أكثر من ديكتاتور في مزرعة "أورويل"

محمد القدوسي

"إريك بلير" هو الاسم الذي حمله "جورج أورويل" عند ولادته في 25 من يونيو 1903م، لوالد يعمل في إدارة مكافحة الأفيون في الهند، حيث تلقى دروسه الأولى، قبل أن ينتقل إلى بورما ثم إنجلترا، حيث أتم تعليمه على أيدي معلمين قساة سجل معاناته معهم في أدبه.
ومن حيث الأسفار فقد ظل ينتقل بين باريس ولندن، وقضى سنوات في إسبانيا، التى شهد بعض فصول حربها الأهلية، وسجلها في روايته الأخيرة "ولاء لقطالونيا" التي لقيت فشلاً ذريعاً ولم تبع سوى بضع مئات من النسخ، ربما لأن "أورويل" كتبها وهو في مزاج بالغ السوء؛ جراء إصابته بالسل، الذي مات به في العام 1950م مختتماً حياة قصيرة حافلة.
أصدر "أورويل أول أعماله "مشرد بين باريس ولندن" عام 1933م، ولم يحظ بشهرة واسعة، على الرغم من أسلوبه الرفيع وثراء التجربة الإنسانية التي يسجلها، والتي هي نفسها سنوات صعلكة "أورويل" عندما كان اشتراكياً جواب آفاق.
"أورويل" الذي كشفت مصادر استخباراتية بعد وفاته أنه كان يعمل مع المخابرات البريطانية، عرف الشهرة مع صدور روايته "مزرعة الحيوانات" في أغسطس 1945م، وياللمصادفة: إنه الشهر نفسه الذي ألقيت فيه القنبلة الذرية على هيروشيما ونجازاكي!
كانت زوجته قد توفيت إثر جراحة فاشلة، واستقال هو من عمله رئيساً لتحرير القسم الأدبي في هيئة الإذاعة البريطانية ليتفرغ لكتابة الرواية، التي عانى كثيراً حتى عثر على ناشر شجاع تبنى نشر طبعة محدودة منها. لكن شهرة الرواية طبقت الآفاق بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي بقيادة "ستالين" ديكتاتور الاتحاد السوفييتي، الذي يرى معظم نقاد الأدب أنه المقصود في الرواية بشخصية الخنزير "نابليون" بينما منافسه "تروتسكي" هو الخنزير "سنوبول".
الرواية تدور في مزرعة إنجليزية يملكها "مانور" المزارع قاسي القلب، الذي تثور حيواناته ضده بقيادة الخنزيرين "نابليون" و"سنوبول" ومساعدة صادقة من سائر الحيوانات، التي تعلن تحرير مزرعتها من البشر، وتبتكر علماً جديداً يحمل صورة حافر وقرن (لاحظ أن علم الاتحاد السوفييتي كان يحمل المنجل والمطرقة) إضافة إلى نشيد يلخص مبادئ الثورة، تصطف الحيوانات لترديده في طقس يومي، قبل أن تبدأ العمل الشاق من أجل "جنة الحيوانات" وهي مزرعة يعتمد العمل فيها على الآلات ويحصل فيها الحيوان على كفايته من الطعام والراحة والرعاية، لكن.. هيهات!
ينقلب "نابليون" على هذه المبادئ، وعندما يحتج "سنوبول" يطارده ويقتله (كما طارد ستالين تروتسكي وقتله) وشيئاً فشيئاً يرتكب "نابليون" كل موبقات "مانور" صاحب المزرعة القديم، فهو يدفع الحيوانات للعمل حتى الموت، وعندما يمرض الجواد القوي "بوكسر" لا يعالجه بل يسلمه إلى جزار الجياد، وهو يبيع بيض الدجاج والحملان الصغيرة ويشتري بثمنها "الويسكي" ثم إنه يحيط نفسه بحراسة مشددة قوامها قطيع كلاب متوحشة، كانت ذات يوم جراء وديعة قبل أن يسرقها من أمها ويربيها تربية عسكرية قاسية (كما فعل هتلر مع أطفال الشوارع وكما يخطط "السيسي" أن يفعل).
وتنتهي الرواية مع مشهد حيرة حيوانات المزرعة العاجزة عن تمييز وجوه البشر من وجوه الخنازير، بينما المزرعة تتداعى والجميع يلهون، ليتأكد المغزى السياسي الواضح للرواية، الذي لم ينكره "أورويل" وغاية ما هناك أنه قال "الرواية ضد الستالينية لا الشيوعية".
ومن الطرائف أن سلطة الانقلاب في مصر طاردت رواية أخرى لأورويل، هي رواية "1984" وأن الصين (الشيوعية) قدمت "مزرعة الحيوانات" في عرض على أحد مسارح "بكين" في العام 2002م، وأن المنزل الذي شهد مولد "جورج أورويل" في ولاية "بيهار" بالهند تحول قبل انهياره إلى ما يشبه المشهد الختامي في "مزرعة الحيوانات" حيث كانت الخنازير والأبقار تتجول في الردهة والحجرات، بعد أن مست يد البلى والإهمال كل شيء فيه.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة