الكتاتني والجاسوس .. سجان مصري واحد وظروف متباينة

الكتاتني ورفاقه بدا عليهم الإعياء وفقدان الوزن

 لم يكتف حقوقيون بالمقارنة بين المعاملة التي تلقاها قيادات وعناصر جماعة الإخوان المسلمين في السجون المصرية، وبين تلك التي تلقاها الرئيس المخلوع حسني مبارك وأركان نظامه, وإنما امتدت إلى جواسيس إسرائيل. فكانت النتيجة، حسب المراقبين، ازدواجية واضحة في المعايير وتمييز لافت.

فقبل أيام تداول نشطاء لقطات لرئيس البرلمان السابق سعد الكتاتني، أثناء حضوره إحدى جلسات المحاكمة، وقد بدا عليه الكثير من الإعياء، وفقدان الوزن نتيجة الإجراءات القاسية التي تفرضها إدارة السجون.

كما ظهر في صور أخرى كل من محمد البلتاجي القيادي بالإخوان، وأحمد أبو بركة المستشار القانوني لحزب الحرية والعدالة، وعصام سلطان نائب رئيس حزب الوسط، والناشط السياسي علاء عبد الفتاح، وقد بدا عليهم جميعاً أنهم فقدوا عدة كيلوغرامات من أوزانهم.

في هذا السياق, اعتبر البرلماني السابق محمد العمدة أن الصورة التي بدا عليها الكتاتني تبدو وضعا طبيعيا في ظل ما يعانيه. وأضاف “زاملت الدكتور الكتاتني في السجن حيث يتعرض هو ومن معه لضغط نفسي غير عادي مثل الحبس الانفرادي لمدة 23 ساعة في اليوم تتكلم مع نفسك لمدد طويلة سواء سنة أو اثنتين أو ثلاثة ولولا الله لمتنا قبل الأوان”.

في مقابل هذه الصورة التي أثارت غضبا حقوقيا واسعا, جاءت صور وتصريحات الجاسوس الإسرائيلي المفرج عنه “عودة الترابين” بعد أن قضى 15 عاما في سجون مصر, هي مدة محكوميته, وقد بدا أنه كان يتمتع بظروف اعتقال “مثالية” لكونه “إسرائيليا”. ففي مقابلة أجرتها معه قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية قال الترابين إنه كان يتمتع بظروف اعتقال تضاهي ظروف اعتقال مبارك. وضرب الترابين مثالا على مدى تمتعه بظروف اعتقال تفضيلية مقارنة بغيره من المعتقلين قائلا: “لقد زودوا غرفتي بثلاجة، هذا التعامل لم يحظ به إلا مبارك، لقد كانوا يعاملونني بمنتهى الاحترام والحساسية”.

وأرجع الترابين المعاملة التمييزية لصالحه للدور الذي أدته السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وشدد  على أنه كان يلاحظ المعاملة بالغة القسوة التي كان تتعامل بها إدارات السجون المصرية مع المعتقلين المصريين، مشددا على أن الفضل في ذلك يرجع “لكوني إسرائيليا”.

ولم ينف الترابين خلال المقابلة أنه كان عميلا لإسرائيل، في حين نقلت القناة عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها، إن والده كان عميلاً لإسرائي،ل وقدم خلال وجوده في سيناء في سبعينيات القرن الماضي خدمات أمنية بالغة الأهمية، قبل أن يفر لإسرائيل ويستقر في صحراء النقب.

دور السيسي
وقد أقر النائب الليكودي الدرزي أيوب قرا، الذي تابع قضية الترابين بأن صعود السيسي للحكم قد أسهم كثيرا في وضع حد لاعتقال الترابين. كما نوه المعلق العسكري في قناة التلفزة الثانية، روني دانئيل، إلى أن الترابين كان يفترض أن يطلق سراحه تماما بعد صعود السيسي للحكم، إلا أن مظاهرة نظمها بعض الإسرائيليين أمام السفارة المصرية في تل أبيب في ذلك الوقت أعاقت الإفراج عنه، حيث خشي نظام السيسي أن يتم تفسير الأمر على أنه استجابة لضغوط الإسرائيليين.

ورغم حملات النشطاء التي أطلقت على شبكة الإنترنت، وحملت عنوان “أنقذوا سعد الكتاتني (رئيس البرلمان السابق المحبوس) والآلاف في السجون المصرية”.,  ورغم الانتقادات الدولية المتزايدة لسجل مصر في مجال حقوق الإنسان, إلا أن نظام السيسي يواصل المضي قدما في الاعتقالات, وصارت الأنباء عن تعذيب المعتقلين والانتهاكات الحقوقية عنوانا إعلاميا لسعي الدولة نحو تحقيق الاستقرار والتخلص من “أعداء الوطن”.

لم تقف محاولات تبرير الانتهاكات عند وصف المعارضين السياسيين بأنهم أعداء الوطن, بل امتد لمخاطبة الخارج انطلاقا من مبدأ الإقرار ببعض الانتهاكات ووضعها في خانة الحوادث الفردية.

في هذا السياق يظهر أيضا ملف الاختفاء القسري ليمثل ملفًا حرجًا لا يزال يتصدر قائمة الانتهاكات, حيث رصدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا خلال أشهر أغسطس /آب، وسبتمبر/أيلول، وأكتوبر/تشرين الأول الماضية 42 حالة اختفاء قسري لمعتقلين معارضين، منهم طفل، عقب قرارات قضائية بإخلاء سبيلهم.

كما تشمل الانتهاكات التجويع الممنهج، والحرمان من المياه النظيفة، والدواء، والحرمان من الحق في الزيارة أو التريض، وكذلك الحرمان من إدخال أغطية أو ملابس شتوية في الجو البارد, حسب قائمة طويلة طالما نشرها الحقوقيون مرات ومرات دون أن تجد الرد الدولي المناسب لحجم الجريمة, وهو ما دفع برأيهم نظام السيسي للاستمرار في سياسة العصا الغليظة.

وبينما توقع بعض المتفائلين تراجعا في الانتهاكات, تحت وطأة الانتقادات والحملات, كشفت منظمة العفو الدولية اليوم السبت عن إن رجال الأمن بمصر اغتصبوا فتى يبلغ من العمر 14 عاما أثناء اعتقاله، وطالبت في بيان لها بإطلاق الفتى وتقديم الذين قاموا بذلك إلى المحاكمة. وقالت عائلة الفتى إنه تعرض للتعذيب مرارا خلال اعتقاله عبر صعقه بالكهرباء بمناطق حساسة واغتصابه من أجل إجباره على الاعتراف بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين ومشاركته في مظاهرات محظورة بموجب القانون. ووفق نائب مدير المنظمة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا فإن حالة هذا الفتى جزء من سياسة باتت ممنهجة..   

بين كلمتي “الممنهجة” و”الفردية”, تبقى الإجراءات والانتهاكات على أرض الواقع حكما على حقيقة ما يجري خلف جدران المعتقلات, ويظل ما كشف عنه جزء بسيط من قمة جبل الثلج الذي يختفي تحت الماء وربما يخفي تحته نيران ثورة بركانية لا يعلم أحد مداها..

المصدر : الجزيرة مباشر