العقلانية والهمجية

الهمجية
الهمجية

(أنا خير منه) هذه عبارة ابليس ضد الأدمية ومن وجهة نظر تفضيل بيولوجية أنه فاضل نسبة لنفسه فاعتقد أن النار أفضل من الطين، لماذا؟ لأنه افترض ذلك وأيقن بالتكرار، كذلك يرسخ التكرار والتلقين سواء من الاعلام أو الهيئات أو رجال الدين…. لم يقل اني لا أعبدك، لم يقل اني لست خلقك، بل أنت خلقتني من نار وخلقته من طين، أنت طلبت مني أن أكون مسيحيا أو مسلما أو يهوديا وأنا الأفضل من الاخر، لكن الله لم يقل إن النار افضل من الطين، ولم يقل لأحد انك افضل من أحد وانما قال إن رسالة الأنبياء واحدة هي الاستسلام لله وطاعته، وأن لا رعوية فكلكم عباد الله وكلكم للدين رجال ونساء وبنين، وأن الانسان مميز بمنظومته العقلية التي تبدع وتنتج ولكنها ذات حدين، فان سلكت طريق الأنا فهي سلكت طريق الكراهية وتبرير طرقها وسبلها، وشيطنة الاخر ورفضه وتفسير كل فعله بالسوء (اني اعلم ما لا تعلمون) هكذا قال الله لملائكته فهذا المخلوق ليس مفسدا فقط وانما له ايجابيات وسلبيات وفاعلية منظومته العقلية وفهمه وتغلبه على عنصر الشر فيه من الأنا سيبرز إيجابيات، لذا كانت قيم الاسلام أن لا تكره الانسان وانما ان تكره له فعله، تلك المنظومة القيمية التي تصارع الانا الابليسية وليس انا الانسان كوجود، فالإنسان بفعله، كذلك بطش خالد بالمسلمين في أحد وكذلك أضحى بعد ان اعتدلت منظومته سيف الله المسلول، لو كره المسلمون خالدا لما كان سيف الله المسلول لاحقا، لكن غير فعله فتغير وضعه.

في محيطنا وعبر التاريخ ظلم كبير، وتمكن الأنا الابليسية هذه وتحولها الى موجه للمعتقدات باسم الله والدين

اليوم ما يملى على الانسان من قيادة الراي (نار وطين) وما ذلك الا للأنا الابليسية فيهم وهم يقولون اننا نقاتل الشرير، والحقيقة انهم يدافعون عن ميزاتهم وعن مكانتهم الاجتماعية ونمط حياتهم المعيشية، وكأنهم ملكوا الناس ولم يخلق الناس احرارا.

استعمار منظومة العقل والله يريدها حرة كي تختار ولها الاهلية فتحاسب على خيارها، باسم أيدولوجيات ومعتقدات وكهانها استعمرت الكراهية عقلهم فلا يستطيع ان يرى الحسن الا بما هو عليه، ويفجر في وصف الاخرين فجورا.

في محيطنا وعبر التاريخ ظلم كبير، وتمكن الأنا الابليسية هذه وتحولها الى موجه للمعتقدات باسم الله والدين، أي دين، لأن رفض الاخر هو الاساس وان سمحت الظروف ببروز هذا المرض تحت اسم دون اسم، لكن ردود الفعل من المظلوم تواجهك بان العقدة ذاتها ولا يمنع فعل مقابل لفعل الظالم الا ان يكون المظلوم محله، كل هذا نتيجة الفساد الذي اشاعه التلقين بالكراهية باسم العقيدة والرب وتحقيق مشيئته وكان الرب عاجزا ينتظر هؤلاء المرضى ليحققوا مشيئته بظلم واضطهاد وقتل من امر ملائكته وابليس بالسجود لعظيم صنعه، وهو ما يجعل الكره للظلم ليس لجنس الظلم وانما لفقدان التمكن من ظلم الاخرين فيتحول الى ظلم عند التمكين، او بشاعة في القول وفجور وتلفيق عند الاحساس بالأمان من عقاب، المذابح الكبرى عبر التاريخ تأتي بعد تمكن مظلوم من ظالم، في الفتوحات الاسلامية، ولأنها كان كما وصف ربعي  بن عامر فهم راق لأهدافها بانها تحرير الانسان من ظلم العباد وجور الاديان الى الرحابة والعدل والخيار الحر كحق كانت تنتهي بوضع السلاح ولا تستباح اموال او اعراض او انفس، وتغير الحال بتغيير الفهم والخطاب وظهور ملوك باسم الدين زمن ظهر في طرف آخر القتل والابتذال باسم الطائفة حتى ولو من نفس الدين بعقيدة فيها اختلاف كما في حروب الفرنجة وما حصل من مجازر في فلسطين قتل الفرنجة المسلمين والارثودوكس دون تفريق وأبادوا اهل بيت المقدس باسم الرب، وتبين تاريخيا انها حرب رعوية اقتصادية ومحاولة لنقل المشاكل الداخلية.

هنالك أناس لا يفرقون بين قيادي الفكر وقيادي الميدان

طلب الادانة للمحتلين والظالمين، والراي العام أو تلفيق الكلام على كل من يعادينا او نعاديه ليس مفيدا ولا هو بمنهج سليم، فضمن هذا الفساد الكبير في الارض الذي يشير الى قول الملائكة عندما ظنوا أن الانسان بلا منظومة عقلية وانما هو حيوان على قدمين يتحقق الان وبأبشع صورة عندما يستغل قدراته للشر ويستسلم لمشاعر الكراهية التي تفقده الانسانية، فلابد من عمل ذي رؤية تتجاوز هذه الرواسب الشنيعة التي حولت الادمية وافرغتها من محتواها وان تصحو النخب من دعاة مسلمين ومطارنة ورهبان وحاخامات وكهنة من متعدد الاديان والمذاهب والطوائف أو من اتخذ العلمانية أو الالحاد دينا فكفَر الباقين… ليفسحوا مجالا لنخب تخلصت من هذا المرض لتوجيه المجتمع نحو الافضل وليس رفض ومعاداة كل ما لا يوافق الهوى واتهامه.

هنالك أناس لا يفرقون بين قيادي الفكر وقيادي الميدان …. لهذا عندما يطرح قيادي الفكر رأيا لا يخطر ببال المتصدين، يتعاملون معه كمنافس أو طالب سلطة بينما هو يقدم أرضية ورافعة لهم ومتابعة لتنفيذ المشروع، وهو لا يفكر بالسلطة او المنصب الا إذا ارتأى قيادي الموقع ان يعمل لسد فراغ؛ فالعقلانيون ضحية من تحكمهم غريزة حب السيادة بالذات، والعقلانية فريسة للهمجية.

النخبة عليها واجب في هذه المرحلة أن تحافظ على نفسها وان لا تجر بمسارات الغوغاء وتبحث النخب عن سبل استثمار اختلاف توجهاتها ايجابيا والا ستثبط بعضها.

 

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة