم القومي، ورخصة القيادة، وبطاقة عضوية نقابة الصحفيين، وجواز السفر، وكتب وأوراق ماجستير تخصني وتخصه، دون إبداء أية أسباب أو إظهار إذن من النيابة.

جاء اعتقال البطاوي بعد أقل من 48 ساعة من اجتماع مجلس نقابة الصحفيين مع رؤساء تحرير الصحف القومية والخاصة والحزبية، لبحث الهجمة التي يتعرض لها الصحفيون من قبل وزارة الداخلية، لتأتي النتيجة سريعة باعتقال الصحفيين.. فكل امرئ بات مصبح في بيته والسجن أقرب من شراك نعله.

تلغرافات موجهة إلى محامي الشعب، والمحامي العام لنيابات القليوبية، ووزارة الداخلية، واتصالات مكثفة من مؤسسته ونقابته، لم تفلح في الإجابة على سؤال وحيد: أين البطاوي؟

6 أيام يفطر الصائمون على آذان مغرب رمضان، وتتجمع العائلات، وتتكاثر اللقاءات الأسرية، وأنا مضربة عن الطعام، حتى يظهر، كما هو حال والدته ووالده، اللذان لم يطيقا حتى تذوق الطعام، وهم لا يعرفون شيئا عن نجلهم.

مع عصر اليوم السادس لاعتقاله، طالعتنا وكالة الأنباء الرسمية، ببيان أمني يقول إن البطاوي في محبسه بسجن استقبال طره (جنوبي القاهرة)، قبل أن نعرف أنه قضى فترة اختفائه القسري في مقر الأمن الوطني في شبرا الخيمة المسمى بـ"السلخانة"، وأنه تم حبسه على ذمة قضية 503 لعام 2015 أمن دوليا عليا.

البطاوي كانت تهمته الوحيدة الانتماء لجماعة أسست على خلاف القانون، وهي التي ذكرها البيان الأمني، إلا أننا فوجئنا خلال عرضه على النيابة بعد شهر من اعتقاله باتهام جديد صاغه وكيل النيابة بـ"الاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جرائم التخريب العمد، وحيازة مواد مفرقعة واستعمال مفرقعات، وتعريض حياة المواطنين للخطر والتخريب العمدي للمباني والمنشآت العامة"، وهو ما أنكره البطاوي وسأل: "أين هذه المفرقعات؟" 

فزوجي لا توجد أحراز ضده يمكن اتهامه بها، ولا توجد أحراز في قضيته المنضم فيها آخرين منهم المهندس والطبيب والصيدلي، ليبقى السؤال الذي لا أجد له إجابة: كيف يمكن اتهام صحفي صاحب قلم بهذه الاتهامات؟ وعلى أي أساس يتحول القلم الحر لمواد مفرقعة؟ وأي تحريض قام به زوجي وتتحدث عنه النيابة؟ وهل بات القلم الصحفي أداة لتخريب للمنشآت؟!

أوقن تماما أنه مظلوم، لكن لا حيلة لنا، فقرار الحبس سياسي لا يمت للقانون بصلة، وقرارات تجديد الحبس الماضية بعيدة تماما عن مصطلح العدل، وبينها وبينه حجب لا تنتهي.

مرتان حتى الآن، يأتيني اتصال من محاميه يخبرني أن البطاوي لم ينتقل إلى مقر النيابة، ولكن النيابة هي من انتقلت له في سجنه، وبالتالي منعوه من الدخول، ليجدد حبسه في مقر السجن الذي تشرف عليه من اعتقلوه وسجنوه، ليصبحوا الخصم والحكم في آن واحد.

بالطبع في المرتين وفي غيرهما، يتم تجديد الحبس على الأوراق كإجراء روتيني، تفعله نيابة أمن الدولة عند انتقالها للسجن، ينتهي بإمضاء بتجديد الحبس دون تحقيق أو حضور محامين.

"محمد صابر أحمد البطاوي" اقترن اسمي باسمه، منذ أربع سنوات: واحدة كانت للخطبة وثلاثة للزواج.. رزقنا الله بطفلتنا "سندس" التي تبلغ من العمر سنتان و3 أشهر، هي بهجة حياتنا ومصدر سعادتنا.

لم يعرف الحزن لبيتنا طريقا، ولم يطرق التوتر قلوبنا تقريبا، ولم يحدث شجار بيننا تحسسه الجيران، ولم يعلم أحد عنا شيئا فحياتنا قائمة على الود والحب، يسودها السلام والاطمئنان، ويزينها العشق والرفق.

وعلى صعيد العمل لم أسمع شكوى عن محمد تدينه في شيء، أو شجارا حدث بينه وبين أحد، ولم أر أموالا دخلت بيتي اختلسها زوجي، أو عرفت أنه تورط في رشوة، أو نهب أموالا ليست له، أو استولى على أشياء لا تخصه، أو تطرق لموضع شبهة، كان يحب عمله ويسعى لإتقانه ولو على حساب بيتنا.

البطاوي محبوب من زملاء عمله، ومن أفراد عائلته وعائلتي، بارا بأبيه وأمه، رفيقا بي وبطفلتنا، يجمع الجميع على توافق شخصيته مع الآخرين، له أصدقاء من كل التيارات رغم تناقضاتها، يحب وطنه ويريد أن يراه الأفضل بين دول العالم، لم يكن يحب مغادرتها من خلال الهجرة أو السفر للخارج، فهو لا ير نفسه خارج أي بلد أخرى.

تمنيت كثيرا أن أكون في دولة تقدر أبناءها، ويكون العدل مسلكها، تمنح زوجي حريته فأنا أحتاجه وابنته تحتاجه أكثر مني.

طفلتي تعاني من توتر يؤرق طفولتها البريئة، يجعلها تستيقظ ليلا من نومها لتنادي على والدها وهي تبكي بحرقة، ويجعلها تردد اسمه يوميا بصفة متكررة وهي تسأل عنه "فين محمد طاوي؟" أو وهي تعبر عن حبها له وهي تقول: "بابا حب دوسة.. ودوسة حب بابا".. يجعلها تبحث عن صوره وتجلس في ركن من أركان شقتنا لتتأمله، أصبحت تقبل صوره بتأمل.

دائما أخبرها أن والدها في عمله، فهي لم تدرك بعد مفاهيم السجن، الظلم، العدل، الحرية، لصغر سنها وبراءتها الملزمة لطفولتها.

لا أعلم كيف سأخبر والدها أن متخصصين أطباء وتربويين نصحوني وأمروني ألا آخذها معي لزيارته حتى لا تراه ووتتعلق به أكثر، ويسيطر عليها التوتر أكثر فأكثر.

لا أملك إلا أن أقول: اللهم ارحم ضعفي وقلة حيلتي وانتقم ممن ظلمنا وتسبب في تشتت شملنا.

وأوجه رسالتي إلى هيئة القضاء وأقول لهم اتقوا الله فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب.

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم آخره يأتيك بالندم

نامت عيونك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

الحرية لزوجي، الحرية للصحفي، الحرية لمحمد البطاوي.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة