كيف مارست مصر التخطيط بالتجربة والخطأ؟

أكرم الحوراني

أصبح من السهل أن نكتشف أننا لا نزال ندفع حتى الآن ثمن مجموعة من الأخطاء التي ارتكبت منذ 1954 بحسن نية من دون أن يعرف أحد أنها كانت خطايا كبرى في حق المستقبل، وفي حق الوطن. وربما جاز لنا أن نسأل: هل ضعفت أو تلاشت إمكانية الوصول إلى الصواب المبكر في مثل هذه القضايا، وإذا بنا نفاجأ بأن أحدا لم يكن يريد هذا الصواب المبكر، لأن الأهداف قصيرة النظر كانت قد تحققت ثم شغلت قيادة الدولة نفسها بأهداف أخري، أو شغلتها الأيام بمشكلات أخري كبيرة على نحو ما نعرف.

ظاهرة تسييس الأرقام و تشويه التخطيط

ظلت مصر الحديثة في أرقامها الاقتصادية ملتزمة بالدقة البالغة حتى تغلبت دعايات السياسة (ولا نقول: تغلبت السياسة) على أصول الاقتصاد والمحاسبة والإدارة بسبب ما انتهجته حكومات 23 يوليو 1952 من توجهات أو سياسات قصيرة النظر وما كانت هذه التوجهات تستسهله من أن تلجأ إلى الحلول الوقتية أو المرحلية أو بالأحرى المرحّلة للمشكلات إلى ما لا نهاية.

 ومن ناحية أخرى، فقد بدأ تزييف الأرقام في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، لأنه كان حلا سهلا لمشكلة عويصة هي الفشل المتكرر في إدارة الاقتصاد بسبب عوامل متعددة، كان منها:

1.    البعد عن أهل الخبرة

2.    تجنب سياسات المصارحة

3.    الهروب من تطبيق الأصول المحاسبية

4.    مجافاة ما نعرفه الآن باسم مبادئ الحوكمة الرشيدة.

 كما كان تزييف الأرقام أيضا يمثل حلا عبقريا لمشكلة أخرى هي ضرورة التغطية على النهب المتنامي للموارد الموروثة أو المصادرة أو المنهوبة.

تجربة مجلس الإنتاج والتخطيط

ذكر السياسي السوري البارز اكرم الحوراني أيضا  انه اكتشف ان عبد الناصر كان سرعان  ما يبتدع سياسة التلفيق اللحظي في الخطة بعد الاجتهاد في وضعها ، وهو يقص القصة التالية : «بعد أنظمة 23من يوليو أنشئ ما سمي بمجلس الإنتاج، وكانت كوادره من خبراء مصر لوضع خطة إنمائية تضع حلولا لمشاكلها الاجتماعية والاقتصادية المستعصية….. ، زرت مجلس الإنتاج عام 1956، وكان محمد فؤاد جلال رئيسا له حيث حدثنا أعضاء المجلس آنذاك بأنهم خرجوا من أبحاثهم ومناقشاتهم بأنه لا أمل بحل مشاكل مصر الاقتصادية والاجتماعية حلا جذريا بسبب تفجرها السكاني إلا على مستوى عربي ، وقد عين البغدادي بعد ذلك رئيسا لهذا المجلس بعد إخفاق مشروع الوحدات المجمعة ومديرية التحرير التي أنفق على إنشائها مبالغ طائلة».

كيف بدأ التلفيق اللحظي في الخطة وتزييف الأرقام

وننقل في هذا المقام صورة بديعة في صدقيتها وواقعيتها المريرة، وقد سجل بها الحوراني ملامح الطريقة الفورية التي عالج بها الرئيس جمال عبد الناصر قضية التخطيط منذ البداية: “……. وفي الاجتماعات التي عقدها عبد الناصر مع الوزارة المركزية تقدم البغدادي بمشروع للتخطيط الإنمائي قام بوضعه ثلاثة وستون خبيراً لمضاعفة الدخل القومي خلال عشرين عاما. في الجلسة الأولى لاجتماع الوزارة المركزية على مستوى مجلس التخطيط قلت لعبد الناصر: «إن هذه الخطة ستصيب الشعب بخيبة أمل كبيرة، لأنه خلال عشرين عاما سيزداد عدد السكان بشكل لا يسمح برفع مستوى معيشة الشعب المصري.

تعامل عبد الناصر والبغدادي مع التخطيط

“…. لم يخطر ببالي أبداً أن يكون رد فعل عبد الناصر أن يبدل بموافقة الوزراء الأرقام التي بنيت عليها الخطة لمضاعفة الدخل القومي فيجعل المدة عشر سنوات بدلا من عشرين سنة، والذي أذهلني أن جميع الوزراء قد لبوا رغبة عبد الناصر دون تردد في تغيير الأرقام وهم الذين اشتركوا مع العدد الكبير من الخبراء في تقديرها.”

كيف تبدلون أرقامها التي بنيت عليها بأرقام أخرى؟
يروي أكرم الحوراني الحوار المندهش بينه وبين البغدادي الذي كان فيما يبدو قد أدمن التعود مثل هذه التصرفات الناصرية: ” قلت للبغدادي الذي كان جالسا بجانبي: ألست أنت الذي درست هذه الخطة وتقدمت بها بصفتك رئيسا لمجلس التخطيط، وشارك في ذلك جميع الوزراء الحاضرين، فكيف تبدلون أرقامها التي بنيت عليها بأرقام أخرى؟».

كيف بدأت الناصرية الخيال بلا أساس

وهذه ، أيضا ، قصة عابرة رواها اكرم الحوراني نائب رئيس الجمهورية الذي كان في وقتها تاليا مباشرة للرئيس عبد الناصر في البروتوكول وسابقا على المشير عبد الحكيم عامر :”… أقيم في الإسكندرية (1959) عرض للقوات المسلحة، ثم موكب شعبي في ملاعب البلدية أطلق عليه موكب الزحف المقدس، وقد لفت نظري مرور سيارة قيل : إنها من صنع المعامل المصرية  [نتوقف هنا هنيهة لنشير إلى أن كلمة المعامل توازي كلمة المصانع في الاستعمال المصري ] فقلت للمشير عبد الحكيم عامر الذي كان جالسا بجانبي: إنه لأمر مفرح أن نبدأ بصناعة السيارات، فقال: إننا لم نصنع هذه السيارة، فظننت أنها قد جمعت في المعامل المصرية، ولكن المشير قال: وحتى هذا لم نتوصل إليه حتى الآن، مع أن صحف الجمهورية نشرت بأن المعامل المصرية قد بدأت بإنتاج 3600 سيارة».

صناعة الأرقام السياسية ورصد لبعض الصور المقننة للتزييف

كانت النتيجة الطبيعية للاهتمام بالصورة الدعائية أن تعددت صور التزييف، وسنتحدث عن بعض الصور المقننة منه فحسب، وهي تلك الصور التي أنتجت معلومات كانت كفيلة بتشويه الحقائق في تاريخنا الاقتصادي والسياسي على حد سواء وذلك من قبيل بعض مظاهر التزييف الذي يمكن تبريره بخضوعه ظاهريا للقاعدة القانونية والمحاسبية رغم بعده عن الحق والحقيقة.

كيف تحقق ارتفاع ارقام الموازنة بضم الموازنات المستقلة

هذه فقرة من فقرات كبار سياسيي العرب تعزز ما رويناه وقررناه على سبيل الإجمال في مواضع كثيرة، فقد روي أكرم الحوراني وهو الوزير المخضرم منذ نهاية الاربعينيات ما لاحظه بنفسه في أثناء توليه منصب نائب رئيس الجمهورية في دولة الوحدة: «… اعتادت ميزانية الإقليم المصري ضم وإدراج جميع ميزانيات الإقليم الملحقة والمستقلة وجميع موازنات المؤسسات العامة، وبهذا الأسلوب ترتفع نسبة أرقام الموازنة كثيرا عن الأسلوب السابق”

تطبيق الأسلوب نفسه على سوريا

ويروي الحوراني بكل أسف أن دولة الوحدة لجأت أيضا الى تطبيق الأسلوب نفسه على سوريا: ” وقد أخذت سوريا بالأسلوب المصري عند وضع موازنتها فيما بعد بغرض الدعاية للنمو الاقتصادي الذي حققته سوريا في ظل حكم عبد الناصر، الأمر الذي لا يتمكن الناس من اكتشاف زيفه وبعده عن الحقيقة والواقع».

حساب حصيلة بيع الأصول العقارية المؤممة

مع الوقت و مرور الزمن تنامت صورة من أهم  صور التزييف في الأرقام الدالة على النجاح ، وهي تلك الصورة التي تواترت  في حساب الإيرادات حين تدرج ضمنها حصيلة بيع الأصول العقارية المؤممة او المصادرة وبهذه الطريقة يرتفع رقم الإيرادات ومن ثم يرتفع رقم الأرباح ومن ثم تشير معدلات تقييم الأداء إلى أن المستهدف [الإجمالي] قد تحقق وربما بنسبة أكبر من ١٠٠٪‏ ، وبناء عليه تصرف المكافآت ، وتبدو الشركة و كأنها قد أصبحت محققة أرباحا وإنجازا … الخ  و ببساطة شديدة ، فان من المعروف أن حصيلة أي بيع للأصول لابد أن تدرج ضمن الإيراد ، وإلا فإنها ستتسرب بعيدا عن خزينة الدولة ، لكن هذا لا يمنعنا من الإقرار بما يترتب [دعائيا] على هذا الإجراء الحسابي [البحت] من تصوير الأمر  وكأنه نتيجة نجاح  لأنه من ضمن الإيراد حتى وإن لم يكن من ضمن إيراد النشاط الأصلي ، وهو ما يمثل خداعا عند التدليل به و إفسادا عند الدعوة الكامنة إلى الاقتداء به .

زغللة النظر في حساب الديون والقروض

ثاني صور هذا التزييف يتمثل في الأثر المعنوي الناشئ عن حساب الديون والقروض والمعونات الخارجية هي الأخرى ضمن الانجازات لا ضمن الإيرادات فحسب وهو ما أصبح معتادا ومألوفا بنفس منطق الصورة التي شرحناها أو لخصناها لتونا فيما يتعلق بحصيلة بيع الأصول، ومن المذهل أن الأمر تطور إلى الترحيب بالقروض باعتبارها رزقا بلا جهد جاء لمن يستحقه!.

تكرار حساب البند الواحد أكثر من مرة

ثالث صور التزييف هو حساب البند الواحد مرتين، فأرباح شركات القطاع العام كانت تحسب لكل شركة ثم تحسب مرة أخرى في الموازنات المجمعة للمؤسسات العامة، ذلك أن هذه موازنة وتلك موازنة، وأن هذه ميزانية وحساب ختامي، وتلك ميزانية وحساب ختامي.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة