المرض. . القوّة التغييرية الهائلة

في ركنها المريح البهيج، يشرق في أرجائه نور دافئ يطوّق أوصال روحها وينعش ثنايا فؤادها. هي اصطنعته بنفسها حسب مقاييسها الخاصة المتناغمة مع التفاصيل المتناهية الدقّة من ملامح شخصيّتها. هناك، في أعماقها يستقر ركنها، يحمل عبق ذاكرة يفوح عطرها النديّ من وقت لآخر وانفلاتات أحلام منطلقة في بحر من الخيالات والآمال والتأملات، لا أحد يقطعه ولا جفاء يذبله، هو سكنها الذي تجهل غيره ومأواها حينما تتعالى أمواج الحياة وتتلاطم من حولها، حتى إذا استقرت وهدأت وهي طبعا مطمئنة، واثقة لحدوث ذلك، يعيد ركنها إشعاعه ويعمّ الهناء والهدوء في الأرجاء وتستمر الحياة في سلامها المعتاد.

وها هي لا تبرح تتعلّم الحياة وتستقي من مختلف منابع المعارف والخبرات وتستفيد من الإخفاقات قبل النجاحات وتستخلص الدروس والعبر وتتشاءم من وجه الحياة القبيح ولا تفتأ تشحن وتعبئ نفسها بمختلف مصادر الطاقة الإيجابية.  

لا شيء يمكن أن يحدّ من طمأنينة راسخة ثابتة وحرارة صبا وعنفوان شباب مزهر وقلب فتي منطلق، لا شيء يمكن أن يمحو ذاكرة من السلام المحفوظة في أعماق وجودها سوى قدر الله.

إن كلّ من قدر الله سبحانه لكنّ المرض له طعم آخر. أحد ما يدفعها قسرا بكامل قوّته خارج ركنها طردا عنيفا وقاسيا ويغلق الباب بمفاتيح غليظة ضخمة فتضحي كالشريدة تروح وتجيء تحوم حول مكانها الخاص ذلك الركن الصغير الذي لطالما اعتبرته قلعتها وحصنها الحصين.

هي مضطرة الآن أن تواجه الحياة كما لو لم تعرف أو تسمع بها من قبل في ظلمة مغلقة بجسد سقيم متهالك تعبا وأنفاسا لاهثة متقطّعة باحثة عن ذلك الأمل في أي مكان هو.

في تلك الرحلة العصيبة العسيرة بين حمل قدم ووضع أخرى يكتمل وجه الحياة كالبدر يسطع في الليلة الصافية، فتراه جليّا أمام نظريها في دهاليز المكان المقفر، يتوهّج شطريه بين حلو الحياة ومرّها وعافيتها وسقمها وفرحها وترحها، ها هو يدنو أمام نضيرها ويقترب ببطء واثق في اكتمال تام لأركانه فترمقه بكلتا عينها الشاحبتين الذابلتين بنضرة تَفيض غيضا وتُزهَق إرهاقا في وقفة أرعشها التعب ثم تستأنف مسيرها.

ولكن، لا تعرف شابّتنا أن شيئًا آخر ينمو ويترعرع في جسدها السقيم الوهن ذاك، إنّه شيء فريد وخاص جدا، ما بين ضلوعها المغتربة في موطن ليس ببعيد عن ذلك الركن القديم المهجور، شيء لا يعلمه إلا من حكَّت أنفاسه بالحد الفاصل بين الحياة والموت.

إنّه إحساس الإنسان بعمق إنسانيته بقيمة الوجود وبالأخص قيمة وجود واحد أحد مصدر القوة العظمى.

حينها يصير لزاما عليها اعتقادها بوجود مخلّص لا افتراض في وجود ولا خيار ولا اختيار في ذلك، إنه هنا يسمع ويرى آلامها ودموعها وانهيارها وشدّة سقمها.

طبعا فهي الآن روح تحمل جسدا حملا كحمل الأم لرضيعها وينهكها فوق ذلك تعب السفر وثقل الأمتعة، إنّه بحث ولكن لا يشبه أي بحث آخر، إنّه بحث عن عودة الروح إلى الجسد فعودة العبد إلى ربّه. عودة الطائع، النادم، الفار إلى الملجأ، ألا وليس في الدنيا ملجأ غيره وليس في الحياة حضن يضاهي حضن ذلك الكتاب (لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) ولا شيء يسكّن تلكم الأوجاع النفسية والجسدية غير تلك التسبيحات تنساب من فاهها فتحسبها جواهر ولؤلؤ، فتدرك ميزانها وثقالها في قلبها وحياتها.

قادها إخلاصها في عباداتها وثباتها طيلة سفرها الطويل إلى مكان ما، تطالع تلك الأرض الرحبة الفسيحة الكريمة مذهولة مندهشة: أرض الإسلام، تنتعش أوصال روحها وترتمي فيها كالطفل في حضن أمّه فتحتضنها الأرض في حنو وعطف وقد طال صبرها وانتظارها فتقذف فتاتنا وزر تعبها بعيدا وترتع في رياضها كما تشاء، هو ذاك وطنها الجديد لا ضيق يعتريه ولا بؤس يضنيه ولا يد تسلبه، أرض حيّة تسكنها روح طيّبة تبادلها حبّها أو أكثر. هو لها الآن -مكانها الجديد- وقد أُسس ليناسب مقاييسها الخاصة أيضا، لها أن تعمره وتزرعه بما لذّ وطاب من تسبيح ونوافل وقيام وقرآن وصيام وقرب وودّ، فتكمل بقية حياتها في ظله الظليل وحصنه الحصين.

وفي تلك الولادة العسيرة أيضا تولد الروح من جديد وتترسب الشوائب والكدر والعُيُوبِ في قاع العدم وتعلق هناك للأبد لأن المرض درسا عميقا ومؤلما لا ينسى أبدا، بينما يلين القلب ويهفو ويصير أثر حساسية وإصغاء وأعمق شعورا.

وها هي فتاتنا تكبر، لا في السن بل في التجربة، وصارت تضحك لوجه الحياة بدلا من نحيبها ضحكة ساخرة واثقة من أعماق القلب. انّه انتصار ويعقبه انتصار آخر بإذن من الله تعالى -الرحيم المجيب- لطالما انتظرته ووقفت واهنة على أعتابه.

وتذكروا أبدا أن الله مع الصابرين وما اشتدّ بلاء وطال إلا لينفرج وهذا وعد من الله (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

ثم يثبت قلوب قوم مؤمنين فيقول جل في علاه (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُو خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُو شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة