من المستفيد من رفع سعر الجنيه المصري؟

في الوقت الذي توقع فيه المصرفيون ورجال المال والأعمال والمؤسسات المالية المحلية والدولية انخفاض سعر الجنيه المصري أمام الدولار، وتوقع تخطيه حاجز الـ10 جنيهات قبل نهاية العام الحالي، حيث يعتبرونه مقوما بأعلى من قيمته الحقيقية، فاجأ البنك المركزي المصري الجميع بإعلانه الأربعاء الماضي رفع سعر الجنيه مقابل الدولار، بواقع 20 قرشا، ليصل السعر إلى 7.83 جنيهات، في ظل تساؤلات عن مدى قدرة البنك المركزي على توفير النقد الأجنبي اللازم للدفاع عن قيمة الجنيه.
وجاءت الدهشة من قرار رفع قيمة الجنيه على خلفية مؤشرات مالية واقتصادية قد  تتنافى مع القرار منها – بحسب خبراء اقتصاد صرحوا للجزيرة مباشر-:
هبوط احتياطي مصر من النقد الأجنبي من نحو 36 مليار دولار قبل ثورة 25 يناير، إلى 16.4 مليار دولار في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ويكاد يكفي تغطية الواردات فترة تزيد عن الشهرين قليلاً، و لا يمكن السحب منه للدفاع عن الجنيه. وقد حذرت مؤسسة موديز للتصنيف الائتماني من إمكانية تخفيض التصنيف الائتماني الخاص بمصر بسبب التراجع الحاد في الاحتياطي الأجنبي.   
والثاني: هو شكوى المستوردين والشركات الاستثمارية من مواجهتهم لأزمة كبيرة في الحصول على الدولار لسداد مستحقات وارداتهم من الخارج، ومنع الحكومة استيراد بعض السلع غير الضرورية توفيرًا للنقد الأجنبي.

جفاف منابع النقد الأجنبي
والمؤشر الثالث يأتي من جفاف منابع النقد الأجنبي في مصر؛ حيث تبدت في عدة أمور منها: تراجع إيرادات القطاع السياحي في السنوات الأخيرة خاصة بعد حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء، وقرار بريطانيا وروسيا ودول أخرى تعليق السفر من وإلى مصر، مما سيكبد البلاد خسائر فادحة، قدرها وزير السياحة المصري  بنحو 2.2 مليار جنيه  شهرياً.

ومنها أيضا، استمرار الاقتصاد المصري كاقتصاد استهلاكي، والذي أدى إلى عجز حاد في الميزان التجاري بعد انخفاض الصادرات المصرية في شهر سبتمبر/أيلول الماضي بمعدل 28% مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، كذلك انخفاض الصادرات بمقدار 19% خلال أول تسعة أشهر من العام الحالي مقارنة  بعام 2014.
وينضم إلى جفاف منابع النقد الأجنبي، انخفاض معدل تشغيل قناة السويس بسبب تراجع معدلات التجارة العالمية، وبالتالي انخفاض الإيرادات ولجوء هيئة قناة السويس لاقتراض 1400 مليون دولار للوفاء بالتزاماتها.
يضاف إلى ما سبق، انخفاض تحويلات المصريين بالخارج بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين؛ إذ ذكر تقرير البنك المركزي المصري الصادر منتصف عام 2014، عن تراجع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 8.9%، حيث تراجعت إلى 8.441 مليارات دولار، خلال النصف الأول من العام المالي 2013- 2014، مقارنةً بنحو 9.276 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام المالي 2012- 2013.
ويأتي تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بل وخروج استثمارات من مصر بنحو 13مليار دولار خلال العاميين الماضيين، عبء إضافي يزيد من جفاف منابع النقد الأجنبي.

الدين الخارجي
ويأتي المؤشر الرابع متمثلا في ارتفاع الدين الخارجي ليصل إلى 48 مليار دولار في منتصف هذا العام بزيادة 2 مليار دولار عن العام الماضي، والرقم مرشح للزيادة مع إعلان الحكومة المصرية نيتها اقتراض 3 مليارات دولار من البنك الدولي، وبالتالي تكون أولوية  استخدام الاحتياطي لسداد الالتزامات المستحقة للدائنين.
أما التزامات البنك المركزي خلال الفترة القادمة –كمؤشر خامس-التي من بينها سداد مستحقات عاجلة على مصر منها مليار دولار مستحق سدادها لقطر، ومليار دولار أخرى لسداد قيمة المشتقات النفطية المستوردة، و3 مليارات دولار ديون لشركات النفط والغاز العالمية.
إضافة إلى وعد البنك المركزي لاتحاد الصناعات المصرية بضخ 4 مليارات دولار في السوق، خلال الفترة القادمة، لتلبية احتياجاتهم الدولارية، المتعلقة باستيراد المواد الخام للمصانع.
ويأتي التراجع الحاد في الدعم الخليجي في هذه الفترة كمؤشر آخر يضاف إلى ما سبق.

تساؤلات
بعد هذه المؤشرات يتساءل مراقبون عن التفسيرات التي  يمكن أن تبرر خطوة البنك المركزي المفاجئة؟
هل  حصلت الحكومة على وعود من دول خليجية أو مؤسسات دولية كالبنك الدولي  بمنحها مساعدات نقدية جديدة في شكل قروض أو ودائع تضاف إلى الاحتياطي لدى البنك المركزي، أو مساعدات نفطية تخفف الواردات وتقلل الضغط على الاحتياطي؟
هل أراد البنك المركزي،  توجيه ضربة للمضاربين في الدولار ودفعهم للتخلص مما في حوزتهم من نقد أجنبي، وهو ما يخفف الضغط على الدولار والسوق السوداء للعملة؟
هل أراد المحافظ الجديد للبنك المركزي، طارق عامر أن يبعث رسالةً قوية إلى السوق، مفادها أن هناك سياسات جديدة سيتم تطبيقها من البنك المركزي لإدارة السياسة النقدية وسوق الصرف؟ فقد اعتمدت سياسة محافظ  البنك المركزي المستقيل هشام رامز على خفض الجنيه أمام الدولار 3 مرات، منذ بداية العام الجاري ، لينخفض بنحو 80 قرشا في السوق الرسمية إلى 8.03 جنيه للحفاظ على الاحتياطي الأجنبي.
ومن قبله، كان محافظ البنك المركزي الأسبق فاروق العقدة قد اتبع سياسة الحفاظ على سعر صرف الجنيه مقابل الدولار بعد ثورة 25 يناير على حساب انخفاض الاحتياطي حتى فقد 60% من قيمته خلال عام ونصف، فانخفض من 36 مليار دولار إلى 15 مليار دولار.
وذكر خبير اقتصادي في تصريحات خاصة للجزيرة مباشر أن هذه السياسة قد ساهمت في تهريب النقد الأجنبي من مصر عقب الثورة والذي قدره البعض  بـ10 مليارات دولار دون أن يتحمل أصحاب هذه الأموال أية خسائر نتيجة ثبات سعر الصرف، في حين أن تحريك سعر الصرف ربما كان سيدفع هؤلاء إلى التروي في تحويل هذه الأموال حتى لا يتكبدوا خسائر كبيرة.
وأضاف أنه ربما حافظ هذا على الاحتياطي من الانهيار، ويتساءل هذا الخبير “هل تأتي الخطوة الأخيرة للبنك المركزي برفع قيمة الجنيه في هذا الإطار ولمصلحة بعض رجال الأعمال الذين يخرجون من السوق المصري ويبحثون عن ملاذات آمنة لاستثماراتهم خارج مصر، مثلما حدث عقب ثورة يناير 2011؟.


المزيد من منوعات
الأكثر قراءة