رسالة “الثوري المصري” لكيري: حواركم الاستراتيجي يقتلنا

جون كيري

وجهت “د.مها عزام” رئيس المجلس الثوري المصري خطابا مفتوحا لوزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” في مستهل زيارته للقاهرة  لبدء جولة جديدة من الحوار الإستراتيجي حملت فيه الإدارة الأمريكية المسؤولية عن سحق وقتل الحقوق الأساسية للشعب المصري من خلال دعمها لسلطة الانقلاب العسكري.
وأكدت “مها عزام” أن السياسة البراغماتية للإدارة الأمريكية، والداعمة لسلطة الانقلاب باعتباره  أمرا واقعا، انعكست سلبا ليس على الشعب المصري فحسب ولكن على الولايات المتحدة أيضا. كما أنها تسهم في دفع المزيد من الشباب للبحث عن بدائل غير ديمقراطية بعد تيقنهم أن منظومة الديمقراطية غير قابلة للتطبيق في بلدهم.
وأوضحت “مها عزام” أن النظام السياسي الحالي في مصر هو المصدر الرئيسي للفوضى والقلق في المنطقة وسيبقى كذلك ولن يؤدي استمراره إلا إلى زيادة  الغضب الشعبي من الولايات المتحدة. كما أن استئناف الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر, و المتوقف منذ العام 2006, سوف يؤكد و بشكل واضح تأييد  الولايات المتحدة  لنظام السيسي و سياساته القمعية.
ودعت “مها عزام” الإدارة الأمريكية لإعادة النظر في سياستها تجاه مصر وأن تسعى سريعا للضغط على الحكم العسكري ليلغي فورا تنفيذ جميع أحكام الإعدام السياسية، وأن يطلق سراح جميع المعتقلين السياسيين فورا وأن يضمن الوقف الفوري للتعذيب والاغتصاب والاختفاء القسرى والاعتقال التعسفي والقتل القضائي، سواءً بأحكام الإعدام أو بحرمان المرضى من الدواء، والسعي لإعادة الديمقراطية من خلال طلب رفع القيود على جميع وسائل الاعلام والسماح بحرية التجمع والتظاهرات السلمية…وفيما يلي نص الخطاب:

السيد كيري المحترم
وزير الخارجية للولايات المتحدة الامريكية
من بالغ أسفنا أن نرى العواقب الوخيمة للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر، والتي يمكن وصفها بأنها تسحق الحقوق الطبيعية والبديهية لشعوب المنطقة في تحقيق الحرية والعدل.
إن دعم الولايات المتحدة لانقلاب الثالث من يوليو2013/تموز كان يعتمد, وبما لا يدع مجالا للشك, على منطلق البراغماتية في السياسة الخارجية الذي روجه “هنري كيسنجر” في حينه. هذه النظرة اعتقدت أن قبول السياسة الخارجية الأمريكية للانقلاب سيبقي مصر تابعة ومؤيدة للسياسة الأمريكية. كما اعتبرت أن قبول الانقلاب سيكون وسيلة للسيطرة على أي مد سياسي شعبي نحو المشاركة في المسؤولية والمساءلة السياسية الذي قد يؤدي إلى بعض التراجع في السيطرة الأمريكية وبعض الانعدام في الاستقرار السياسي الإقليمي. ولذلك كان اعتقاد الخارجية الأمريكية أن هذه المكاسب السياسية تبرر للولايات المتحدة وحلفائها الديمقراطيين خيانة القيم الأساسية التي يؤمنون بها من ناحية حقوق الإنسان واحترام سيادة القانون.
لكن أبعاد هذه السياسة البراغماتية انعكست سلبا، ليس على الشعب المصري فحسب، ولكن على الولايات المتحدة أيضا. فلم تكن نتيجة هذه السياسة إلا تفاقم حالة عدم الاستقرار، وهذا ما كانت تخشاه الخارجية الأمريكية في المقام الأول. فما أصبح واضحا هو أن الجنرال السيسي ليس منعدم الكفاءة سياسيا فحسب، بل انه أيضاً يفتقد القدرة على بناء أية رؤية سياسية إلا من خلال خطاب إقصائي وتدميري يوطد الانقسام المجتمعي والسياسي . كما تبين أن السيسي منعدم الكفاءة عسكريا واقتصاديا أيضا.
فمن الناحية الاقتصادية  أصبح الاقتصاد المصري في وضع أسوأ من ذي قبل والفساد بات مستشرىا في كل مؤسسات الدولة، كما تدهورت حالة المصريين العاديين (انظر إلى معدلات البطالة على سبيل المثال). حتى يلغت الحالة أن أنصار حكم الجنرال الأثرياء المنتفعين من الفساد يزدادون تذمراً من فشله الاقتصادي.
أما من الناحية العسكرية، فما يتجلى الآن هو أن الجنرال السيسي فقد السيطرة على مساحات واسعة من سيناء لصالح داعش نتيجة استراتيجية عسكرية مختلة ينتقدها حتى حلفاؤه الإسرائيليين.
والأسوأ من ذلك كله يأتي في مجال حقوق الإنسان، الذي حدثت فيه تجاوزات يندى لها جبين البشرية.
فقد أدت شخصيته الوحشية وانعدام قدرته على ضبط النفس إلى القيام بعمليات قتل موثقة ضد الآلاف من المعارضين السلميين بالإضافة إلى اغتصاب النساء والأطفال كمنهج سياسي لتخويف أية معارضة سياسية. هذا فضلا عن حالات الاختفاء القسرى والقتل إما من خلال أحكام إعدام باطلة أو من خلال القتل الخارج عن القانون.  وكان كل ما أنتجته هذه السياسة القمعية هو إيجاد جرح عميق من الاستياء والكراهية انتشر بين مجموعة بعينها ليتفشى في  مختلف قطاعات الشعب المصري ككل. و خلاصة القول أن الجنرال السيسي بافتقاره  لأية كفاءة سياسية أو أي إمكان لتكوين سياسة مستقرة، نتيجة اصطحابه مستشارين وسياسيين أذلاء متملقين وسماعه لوسائل إعلام حكومية بلغت درجات من التملق لم يسبق له مثيل، سيستمر في تخبطه السياسي من دون رادع.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:  لماذا يضر هذا الوضع المأساوي القائم في “مصر الانقلاب” بمصالح الولايات المتحدة؟ والجواب يأتي واضحاً بأن مصر الآن أقل استقرارا عما كانت عليه في العام 2011. لكن إذا تفحصنا المسألة بعمق أكثر نرى ما يلي:  في العام 2011 كان هناك لدى الأغلبية الإسلامية في مصر اقتناع بأن الديمقراطية هي نظام سياسي قابل للتطبيق في مصر ويفتح المجال للإصلاح السياسي والاقتصادي. وكان هذا الموقف مخالفا للأقلية المتطرفة الرافضة للديموقراطية. لكن انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، الذي تم بموافقة الولايات المتحدة، أعلن بوضوح لجميع اللاعبين السياسيين ـ ليس في مصر فحسب ولكن في المنطقة العربية ككل ـ أن القوى الغربية لا تؤمن حقا بالديمقراطية وقيمها خارج حدود بلادها. والأكثر خطورة من ذلك أنه أدى إلى إنشاء حالة بدأت في إقناع شعوب المنطقة بالاعتقاد بأن الديمقراطية لا يمكن أن تطبق في منطقتهم، وهذا بدوره يخلق بيئة خصبة لجذب الكثير من هؤلاء الشباب المحبطين والغاضبين إلى البحث عن بدائل عنيفة لإحداث التغيير.
وبناءً على ما سبق، ولأسباب لا علاقة لها بمناشدة القيم الديمقراطية ومعايير القانون الدولي التي نؤمن بها، ولكن من منطلق المصلحة الذاتية البحتة لنا ولكم، فإننا ندعو الولايات المتحدة أن تعيد النظر في سياستها تجاه مصر وأن تسعى سريعا إلى تحقيق هدفين: أولا في مواجهة الوضع المزرى لحقوق الانسان، وذلك عن طريق الضغط على الحكم العسكري في مصر ليلغي فورا تنفيذ جميع أحكام الإعدام السياسية، وأن يطلق سراح جميع المعتقلين السياسيين فورا، وأن يضمن الوقف الفوري للتعذيب والاغتصاب والاختفاء القسرى والاعتقال التعسفي والقتل  والقتل القضائي سواءً بأحكام الإعدام او بحرمان المرضى من الدواء ثانيا: أن تسعى الإدارة الامريكية جاهدةً لإعادة الديمقراطية من خلال طلب رفع القيود على جميع وسائل الإعلام والسماح بحرية التجمع والتظاهرات السلمية.
إن النظام السياسي الحالي في مصر هو المصدر الرئيسي للفوضى والقلق في المنطقة وسيبقى كذلك ولن يؤدي استمراره إلا إلى زيادة  الغضب الشعبي من الولايات المتحدة. كما نعلمكم  أن استئناف الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر, و المتوقف منذ العام 2006, سوف يؤكد وبشكل واضح تأييد الولايات المتحدة لنظام السيسي وسياساته القمعية.
ونحن جميعا نعلم أن السبيل الوحيدة لتحقيق الاستقرار السياسي في المدى الطويل هو اتباع الديمقراطية. إن فشل الولايات المتحدة في التصدي لنظام الانقلاب والذي دمر التجربة الديمقراطية في مصر، لن يؤدي إلا إلى إقناع عدد متزايد في المنطقة أن إنهاء القمع لا يمكن تحقيقه من خلال الوسائل الديمقراطية، وهو ما لن ينسجم مع المصالح الغربية بصفة عامة، ولا مع مصالح الولايات المتحدة، ولا حلفائها الإقليميين بصفة خاصة، وهو مالا يمكنهم تحمل نتائجه.

مها عزام
رئيس المجلس الثوري المصري

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة