تركيا الجديدة في الطريق نحو دولة “الرفاه”

أردوغان وأحمد داوود أوغلو

بعد 13 عاما في السلطة، نجح حزب العدالة والتنمية في بناء تركيا جديدة، ونجح في تحويلها من دولة تعاني من مؤشرات اقتصادية كلية متدنية، إلى مصاف الدول العشرين الأقوى اقتصاديا في العالم، وذلك وسط انتقادات من معارضيه.
ويتجه الحزب الحاكم بتركيا بعد فوزه في رابع انتخابات على التوالي إلى بدء مرحلة جديدة تهدف إلى بناء “دولة الرفاه”، عبر أربعة أعمدة أولها: مستقبل سياسي مستقر وواضح، وثانيها: نظام اقتصادي يوفر العدالة في توزيع الدخل، وثالثها: نظام حقوقي يراعي جميع حقوق وحريات المواطنين، ورابعها: نظام اجتماعي يوفر الخدمات الصحية والتعليمية التي تليق بكرامة الإنسان، بحسب ما جاء في حوار رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو الأسبوع الماضي مع قناة الجزيرة.

خدمة الدولة للمواطن
واعتبر أوغلو أن الدستور الحالي يعتمد على أساس خدمة المواطن للدولة، وليس خدمة الدولة للمواطن، وقال إن “الفلسفة التي سننتهجها نحن تتمثل في أن الدولة قائمة من أجل الإنسان، وليس الإنسان قائم من أجل الدولة، فالدولة بناء نحن نشيده، ولذلك فهو مسؤول عن كل احتياجات المواطنين، وسنعدل الدستور بناء على هذا الأساس”.
وتستهدف حكومة العدالة والتنمية خلال الـ3 أشهر الأولى من تشكيلها: منح 50 ألف ليرة تركية من دون فوائد لكل شاب هدفه تأسيس عمل يوفر فرصا للعمل، وقروضا دون فوائد بقيمة 100 ألف ليرة للمشاريع المقترحة من الشباب، وتوفير خدمة الإنترنت بشكل مجاني للشباب، ورفع قيمة المنح الدراسية للشباب، وإعفائهم من رسوم جوازات السفر.
أما بالنسبة للنساء فقال أوغلو: إن الحكومة ستقدم منحة بقيمة 200 ليرة لكل امرأة عند إنجاب الطفل الأول، و400 ليرة عند إنجاب الطفل الثاني، و600 ليرة عند إنجاب الطفل الثالث، والنساء العاملات سنقدم لهن فرصة العمل نصف يوم مقابل أجرة يوم كامل بعد الولادة وبذلك نحمي النساء من خطر ترك العمل للاهتمام بالأطفال.
وفي شأن المزارعين والمهنيين والمتقاعدين، أوضح أنه سيتم إعفاء المزارعين من ضرائب السماد والبذور؛ وبالتالي تخفيض تكاليفهم، وتقديم 30 ألف ليرة للمهنيين كقرض دون فوائد، وقرض إضافي بقيمة 100 ألف ليرة عند الضرورة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 1300 ليرة، وتوفير دخل إضافي للمتقاعدين بقيمة 1200 ليرة على أقساط شهرية.

وتأتي هذه الوعود تتويجا لمسيرة حزب العدالة والتنمية في مجال العدالة الاجتماعية، حيث جاء في دراسة نشرتها مجلة الأبحاث الفصلية “رؤية تركية” التي يصدرها معهد “ستا” للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية: “وضع نظام المساعدات الاجتماعية بتركيا بعد 2001 شبكة شاملة من برامج الرفاه الاجتماعي، وخلال هذه الفترة أنفق مشروع تخفيف المخاطر الاجتماعية (SRMP) إجمالي 500 مليون دولار بين 2001 و2006 لمراقبة وخفض الفقر، وكذلك لتقوية المؤسسات ذات الصلة، بل تكفل نظام المساعدات الاجتماعية بنفقات علاج المواطنين محدودي الدخل وقدم مساعدات عينية ونقدية من خلال برامج للأطفال، والطلاب، والمسنين، والمعاقين.
وفي جهد لتحديد أصحاب الحق –بحسب الدراسة- في الاستفادة من برامج المساعدات الاجتماعية بشكل صحيح، أدخلت الحكومة نظام «تحديد النقاط» لضمان تقييم استحقاق المستفيدين من المعونة الاجتماعية بشكل مستقل.

تحسين نوعية الخدمات الاجتماعية
وشهد عام 2011 إنشاء وزارة جديدة للأسرة والسياسات الاجتماعية دليلا على التزام حكومة العدالة والتنمية بتحسين نوعية الخدمات الاجتماعية، حيث خصصت الحكومة لوزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية حصة من موازنة 2013 السنوية أكبر من حصص الوزارات الأخرى، فقد زادت الموازنة السنوية للوزارة إلى 14.7 مليار ليرة تركية في 2013 مقارنة بنحو 8.8 مليار ليرة تركية في السنة السابقة.
كما وفر الأداء القوي للاقتصاد التركي أيضًا أموالا إضافية للسياسات الاجتماعية، وبينما بلغت النفقات المتعلقة بالمساعدات والخدمات الاجتماعية 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لتركيا في 2002، ارتفع إجمالي الإنفاق الاجتماعي بما في ذلك المدفوعات المختلفة لوكالة الضمان الاجتماعي في 2011 إلى 1.42 %ِ من الناتج المحلي الإجمالي، ووفقا للأرقام المجردة زاد الإنفاق الاجتماعي من 1.376 مليار ليرة تركية في 2002 إلى 18.216 مليارًا في 2012.

تركيا الجديدة
كان حزب العدالة والتنمية قد وضع بعد صعوده إلى السلطة في 2002، منظورًا جديدًا للاقتصاد والسياسة، يشار إليه إجمالا بـ”تركيا الجديدة”، خلال هذه الفترة تعافت تركيا سريعًا من الآثار السلبية لأزمة 2001 المالية، وحققت معدل نمو مطرد، كما نجت البلاد من أزمة 2008 المالية العالمية بأقل ضرر.
فعلى مدى عقد 2002–2011، شهد الاقتصاد نموا متوسطا بلغ 6.5 % مما يعد أداء قويا مقارنة بمتوسط نمو 4.7 % على مدى الثلاثين عاما الماضية، ووفقا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ستحقق تركيا نموا سنويا بمتوسط 6.7 % بين 2011 و2017 لتصبح أسرع بلدان المنظمة من حيث النمو الاقتصادي.
إضافة إلى التحسينات السالفة في النمو، كان لأداء تركيا القوي في النمو الاقتصادي السنوي بين 2002 و2012 تأثيرا إيجابيا أيضا في مستويات الناتج المحلي الإجمالي للفرد خلال نفس الفترة، ففي 2012 بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد 10504 دولارات أمريكية، مقابل 3492 دولارا في 2002، وتهدف خطة تركيا متوسطة الأجل لفترة 2013-2015 إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى 12859 دولارًا بحلول 2015، لتصبح دولة ذات دخل مرتفع حسب معايير البنك الدولي.

كما سجل الاقتصاد التركي معدل تضخم أحادي الرقم 9.4 % في 2004، عقب معدل تضخم رهيب بلغ 54.4 % في 2001، ودفع الانتعاش السريع للاقتصاد، مقترنا بالإرادة السياسية والدعم الشعبي والاستقرار الاقتصادي، حكومة حزب العدالة والتنمية في 2005 إلى إصدار قرار بإسقاط ستة أصفار من الليرة التركية.
أعاقت أزمة 2008 المالية العالمية استمرار معدل تضخم أحادي الرقم في تركيا، إذ ارتفع معدل التضخم ليصل إلى 10.1 % في 2008، لكنه عاد للانخفاض إلى رقم واحد في 2009 و2010، وبعد معدل تضخم سنوي بلغ 6.4 % في 2010، ارتفع معدل التضخم ليبلغ 10.45 % في 2011لأسباب خارجية؛ ومع ذلك انخفض معدل التضخم إلى 6.16% في عام 2012، وهو أدنى مستوى تاريخي منذ عام 1968.
وعلى مدى السنوات التسع الماضية، تلقت تركيا إجمالي 110 مليارات دولار كاستثمارات أجنبية مباشرة، لتحتل في 2012 المرتبة الثالثة عشرة بين الاقتصادات الأكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.
وفيما يتعلق بالديون الخارجية، فعلى مدى 32 عامًا من التعاون مع صندوق النقد الدولي، كانت تركيا إحدى أكثر الدول مديونية بين 64 بلدا، وخلال هذه الفترة قدم صندوق النقد الدولي إجمالي 50 مليار دولار للحكومات التركية، وقد سمح التعافي الاقتصادي السريع لتركيا منذ عام 2002، مع تحسن الإنتاج والنمو والمالية العامة بسداد غالبية ديونها لصندوق النقد الدولي على مدى 11 عاما لتصبح بلا ديون في أوائل 2013.

ورغم ذلك لا يعترف كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري أبرز أحزاب المعارضة التركية، وأقوي المنافسين لحزب العدالة والتنمية منذ 13عاما، بإنجازات العدالة والتنمية؛ حيث قال في تصريح خلال الانتخابات البرلمانية المبكرة: “أخاطب الشباب العاطلين عن العمل، أخاطب 5 ملايين و690 ألف عاطل عن العمل.. إن هذه الحكومة ليست حكومتكم، إن هذه الحكومة توفر فرص العمل لمؤيديها”.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة