معهد كارنيغي: السيسي يفتقر إلى التخطيط الاقتصادي وفهم آليات السوق

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي

أوضح تقرير لمعهد كارنيغي بعنوان “أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري” كيف شهد تدخل القوات المسلحة المصرية في الاقتصاد تحوّلًا من حيث نطاقه وحجمه في عهد السيسي.

ويرجع ذلك جزئيًا بحسب التقرير إلى استيلاء المؤسسة العسكرية على السلطة في العام 2013، لكنه يعكس أيضًا افتقار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مخطط اقتصادي واضح، ناهيك عن الفهم السليم لديناميات السوق.

يقول التقرير: إن نموذج رأسمالية الدولة المصرية الذي يتكوّن تحت إشراف السيسي، فيسعى في آن إلى استعادة مركزية دور الدولة في صنع القرار الاقتصادي وإلى تطويع القطاع الخاص خدمةً لاستراتيجية الدولة للاستثمار الرأسمالي، حتى وهو يستمر في إعلان الالتزام الرسمي باقتصاد السوق الحر.

ويكشف التحول في النشاط العسكري الاقتصادي والتجاري في عهد السيسي عن ملامح هذا التطور.

فتدّعي المؤسسة العسكرية أنها توظف 5 ملايين شخص، لكن جميعهم تقريبًا يعملون في الواقع من قبل المقاولين المدنيين من القطاع الخاص الذين يعملون لصالح المؤسسة العسكرية.

يشير هذا إلى أن نهج السيسي قد يساعد في توليد النمو الاقتصادي وتحسين كفاءة المالية العامة، لكنه يعزز أيضًا قبضة الدولة المصرية بدلاً من تعزيز اقتصاد السوق الحر.

العقارات

استثمر السيسي موارد حكومية ضخمة في إنشاء العقارات لتوليد الإيرادات ودفع النمو الاقتصادي وجذب المستثمرين من القطاع الخاص.

وقد استحوذت المرحلة الأولى من بناء العاصمة الإدارية الجديدة على ما يقرب من 10% من إجمالي الإنفاق (300 مليار جنيه مصري، أو 19.05 مليار دولار) بحلول كانون الثاني/يناير 2020، ومن المتوقع أن تبلغ الكلفة خلال خمس سنوات 58 مليار دولار بحلول العام 2022.

يقلّل الرئيس علنًا من شأن دراسات الجدوى الاقتصادية، ويحتاج إلى شراء ولاء مؤسسات الدولة التي تشكل الائتلاف الحاكم الذي يرأسه.

السيسي خلال تفقد إحدى المشاريع داخل العاصمة الإدارية الجديدة
البنية التحتية

أدارت الهيئات العسكرية نصف المبلغ الذي أنفقته الحكومة على التنمية في سيناء بحلول أبريل/نيسان 2020 والبالغ 600 مليار جنيه مصري (ما يقرب من 40 مليار دولار).

ويؤكد حجم المشاريع العقارية والبنية التحتية على أهمية سيطرة وزارة الدفاع على استخدام جميع أراضي الدولة، والتي يُقدر أنها تشمل من 90 إلى 95% من إجمالي مساحة مصر. يعد هذا من بين أكبر العوائق أمام نشاط القطاع الخاص.

كما منح السيسي وزارة الدفاع حق الانتفاع الاقتصادي الكامل على واحد وعشرين طريقًا سريعًا بين المدن وشريطًا بعرض 4 كيلومترات بجانبها، ما يمكّنها من جباية رسوم المرور، وتشغيل أو منح الامتيازات التجارية (بما في ذلك الخدمات على جانب الطريق والإعلان)، ووضع ومراقبة شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية (بما في ذلك كابل الألياف البصرية).

الصناعات الاستخراجية

أنشأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مشاريع الصوب الزراعية وتربية الأسماك في مناطق مكتظة بالسكان منذ العام 2014، باستخدام المجندين العسكريين كعمالة في ما يُفترض أنه اقتصاد السوق الحر.

وامتد التركيز على الأنشطة الريعية في عهد السيسي إلى مشاركة المؤسسة العسكرية في استخراج الموارد الطبيعية.

كما حصلت الوزارة على حقوق حصرية للاحتفاظ بعائدات استخراج ومعالجة المواد الخام من المناجم والمحاجر على الأراضي التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية.

ومنذ ذلك الحين، بنى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مصانع للرخام والغرانيت بسعة إنتاجية تفوق حجم إجمالي الإنتاج الوطني، ما يضعها في موقع احتكاري محتمل.

وقد استحوذ الجهاز على حصة الأغلبية في الشركة العامة التي تسيطر على موقع الرمال السوداء الوحيد في مصر، الذي ينتج المعادن الثقيلة مثل التيتانيوم والزركونيوم بقيمة تصدير متوقعة تبلغ 176 مليون دولار سنويًا.

كما استحوذ على حصة في التنقيب عن الذهب ووسع دوره في إنتاج وتسويق الفوسفات والأسمدة. تقع الغالبية العظمى من مواقع الاستخراج في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، والتي من خلالها تشق المؤسسة العسكرية الطريق أمام حصة الدولة في هذه القطاعات وتُقحِم نفسها في التجارة الخارجية.

إخضاع القطاع الخاص

لقد أعادت إدارة السيسي اصطفاف علاقاتها مع القطاع الخاص. فالدولة هي المستثمر الوحيد في البنية التحتية العامة ومصدر حصة كبيرة من إجمالي أعمال القطاع الخاص، وخاصة بالنسبة إلى الشركات الكبيرة والمتوسطة.

وأدى الارتفاع الضخم في الإنفاق العام على الإسكان العام والبنية التحتية منذ أواخر العام 2013 إلى تضخيم مركزية الروابط السياسية والمحسوبية في تأمين العقود العامة، ما مكن الهيئات العسكرية من توسيع هوامش ربحها أكثر من المعتاد.

وبحسب التقرير أدى غموض الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم الاستثمار في المشاريع المُنشأة بالاشتراك مع الهيئات العسكرية أو في المناطق الاستراتيجية التي تسيطر عليها وزارة الدفاع يثني الشركات المحلية من الاستثمار فيها.

ويعني إعفاء المؤسسة العسكرية من اختصاص المحاكم المدنية أن النزاعات التجارية التي تكون المؤسسة العسكرية طرفًا فيها لا تذهب إلى التحكيم.

كما أن ضعف إنفاذ العقود والمخاوف بشأن المزايا الضريبية للقوات المسلحة تثني الشركات الأجنبية عن الاستثمار في مصر أيضًا.

وتسعى إدارة السيسي وراء استثمارات القطاع الخاص، ولكن بحسب شروطها هي فقط، فعلى سبيل المثال، في العام 2019، وضع السيسي الأراضي المحيطة بالوجهة السياحية الرئيسة في الغردقة وسبع وأربعين جزيرة في البحر الأحمر تحت سيطرة وزارة الدفاع.

تجميل رأسمالية الدولة

تحمِّل إدارة السيسي مستثمري القطاع الخاص جزءًا من عبء تركيزها على الأنشطة التي تقودها الدولة ذات الكثافة الرأسمالية، فقد خفضت الحكومة بشكل كبير الإنفاق على دعم الطاقة والغذاء وأجور القطاع العام، وخفضت نسبة القروض المتعثرة.

كما وافق مجلس النواب على بيع الشركات المملوكة للدولة التي تتعرض إلى خسائر تزيد على نصف رأس مالها.

ولم تكن هذه الإجراءات كافية لتوليد رأس المال بالحجم الذي يسعى إليه الرئيس، ما أجبر الحكومة على الاقتراض ورفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 90.3% بحلول حزيران/يونيو 2019 والدين الخارجي إلى 112.7 مليار دولار بحلول ديسمبر/كانون الأول.

وسعى السيسي إلى جذب رؤوس أموال القطاع الخاص إلى المشاريع التي تقودها الدولة، وتفاخر رئيس الوزراء في العام 2015 بأن العاصمة الإدارية الجديدة لن تكلف الدولة المصرية “مليمًا واحدًا،” حيث سيتم تمويلها من خلال التمويل التجاري بالشراكة مع شركات خاصة ومستثمرين أجانب.

ثم أدت المخاوف بشأن جدوى المشروع إلى انسحاب شركات إماراتية كبرى، وتعليق قرض صيني بقيمة 3 مليارات دولار، وفشل المحادثات بشأن استثمار صيني بقيمة 20 مليار دولار.

وبحلول مايو/ أيار 2019، لم تزد نسبة الاستثمارات الآتية من الخارج عن 20%، فاضطرت المؤسسة العسكرية والرئاسة إلى إقناع وحتى إكراه بعض المستثمرين العقاريين الأكثر شهرة في البلاد من القطاع الخاص على التملك في العاصمة الجديدة.

صندوق الثروة

برز صندوق مصر السيادي (ثراء) كأداة مفضَّلَة للرئيس لجلب استثمار القطاع الخاص إلى الكيانات والمشاريع العامة، مع إعطاء الدولة اليد العليا.

وكشفت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية عن عزمها نقل ملكية أصول بقيمة 50 مليار جنيه إلى صندوق ثراء، ما يضمن للهيئات العسكرية المعنية الحصول على أرباح مستقبلية من العقارات.

وفي فبراير 2020، وافق صندوق ثراء أيضًا على إدراج عشر شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في محفظة أصول للترويج والاستثمار، ما يشير إلى ظهور الصندوق كأداة لجذب الاستثمار الخاص بطرق تحافظ على سيطرة الدولة على الأصول وتُبقي غموض مواردها المالية الحقيقية.

مشاكل مزمنة

لا تساهم أدوات الاستثمار مثل صندوق الثروة السيادي كثيراً في إحداث نقلات نوعية في التصنيع أو التكامل التكنولوجي أو ترقية الخدمات وزيادة صادرات السلع. بدلاً من ذلك، فإن نموذج السيسي لرأسمالية الدولة هو نوعٌ من لعبة الأكواب المتحركة: فهي تنقل رأس المال من القطاع الخاص إلى الدولة، ومن كلا القطاعين إلى مؤسسات ينشئُها أو يفضلها هو، وعلى الأخص صندوق تحيا مصر وصندوق الثروة والمؤسسة العسكرية.

قد يوفر هذا النهج كفاءة أعلى، لكن إدارة السيسي تظل غير قادرة على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر سوى بمعدَّل يصفه البنك الدولي بأنه “بطيء.”

وحتى هذا الاستثمار المحدود موجه بشكل أساسي إلى قطاع الطاقة، ما يترك القطاعات الإنتاجية الأخرى في مصر تعاني، بل انخفض هو أيضًا بشكل حاد منذ العام 2017.

ويخلص التقرير إلى أن هناك إمكانية أن تتحرك مصر تدريجيًا وبشكل متقطع، وحتى عن غير قصد، نحو وضع يصبح فيه الحفاظ على اقتصاد تسيطر عليه الدولة أمرًا غير قابل للصمود. لكن في الوقت الحالي، لا شيء يفعله السيسي يغيّر واقع ما وصفه تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في العام 2019 بشأن مصر بأنه “مشاكل مزمنة من ضعف الحوكمة والبحث عن الريع ومخاطر الفساد والحضور المكثف للدولة في الاقتصاد”.

اقرأ أيضًا:

مركز كارنيغي يكشف: كيف أضعف الجيش الاقتصاد المصري؟

المصدر : الجزيرة مباشر

المزيد من اقتصاد
الأكثر قراءة