معاناة مسلمي الأندلس في وثيقة تاريخية نادرة

غلاف كتاب “ناصر الدين على القوم الكافرين”

كتاب “ناصر الدين على القوم الكافرين” أو مختصر كتاب “رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب” لصاحبه أحمد بن قاسم الحجري الأندلسي هو الوثيقة التاريخية الأكثر أهمية التي أرخت لإجلاء المسلمين من الأندلس، ما بين سنتي 1609 و1614م، حيث قدم هذا العمل وقائع الإجلاء برواية الجماعة المسلمة، أو “الموريسيكية” كما سماها القشتاليون، وقد منحته الدورة 11 من “جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة” التي تنظمها “دارة السويدي الثقافية” في أبوظبي، جائزة “تحقيق المخطوطات”.

 
ظل كتاب “رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب” مفقودا، لم يسبق أن حقق منه إلا مختصره التونسي الذي نشره “المركز العربي للأدب الجغرافي” تحت عنوان “رحلة الحجري ـ ناصر الدين على القوم الكافرين” والذي دونه كاتبه في مدينة تونس سنة 1641، حتى تم العثور أخيرا على النسخة المصرية من الكتاب، بعد 401 من السنوات على إجلاء المسلمين من الأندلس (1614 ـ 2015م) وهي نسخة كتبت في القاهرة سنة 1637م، وظلت مفقودة لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن.

قام تحقيق الكتاب على دراسة، قدمها الباحث التونسي “حسام الدين شاشية” لسيرة المؤلف أحمد بن قاسم الحجري، بناء على المعطيات التي وقف عليها في النص المحقق ووثائق أخرى، بالإضافة إلى معلومات حديثة وموثقة توصل إليها بعض الباحثين الذين درسوا سيرة “الحجري”. كما قام الباحث بوصف المخطوط المعتمد، وقارنه بالنسخة التونسية، ثم قدم منهجه في التحقيق، وأورد النص المحقق، وذيله بعدد من الملاحق، وفي هذا الصدد حقق وعرب عددا من الوثائق، بينها رسالة “أحمد بن قاسم الحجري” المرسلة من باريس إلى “الموريسكيين” بالقسطنطينية، ثم رسالتيه إلى المستشرق الهولندي “ياكوباس خوليوس” بالإضافة إلى تحقيق خاتمة مخطوط “العز والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع” وختم عمله بالكشافات والفهارس.

 
صاحب الرحلة موضوع الكتاب هو “أحمد بن قاسم بن الفقيه قاسم بن الشيخ الحجري الأندلسي” يكنى بـ”أبي العباس” كما يلقب كذلك بـ”شهاب الدين أفوقاي بخارنو” أما اسمه المسيحي الذي أجبر على التسمي به قبل إجلائه فهو “دييغو بخارانو”. وكان مولده في 977هـ، الموافق للنصف الثاني من 1569م. وتشير المراجع إلى أنه انتهى من تأليف كتابه في العشرين من رجب 1051هـ.

 
ولد الحجري في تييرا دي باروس، التابعة لمقاطعة أكستريمادورا القريبة من غرناطة، وقضى طفولته في قرية تسمى “الحجر الأحمر”. ولما شب اشتغل في الترجمة من العربية وإليها. وبرغم كل الامتيازات التي حظي بها في غرناطة، فإنه اختار الفرار إلى المغرب نحو سنة 1598 تقريبا، قاطعا رحلة معقدة وخطيرة، في ظل القوانين الأسبانية التي كانت تمنع الموريسكيين من السفر، وكان عمره تسعا وعشرين سنة، فحل في مراكش، ودخل في خدمة مولاي زيدان مترجما.

هجر المؤلف الأندلس ناجيا بعقيدته، كما عبر في نص رحلته، في ظل الاضطهاد التاريخي الذي تعرض له المسلمون في الأندلس، أما خروجه من المغرب في رحلته التي دونها فقد ترافق مع تدهور أوضاع الموريسكيين في بعض المناطق المغربية، وتأزم علاقتهم بالجماعات الأخرى، كما هو الشأن بالنسبة إلى علاقة موريسكيي قصبة سلا بمحمد العياشي وجماعته، الذي اتهمهم بالخيانة والتحالف مع المسيحيين. وبعد خروجه من سلا استقر الحجري وعائلته لمدة بمدينة تونس، وهذا يؤكد أن تركه المغرب سنة 1635م لم يكن بنية الحج فحسب.

وقد ذهب بداية إلى مكة ومنها إلى المدينة، وفي طريق عودته مر بمصر، ويبدو أنه استقر فيها بعض الوقت، وعمل في دكان محمد بن أبي العاصي الأندلسي، وبعد ذلك انتقل إلى تونس نحو أواخر العام 1637م وبها توفي 1641م.

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة