إسراء جعابيص.. طيرٌ بلا أجنحة

اسراء جعابيص مع السجانة الاسرائيلية
اسراء جعابيص مع السجانة الاسرائيلية

ما أجمل الروتين القاتل بجانب نوائب الدهر المفجعة!

لن أنسى ذاك اليوم أبدًا (الأحد، الحادي عشر من أكتوبر، عام 2015)، فذاك الصباح لم ولن يشابه أي صباح رأيته، أو سأراه لاحقًا، فالصباحات اللاحقة لا يمكن وصفها لشدة ما تحمله من قسوة مع طيلة نهارها.

رن منبه الفجر كالعادة، ولكني كنت متحمسةً على غير العادة، قفزت من سريري بنشاط، تفقدت صغيري وأغلى ما لديَّ في حياتي(معتصم)، طبعت قبلةً حانيةً على جبينه، ودسست أناملي في شعره، وخرجت بخفةٍ على أطراف أصابعي خشية أن يستيقظ، ثم صليت الفجر، وقرأت ما تسير لي من آيات الله.

آه، نسيت أن أعرفكم بنفسي، أنا (إسراء جعابيص) مواطنة فلسطينية، أدرس (التربية الخاصة، بالكلية الأهلية في مدينة القدس المحتلة)، وأعمل في دار رعاية المسنين، التي لطالما شعرت فيها بأني ابنة لكل شخصٍ بها، ووضعت كل شخصٍ منهم بمقام والديَّ.

كلُ شيءٍ كان جميلًا وجيدًا، حياةٌ روتينية عادية، أذهب لعملي، وأهتم بعائلتي كما هو حال جميع النساء في العالم، ولكن مكان عملي كان يبعد أمتارًا كثيرةً عن مسكني، لذا قررت أن أنتقل وعائلتي الصغيرة لمكانٍ قريبٍ من عملي وكليتي، وبالفعل وجدت مكانًا قريبًا وجيدًا، وبدأت بنقل أغراض بيتي الجديد وأنا أتلهف لترتيب بيتي وأثاثه حسب ذوقي، وأتصور في مخيلتي مكان الطاولة، والمقاعد، وأحيانًا أجد نفسي أحرك أصابعي هنا وهناك كما لو أنني في بيتي الجديد، فأضحك ويضحك معي (معتصمي الصغير).

قرب المستوطنة

في ذاك اليوم، والذي أخاله أمس، بعد أن أنهيت فطوري، أعددت السيارة؛ لأنقل التلفاز وأنبوبة الغاز(غاز الطهي)، إلى مسكني الجديد و الذي لم أسكنه، ولا أدري إن كنت سأسكنه يومًا! ، ترجلتُ السيارة و أشعلت المكيف بداخلها، و كذلك المسجل حتى لا أشعر بطول الطريق، و لكن حادثةً سيئةً حصلت، عندما وصلتُ إلى منطقة الزعيم قرب مستوطنة (معاليه أدوميم)، انفجر بالون السيارة الموجود بجانب المقود، و اشتعلت النيران في سيارتي، فخرجت منها مسرعة، و لم أجدْ شخصًا لإسعافي، فطلبت من شرطة الاحتلال الإسرائيلي مساعدتي _و لذين يكونون متواجدين على الدوام على المعابر و الحواجز التي أقاموها_ فرفضوا ذلك، حتى الاقتراب لاستطلاع ما حدث، وتفاجأتُ بأعدادٍ مهولة منهم تأتي لمكان الحادث، يصوبون نحوي بنادقهم المخزِية، و ألسنة كلابهم يسيل منها اللعاب تريدُ أن تنقض عليْ، و بدلًا من أُحملَ بسيارة الإسعاف، حُملتُ بعربة الاعتقال الموصدة نوافذها بالزجاج و القضبان!

لم أشعر بنفسي إلا بالمستشفى على صوت ضابطٍ عبري، يرطمُ بلغةٍ غيرِ مفهومة، لا أعلم ما حصل لي، غير أنني عرفتُ سابقًا بأن محاكمةً مجحفة كانت تُعقد لي في المستشفى، لصعوبة حالتي وتدهور وضعي، حيثُ أصبتُ بحروقٍ من الدرجة الأولى، والثانية، والثالثة في أنحاءٍ متفرقةٍ من جسدي بنسبة 60%، في وجهي وظهري، وكذلك أصابعي التي كانت تعبث بشعر صغيري (معتصم).

حكمت عليَّ تلك المحكمة الباطلة بالسجن لمدة أحد عشرَ عامًا مع غرامةٍ ماليةٍ قدرُها (50 ألف شيكل)، وتم سحبُ بطاقة التأمين الصحي مني! دعوتُ الله أن يربط على قلبي بالصبر اليُوسفي.

الزنزانة

في سجن (هشارون)، الجحيم الحقيقي، تراه هنا بأم عينك، فالحرارة مرتفعةٌ جدًا وبشكل لا يُطاق، والرطوبة عاليةٌ للغاية؛ لقربه من البحر، كذلك التهوية التي تكادُ أن تكونَ معدومة، مع الحروق المنتشرة في جسدي، والتي تسبب لي بتقرحاتٍ لا تُعد، طالبت بمرطباتٍ علها تخفف الجفاف في جلدي المحترق، ولكن هذه المطالب كغيرها ذهبت في مهب الريح، فكل مطالبي في العلاج، والتجميل لشفتي السفلى، وأنفي، وأذني، وكذلك يدايَّ التي برزت عظامها قبل أن أُلحَد، لم تُجب إلا بالرفض، والمماطلة التي لا طائلَ من ورائها.

تخيل قطعة حديدٍ تُركت على النار، فتحولت للون الأحمر لشدة حرارتها، ثم توضع تحت الشمس الحارقة، كيف لها أن تنطفئ؟!، فما بالكم بحالي وأنا التي أشعر بالاحتراق في جميع أنحاء جسدي، بل وأشتم رائحة الحريق إلى اليوم بعد مُضي ما يقارب الست سنواتٍ على اعتقالي.

لطالما تمنيتُ حلول الليل؛ حتى تخف قليلًا آلامي واحتراقاتي، ولكن أنى لي ذلك في (هشارون الملتهب)، ما إن يحلَّ الليل حتى أتمنى طلوع الصبح، فالنوم لا يجدُ سبيلًا لعينيَّ، أحاول كتم أناتي بداخلي، ولكنها تأبى إلا الانفراج فأسمحُ لها بأن تخرج علَّها تصل لأصحاب الضمائر الحية، أو العروبة الحامية، فيطلقَ سراحي، أو أحصلَ على حقي بالعلاج.

في إحدى الليالي أخذ أنيني يخرجُ صارخًا عمَّا يحتمله هذا الجسد، شعرتُ بأني في الجحيم أحترق، فاستيقظتْ على أنيني بقيةُ الأسيرات في الغرفة الضيقة، وأحضرن أوعيةً من الماء وسكبنها على جسدي لعدة مرات علَّ آلامي تخفُ ولو قليلًا. وفي ليالٍ أخرى كنت أقف تحت الماء البارد لشدة الحر الذي بي.

ومع كل هذا الظلم، عليك أن تقف قويًا في وجه السجان وصلفه، وألا تظهر ضعفك الآني للمحتل، بل أن تبقى عزيزًا شامخ الرأس، ترفض المذلة والمهانة التي يوجهونها إليك.

أسوأ ما كان يصيبني هو الخروج في تنقلات (البوسطة) للمحاكمة، أو العلاج!

و (البوسطة)، هي أكثر محطات المعاناة لجميع الأسرى فقد ستغرق يومًا أو أكثر، عبارة عن زنازين انفرادية ضيقةٌ جدًا؛ يفصل بين كل مقعدٍ وآخر ألواحٌ حديدية سوداء، تمرُ بالعديد من السجون لجمع الأسرى الفلسطينيين مقيدي الأيدي والأقدام ممن لديهم محاكمة، وقد لا تكون هناك محاكمةٌ من الأساس لهم في هذا اليوم الشاق، مع سجناء إسرائيليين جنائيين، يشتموننا بأفظع الكلمات، وعلى ديننا ونبينا محمد. هؤلاء الذين جعلوا كل من وقف بوجه طغيانهم وظلمهم معاديًا للسامية!، بينما ما يفعلونه ليس معداةً للإسلام والمسلمين.

يقتلون القتيل..

في أحد المرات، والتي تمنيت أنني لم أخرج بها، والتي حاولت إقناع نفسي بأن أستطيع التحمل ولو قليلًا، بدلًا من رؤية ذاك السجان القبيح، والذي سخر من معاناتي و آلامي، صرخت به بأن يزيح وجهه عني، و أن ينظر لي باحترام!

(يقتلون القتيل، و يسيرون في جنازته)، في إحدى المحاكمات الخرافية، و حين كنتُ مكبلة اليدين و القدمين، في جائحة كورونا صرخ بي أحد الجنود: لماذا لا ترتدي القفازات؟! ، فرفعت يداي، و قلت: لا توجدُ يدان.

هل أعدُّ المزيد لكم، عن معاناتي في الشرب أو الأكل بشكلٍ طبيعيٍ مثل الجميع، بعد أن ذوبت الحروق شفتي السفلية، كنتُ أحتاجُ لأنبوبٍ صغير؛ كي أستطيع الشرب منه، كذلك بدلاتٌ خاصة لأصحاب الحروق مثلي، و لكن إلى أين يذهبُ الصدى؟!

أحاول التحايل على الوقت، فتراني تارةً أخيط دميةً لابني الوحيد، والذي مُنع من زيارتي كباقي عائلتي، أو أرسل بعض الأقمشة المطرزة والتي تساعدني في حياكته بقية الأسيرات، وتارةً أكتبُ رسالة شوقٍ لطفلي، قد تستغرق ثلاثة أيامٍ لتكتمل كتابتها، ثم لتخضع لتفتيش دقيق من قبل إدارة السجن، وفي بعض الأحيان أحاول التسرية عن الأسيرات القاصرات، فألبسُ زي المهرج؛ كي لا يخفن مني، أكتب النصوص وأحاول تأديتها، على الرغم من سوء التركيز، وقلة الحفظ جراء ما حصل معي.

اليوم أقبعُ في سجن (الدامون الأغبر)، والذي أقيم كمستودعٍ للدخان زمن الانتداب البريطاني، وحولته إسرائيل لسجنٍ للفلسطينيين، أبنيته التحية سيئة جدًا، مليءٌ بالحشرات، الرطوبة، وفي خضم كل هذا، أتذكرُ وأرنمُ قصيدةَ الشاعر الفلسطيني (توفيق زياد)، والذي زُجَّ به مع بضعٍ من رفاقه هنا، حيث يقول فيها:

أتذكّرُ…إنّي أتذكّر

لمّا كنّا في أحشاء الظلمة نسمر

في الزّنزانة…في الدامون الأغبر، وفي آخر القصيدة يختمها، كما أختم هنا جزءًا بسيطاً من قصة كفاحي و صبري بهذه الأبيات:

يا شعبي…

يا عود النّدِّ…

يا أغلى من روحي عندي

إنّا باقون على العهدِ

لم نرضَ عذاب الزنزانة

وقيود الظلم وقضبانه

ونقاسِ الجوع وحرمانه

إلاّ لنفُكَّ وثاق القمر المصلوب

ونعيد إليك الحقّ المسلوب

ونطول الغد من ليل الأطماع

حتى لا تُشرى وتُباع !

حتّى لا يبقَ الزورق …دون شراع!!.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة