الطبيب المستعجل

الرعاية والاهتمام هو ما يبحث عنه المريض
الرعاية والاهتمام هو ما يبحث عنه المريض

في إحدى العيادات متوسطة الازدحام جاء دوري في الكشف عند طبيب أنف وأذن لفحص مشكلة قديمة متجددة في الأنف يمكن وصفها بالمزمنة.

وكان الهدف من زيارتي لهذا الطبيب الذي لا أعرفه من قبل هو أخذ رأي ثان في العلاج بإجراء عملية كان طبيب آخر قد اقترحها عليّ.

وبمجرد أن دخلت الغرفة وقدمت التحية، سألني الطبيب أين المشكلة فقلت عندي مشكلة في الأنف تعيق التنفس أحيانا، وكدت أسترسل لأشرح تاريخ حالتي، فقال لي الدكتور مباشرة تفضل لنفحص، وشرح الطبيب في كلمات معدودة ما استنتجه من الفحص واتجه للمكتب، ونظر للكمبيوتر وبدأ يكتب الدواء، وقال لي هذا الدواء سيريحك.

قلت له: هل هناك حل غير الدواء؟ فقال وهو ينظر للباب ويضغط على زر استدعاء الممرضة لتجهيز المريض التالي: هذا العلاج كافٍ وإلا اللجوء لعمليات وقصص ثانية مكلفة.

جو المحادثة جعلني أقوم واتجه للباب وقلت مسرعا وهل العملية حل جيد؟ فقال وهو ينظر للباب ومناديا باسم الممرضة: نعم ممكن طبعا، التزم بس بالدواء ونرى. 

وخرجت وأنا أشعر أني غير مرتاح ليس لشيء إلا أنني كنت أريد أن أتكلم وأسترسل وأشرح سوابق الموضوع وما جربته من علاج، كنت أريد أن أناقش موضوع العملية باستفاضة آخر حتى أصل لقرار مقنع ومريح لي، لكنها وللأسف كانت تجربة سيئة مع طبيب لا أشكك في كفاءته العلمية ولكنه كان مستعجلا.. مستعجلا جدا.

مجلة الطب الباطني العام  Journal of Internal  Medicine

نشرت دراسة موسعة أجريت في الولايات المتحدة والمكسيك وجدت أن متوسط إنصات الطبيب للمريض هو 11 ثانية فقط وبعدها يقاطعه. وخلصت الدراسة إلى استنتاج أن سوء التواصل بين المريض وطبيبه يؤدي إلى عدم الوصول لأفضل علاج فضلا عن احتمالات وصف علاج غير ناجع بل وخاطئ أحيانا.

وكثير من المرضى يخرجون من زيارة الطبيب وهم غير مرتاحين ولا يعرفون ما المشكلة بالضبط، فأغلب الناس يضع الطبيب بمكانة كبيرة في عقله الباطن، فيعتقد دائما أن ما يفعله هو صحيح، فلا يستطيع التمييز بين تقدير مكانة الطبيب العلمية وبين سلوكه وطريقه تعامله، ولكن المريض بعد مدة يبدأ في استيعاب المشكلة ويدرك أنه كان بحاجة إلى أن يسمعه الطبيب أكثر من العلاج؛ فالحكمة العربية تقول “اللقاء نصف الشفاء”.

إن عدم الإنصات ليس السمة الوحيدة للطبيب المستعجل أو الطبيب الذي لا يجيد التواصل مع المريض، إنما تتعدد أشكال عدم الاهتمام، ومنها الشروع في كتابة الوصفة أثناء حديث المريض، تجاهل المريض وتوجيه الحديث لمرافقيه، وكذلك الحديث مع المساعدين أثناء الكشف، وأكثر ما يؤلم المريض ويزيد ألمه هو توجيه اللوم له وتحميله مسؤولية مرضه فضلا عن تجاهل رأي المريض في طريقة علاجه، وهذا حق من حقوق المرضى يغفله الجميع.

العاملون في مجال الطب والصحة العامة يسمون مقدمي الرعاية HEALTHCARE PROVIDER

فالرعاية والاهتمام هو ما يبحث عنه المريض، بينما يعتبر الفلاسفة أن اللامبالاة هي أقسى الأشياء، بل هي أقسى من الألم!

للإنصاف لا يمكن تغافل ما يمر به أطباء هذا العصر من صعوبات وضغوط وهي كثيرة ومتعددة الأوجه، وقد نسردها ونعددها ونناقشها بالتفصيل في محل آخر، ولكن لا ذنب للمريض أن يتحمل أيّ تبعات لمعاناة الأطباء ومشاكلهم.

وبالرغم أن الطبيب المستعجل هو مثال لفئة من الأطباء لا يمكن تعميمه على جميع الأطباء، فإنه يجب القول إن مهنة الطبيب ليست كأيّ مهنة ومن يختارها بإرادته يعلم أنه سيقدم كثيرًا من التضحيات وسيتقبّل الصعوبات لأن حياة الناس وصحتهم أمانة بين يديه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة