“لن نذهب لمدينة الأثاث”.. هل تخلى حرفيو دمياط عن “حلم” السيسي؟

تواجه مدينة دمياط للأثاث الجديدة التي أنشأتها مصر بمليارات الجنيهات صعوبة في تعميرها، ولم يتم شراء سوى 29% فقط من الورش المقامة بها.

أنشأت مصر المدينة المتخصصة في صناعة الأثاث بمليارات لتكون نموذجا لسلسلة من المدن الصناعية المتخصصة الضخمة التي تريد إقامتها في شتى أنحاء البلاد.

تقع “دمياط للأثاث” التي افتتحت في ديسمبر/ كانون الأول، على بعد 10 كيلومترات خارج مدينة دمياط الساحلية، والتي ظلت منذ أمد بعيد مركزا لصناعة وتجارة الأثاث في مصر، وكانت مزدهرة ذات يوم لكنها تكابد المصاعب حاليا.

يهدف المشروع الذي تكلف 3.6 مليار جنيه (230 مليون دولار) وغيره من المدن الصناعية المتخصصة المزمع تنفيذها إلى تعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل تشتد الحاجة إليها في بلد يعيش ثلث سكانه البالغ عددهم 100 مليون نسمة في فقر.

وقال باسم نبيل، الرئيس التنفيذي لشركة مدينة دمياط للأثاث “دمياط مدينة عظيمة في صناعة الأثاث وحاجة متوارثة أبا عن جد وهم بارعون جدا في صناعة الأثاث، والأثاث المصري الدمياطي يُصدر للعالم كله فمن هنا جاءت الفكرة في تجميع الصانعين وأصحاب الورش لزيادة الإنتاج وزيادة التصدير”.

ورغم ذلك، تم بيع 400 ورشة فقط حتى الآن من بين 1400 ورشة مشيدة بالمدينة الجديدة.

لن نذهب إلى هناك

وقال عثمان خليفة، وهو صاحب ورشة نجارة في أحد الأحياء القديمة بمدينة دمياط “الصنايعي من عندنا لن يذهب لتلك المدينة هناك.. يجب عليه كان نزل استشار البلد”، في إشارة إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وأكد ستة على الأقل من الحرفيين إنهم لن ينتقلوا إلى المدينة الجديدة؛ بسبب قرب ورشهم الحالية من منازلهم والتكلفة العالية نسبيا للانتقال إلى المدينة الجديدة، نظرا لأن شراء ورشة هناك يتكلف 300 ألف جنيه تُسدد على عشر سنوات.

وقال نجار آخر، اشترط عدم نشر اسمه، “ما الذي سنستفيده من هناك؟”

لكن أسامة صالح، رئيس مجلس إدارة شركة أيادي للاستثمار والتنمية الحكومية التي تساهم في تمويل المشروع وإدارته أكد أن الوقت ما زال مبكرا للحكم على المشروع.

وقال إن شركة مدينة الأثاث تأمل في بيع الألف ورشة المتبقية على مدى العامين المقبلين وتوقع أن تخلق المدينة 100 ألف فرصة عمل في غضون أربع سنوات.

وقال صالح، وهو أيضا رئيس مجلس إدارة مدينة الأثاث، “أي حاجة في أولها تبدأ بداية غير سريعة.. الناس تحب تجرب وتعرف ماذا حدث مع من جاء قبلهم لكن عايز أقول لك إن معدل التسارع أعلى بكثير”.

“معندكمش حلم؟!”

خلال حفل الافتتاح في ديسمبر/ كانون الأول، عبر  السيسي عن دهشته إزاء ضعف الطلب على الورش.

فقد شهدت صناعة الأثاث تراجعا على مدار سنوات بسبب عوامل منها ارتفاع أسعار الخامات ودخول واردات أرخص من تركيا والصين إلى السوق وكذلك انكماش الإنفاق الاستهلاكي.

وتساءل السيسي “ايه يا بتوع دمياط؟! معندكوش حلم؟! هي الناس بطلت تحلم ولا إيه؟! … اللى انتوا بتشفوه دا حلم أنا حلمته من سنين طويلة فاتت”.

وأضاف “كنت متصور الـ 1300 أو الـ 1400 ورشة اللى موجودة هيقولك دا احنا محتاجين ألفين كمان… حد يقولى أصل السوق مريح شوية واحنا في مشاكل.. لن تنتهي المشاكل”. وشدد على أن الدولة تبذل جهودًا لحل هذه المشكلات.

ورغم ذلك، ما زالت المدينة الصناعية غير عامرة بالعمال والصنّاع. وخلال زيارة للمدينة، لم يُشاهد سوى عدد قليل من الورش تعمل بالفعل.

مدن صناعية

تحتاج مصر، وفقًا لصندوق النقد الدولي، إلى استيعاب أكثر من 3.5 مليون من الملتحقين الجدد بسوق العمل على مدى الخمس سنوات المقبلة بسبب عدد سكانها الآخذ في التنامي.

وللقيام بذلك، يقول بعض الاقتصاديين إنها بحاجة إلى تعزيز النمو إلى 7.5% مقارنة بمعدل بلغ 5.6% سجلته في النصف الثاني من 2019.

ومن خلال تشييد هذه المدينة الصناعية، تأمل الحكومة في دعم النمو بإعادة الازدهار إلى صناعة الأثاث.

وكان صنّاع دمياط التي تقع في شرق الدلتا على ساحل البحر المتوسط الوجهة المفضلة لراغبي شراء الأثاث في مصر لعقود، بفضل شهرتهم في صناعة قطع مزخرفة ومطلية باللون الذهبي تشبه في تصميمها قطع الأثاث الفرنسية التي تعود للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وافتتحت مدينة الأثاث الجديدة بعد ثلاث سنوات من العمل في وقت غير موات بالمرة، وبالتحديد قرب نهاية برنامج لصندوق النقد مدته ثلاث سنوات تضمن إجراءات تقشفية تسببت في استنزاف القدرة الشرائية للمستهلكين وأضعفت الطلب على الأثاث.

تجارب متعثرة

لكن التاريخ المصري الحديث في هذا المضمار لا يوحي بالثقة، إذ يعج بالعديد من المحاولات غير المجدية لتشييد مدن صناعية أقيمت في الأغلب في الصحراء نتيجة اتخاذ قرارات فوقية دون مشاورات تذكر مع رجال الأعمال والعمال الذين من المتوقع أن ينتقلوا إلى هناك.

ومن بين المناطق الصناعية التي تكابد الصعاب حاليا وادي التكنولوجيا الذي صُمم في 2014 لاستيعاب 400 ألف شخص في الصحراء إلى الشرق من مدينة الإسماعيلية، لكنه ما زال خاويا بشكل كبير.

وهناك أيضا مدينة الروبيكي للجلود التي أنشأت في 2015 في الصحراء على بعد 55 كيلومترا إلى الشرق من الحي الواقع بوسط القاهرة وكان ذات يوم حاضنا لصناعة الدباغة والجلود، إذ تقول تقارير إعلامية إن المدينة الجديدة شهدت بداية بطيئة.

المصدر : الجزيرة مباشر + رويترز

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة