جمهورية “اللي مش زي سوريا والعراق”

جدارية ساخرة قرب ميدان التحرير أيام انتفاضة يناير 2011 بمصر (رويترز)

جوازات السفر المصرية الجديدة يجب أن يكتب عليها “جمهورية اللي مش زي سوريا والعراق”، هذه هي النكتة الفكاهية التي انتشرت في مصر بعدما طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من شعبه ألا يشكو وأن يحمد الله أن مصر ليست مثل العراق وسوريا جراء ما فعلته بهما الحرب.

مثل هذه النكات أصبحت شحيحة في مصر هذه الأيام.

كانت الفكاهة واحدة من أهم قنوات الاحتجاج القليلة في ظل حكام مصر المستبدين الذين اتهموا بسوء الإدارة والقمع والفساد. غير أن تشديد السيسي قبضته على السلطة لم يترك مجالا يذكر للمنتقدين والكتاب والإعلاميين الساخرين ورسامي الكاريكاتير.

فالآلاف من معارضي الحكومة يقبعون في السجون كما أن قانونا جديدا يكاد يحظر تنظيم الاحتجاجات وأصبحت الحكومة لا ترى شيئا مضحكا في السخرية منها.

وقال الكاتب الساخر محمود الغول “السيسي شخص ذكي لأنه لا ينتمي لحزب ولا لجماعة، ومن يعادي السيسي يعادي الوطن، ولذلك تراجعت السخرية والنكتة السياسية وبقى دمها تقيل عند بعض الناس”. وأضاف “النكتة السياسية لم تمت ولكنها تجمدت”.

ويقول الغول إنه بعد 2011 كان لديه آمال كبيرة أن يتمكن ذات يوم من بيع كتابه الساخر الذي ينتقد طبيعة الزعماء المصريين.

وفي مقهى قرب ميدان التحرير مركز انتفاضة عام 2011 التي أدت إلى سقوط حسني مبارك يناقش مجموعة من الكتاب الساخرين ما آلت إليهم مهنتهم.

غير أنه بات من الصعب ترويج كتاب يحمل عنوان “الرئيس الحمار” في مصر هذه الأيام حيث تقف وسائل الإعلام التابعة للدولة والخاصة وراء السيسي مصورة خصومه ومنتقديه بالخونة.

فلم يبد سوى عدد قليل من المكتبات استعداده لنشر الكتاب على الرغم من أنه لا يذكر رئيسا أو نظاما محددا بالاسم. فقد أدرك الكتاب الساخرون أنهم أصبحوا هم أنفسهم النكتة بعد أن كانوا يعتبرون أنفسهم عنصرا من عناصر التغيير.

وبالمقارنة مع المناخ السائد حاليا وصف كتاب ساخرون حكم الرئيس السابق محمد مرسي أول رئيس منتخب في انتخابات حرة والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين بأنه العصر الذهبي للفكاهة.

فقد وجد الكتاب الساخرون ترحيبا واسعا بأعمالهم في الصحف ولم تتدخل الشرطة وأجهزة المخابرات التي ازدهر نشاطها في ظل حكم مبارك بل وكانت تعارض مرسي في عملهم.

من جهته قال إسلام القوصي رسام الكاريكاتير “النكتة بتعالج الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلد، النكتة والسخرية هي اللي خلت مرسي يمشي”.

لكن الضحك لم يستمر والنكتة السياسية جمدت مراوحة لمكانها، فصعود نجم السيسي الذي أطاح وهو قائد للقوات المسلحة بمرسي بعد احتجاجات على حكمه تزامن مع الخوف المتنامي من الانهيار الاقتصادي والعنف الذي مزق العراق وسوريا فضلا عن غياب الأمن.

وتابع القوصي “الناس خايفة وفي هاجس عند الناس اسمه استقرار البلد”.

واشتهر المصريون في مختلف أنحاء العالم العربي بحسهم الفكاهي، وتعرض قنوات التلفزيون في مختلف الدول العربية الأفلام الكوميدية المصرية منذ عشرات السنين.

كما أن النكات والحس الفكاهي أو ما يسمى بـ”القفشات” ساعدت المصريين على التأقلم مع الفقر وسوء خدمات البنية التحتية والأحياء العشوائية التي تتكدس فيها أعداد كبيرة من الأسر.

غير أن المصريين نادرا ما يسخرون من السيسي الذي انتشرت صوره في المكاتب والمتاجر والبيوت بل وفي المصاعد في مختلف أنحاء البلاد.

وربما يكون من الأسباب وراء ذلك أن السيسي حقق قدرا من الاستقرار وأثار الآمال بأن تفتح عدة مشروعات عملاقة مثل قناة السويس الجديدة الباب لمزيد من الوظائف وإصلاح الاقتصاد.

ومن الأسباب أيضا أنه لا أحد يحب أن يوصم بالخيانة ولا سيما في ظل محاربة الجيش لإسلاميين متشددين في سيناء وبعد قيام القوات الجوية بتوجية ضربة في ليبيا عقب مقتل 21 مصريا ذبحا على أيدي مقاتلي تنظيم الدولة هناك.

وقال رجل في مقهى متروبول العتيق لقد “اعتاد بعض الأشخاص تأليف النكات القصيرة هنا، أما الآن  لم يعد أحد يريد النكت”.

وربما يلخص اضطرار أشهر الإعلاميين الساخرين في مصر لوقف برنامجه في العام الماضي بسبب المناخ السياسي القمعي ما آلت إليه الأمور.

فقد سخر باسم يوسف مرارا من مرسي وأصبح معروفا في الخارج بأنه النسخة المصرية من الإعلامي الأميركي الساخر جون ستيوارت.

وعلى الرغم من جمهوره الكبير في مصر “بما في ذلك أربعة ملايين متابع على الأقل على موقع التواصل الاجتماعي تويتر”، فقد قرر يوسف الانتقال إلى الولايات المتحدة حيث سيصبح زميلا مقيما بمعهد هارفارد للسياسة.

وكان يوسف قال ساخرا في يونيو الماضي بعد إلغاء برنامجه “إحنا عايشين أزهى عصور الديمقراطية في مصر ويتقطع لسان اللي يقول غير كده”.

يذكر أن مصر احتلت المركز 159 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لمنظمة صحفيون بلا حدود.

ويحاول ساخرون آخرون سد الفراغ لكن عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك لا عبر وسائل الإعلام العادية وهو الأمر الذي يحد من انتشار جهودهم بين الجماهير في بلد يتركز فيه استخدام الإنترنت غالبا في المدن. بل وحتى هذا النهج له مخاطره.

فقد قال الناشط السياسي أحمد أنور الذي يعمل موظفا بشركة سياحية “النكت موجودة على السوشيال ميديا (وسائل التواصل الاجتماعي) أكتر، حتى برامج التلفزيون بتاخد النكات من السوشيال ميديا”.

وأضاف “أنا اتحكم عليا بست شهور “سجن” وغرامة عشرة آلاف جنيه “ومازال” في استئناف بسبب قضية مرفوعة عليا علشان عملت فيديو يسخر من الداخلية ونشرته على اليوتيوب”.

وبخلاف جو الحذر السائد بين المصريين يقول بعض الكتاب الساخرين إنهم يجدون صعوبة في العثور على مادة تصلح عندما يتعلق الأمر بالسيسي الذي كان مديرا للمخابرات الحربية في عهد مبارك.

وقال الكاتب الساخر محمد عاشور “السيسي نادرا ما يرتكب أخطاء يستطيع الكتاب الساخرون استخدامها” واصفا إياه بأنه رجل عسكري حذر يراقب كل خطوة من خطواته.

وفي غياب الجديد في الفكاهة والنكات يعيد المصريون ببساطة تدوير وإنتاج النكات القديمة في ثوب جديد مثل نكتة ترجع لأيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الستينات أكدت أن مشاكل ونكات الأمس ما زالت صالحة في عالم اليوم.

فتقول النكتة إن شخصا رأى رجلا وعلى أنفه ضمادة فسأله لماذا يضعها على أنفه، فيرد عليه إنه خلع سنا، وفيستغرب السائل قائلا إن خلع السن يكون من الفم وليس من الأنف، فيجيء الرد في صورة سؤال مجازي، فيقول له هو “فيه حد يقدر يفتح فمه في البلد الأيام دي”.


المزيد من منوعات
الأكثر قراءة