آخر أحلام نجيب محفوظ ترى النور

أحلام محفوظ الأخيرة كشف عن مصالحة مع عبد الناصر
(أرشيف)

مرة أخرى, عادت أحلام فترة النقاهة عند نجيب محفوظ للظهور لكن في شكل أحلام جديدة لم يكشف عنها من قبل بعد العثور على مخطوطات كتبها الروائي المصري قبل وفاته, ولم يعلن عنها إلا بالتزامن مع الاحتفال بعيد ميلاده في الحادي عشر من ديسمبر الجاري.

أحلام فترة النقاهة كانت عنوانا لمشاهد قصيرة حاول من خلالها الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ  تقطير خبرته الإبداعية على شكل ومضات بليغة وعميقة في تناول قضايا إنسانية أو هموم مصرية مثل العدالة الاجتماعية والديمقراطية.

وفترة النقاهة التي عناها محفوظ هي تلك التي أعقبت تعرضه لمحاولة اغتيال طعنا بالسكين في عنقه في أكتوبر عام 1994. وقد أدى ذلك للحد من حركته فكان يتابع أمور الحياة عبر أصدقاء يقرأون له عناوينالصحف, كما قلصت من قدرته على الكتابة فكان يملي (أحلام فترة النقاهة) على سكرتيره الحاج صبري محمود.

ونشرت (أحلام فترة النقاهة) مسلسلة في مجلة (نصف الدنيا)  الأسبوعية ثم صدرت عام 2005 في كتاب يضم 239 حلما. لكن فاطمة وأم كلثوم ابنتي محفوظ أبلغتا في مايو من العام الجاري إحدى دور النشر بالعثور على “مخطوطات” أخرى للأحلام وهو ما اعتبر “كنزا أدبيا وثروة ثقافية يكشف عنها وتخرج في كتاب جديد, بعد تسع سنوات” على وفاة محفوظ عام 2006.

ودار الناشر -التي تحتكر منذ عشر سنوات طباعة أعمال الكاتب العربي الوحيد  لفائز بجائزة نوبل للآداب عام 1988- وصفت (الأحلام الأخيرة) بأنها خلاصة تجربة محفوظ “وجوهر أدبه وفلسفته وإبداعه الرفيع.”

وتتناول بعض الأحلام جوانب متخيلة عن الزعيم المصري سعد زغلول رمز ثورة 1919 والذي لم يحب محفوظ سياسيا مصريا كما أحبه وجاء ذكر زغلول كزعيم مهيب في عدة روايات ومنها (بين القصرين) و(قصر الشوق) و(السمان والخريف).

مصالحة مع عبد الناصر
وكان محفوظ في أكثر من رواية قد أدان جوانب من سياسات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في حياته وبعد وفاته كتب محفوظ روايته (الكرنك) التي تحولت إلى فيلم شهير يدين الاعتقالات.

وفي الحلم 209 يتخيل محفوظ أنه قابل عبد الناصر فقال له “لعلك تتساءل لماذا قلت مقابلاتنا. فأجبته بالإيجاب. فقال: كلما شاورتك في أمر جاءت مشورتك بالاختلاف كليا أو جزئيا فخفت أن تتأثر صداقتي لك بهذا الموقف. فقلت: أما أنا فلن تتأثر صداقتي لك مهما اختلفنا” . وهو ما يمكن اعتباره مصالحة من نجيب محفوظ الذي ظل متحفظا على تراجع الحريات في عهد عبد الناصر.

وكان محفوظ ينتصر في كتاباته للمعرفة ويحث على العلم النظري والتطبيقي انطلاقا من دراسته للفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة. وفي روايته (أولاد حارتنا) يسجل ما يمكن أن يؤدي إليه العلم حسب رؤيته من “مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب” وهو السطر الأخير في الرواية.

وفي الحلم 268 يقول “وجدتني بين جماعة من الأصدقاء وهم يعلنون نيتهم على الهجرة ويدعونني للرحيل معهم. ولكني اعتذرت طبعا. وكان ثمة جماعة أخرى ترحل سنويا للمشاهدة والاعتبار وترجع أكثر معرفة ونفعا فانضممت إليها.”

وللحب نصيب في الأحلام بحالاته وأنواعه وهو لا يتبرأ منه ولا يتعالى عليه كما في الحلم 413 الذي يقول نصه.. “رأيتني في أعقاب صلاة المغرب أناشد العزيز الرحيم أن يعفيني من هذا الحب فسمعت صوتا يقول لي: وهل تحتمل الحياة بغير هذا الحب؟”

وتقول سناء البيسي -التي نشرت الأحلام السابقة في مجلة (نصف الدنيا) إن محفوظ ظل يكتب “لآخر أيامه” وإنه بمصادفة عثور ابنتيه على المخطوطات أثناء إعادة ترتيب أوراقه بعد تسع سنوات على وفاته “يظهر الكنز. تتحرر الخبيئة من قيدها.”