من أمثالهم.. الصيف ضيعت اللبن

(غيتي)
(غيتي)

إن شئت الإيجاز، فإن العرب تقول للرجل يُفوِّتُ الفرصة على نفسه ثم يتحسَّر عليها “الصيفَ ضيَّعْتِ اللبن”، وإن شئت الوقوف على مبعث هذا القول البديع وتفاصيله؛ فدع عنك الجُملة وإليك التفصيل.

تلخص الأمثال خبرات حياتية عدة، ربما تكون فردية أو مجتمعية، ولها إسقاطات على مختلف مناحي الحياة، ولخصوصية كل مثل -بالأحرى المناسبة التي قيل فيها للمرة الأولى- فإن العرب تمسّكت بمورد المثل، ولم تغيِّر من صيغته التركيبية، حتى وإن خالفت القواعد النحوية والصرفية، يُرجعون ذلك إلى عوامل متباينة، ومن تلك الأمثال قولهم “الصيف ضيعت اللبن”.

الأمثال لا تُغيَّر

هذه قاعدة مبعثها متشابك، منها أن الأمثال لا تكون أمثالًا إلا إذا سارت في الناس وذاعت، وتناقلتها الذاكرة الجمعية كما سمعتها، كما لم تستسغ العرب تعديل المثل لنفاسته وفرادته، إذ إن أي تغيير فيه يُفقده كثيرًا من قيمته الأدبية واللغوية والتاريخية، وفي ذلك يقول الزمخشري “ولم يضربوا مثلًا، ولا رأوه أهلًا للتسيير، ولا جديرًا بالتداول والقبول إلا قولًا فيه غرابة من بعض الوجوه، ومن ثم حوفظ عليه وحُمي من التغيير”، ونقل السيوطي عن ابن دريد وابن خالويه قولهما “هكذا جاء الكلام وإن كان ملحونًا؛ لأن العرب تُجري الأمثال على ما جاءت ولا تستعمل فيها الإعراب”.

وفي سياق القاعدة نفسها، يقول المرزوقي “من شرط المثل ألا يغير عما يقع في الأصل عليه، ألا ترى أن قولهم (أعطِ القوسَ باريْها) تُسكَّن ياؤه، وإن كان التحريك الأصل؛ لوقوع المثل في الأصل على ذلك”، وقال أبو العلاء المعري “وكذلك تجري أمثال العرب، يكنون فيها بالاسم عن جميع الأسماء، فيقولون للرجل (الصَّيفَ ضيَّعْتِ اللبن)؛ فإذا قيلت للرجل فالمراد أنت عندي بمنزلة التي قيل لها هذا”.

الصيف ضيَّعْت اللبن

لنفهم سياقات المثل وملابسات مورده، يتعين علينا التعريج على طرف من القصة الأولى لميلاده، ولنبدأ من رائد تدوين الأمثال في العالم العربي، المفضَّل بن محمد الضبي (ت 168هـ)، ويسوق لنا ما مفاده أن عمرو بن عمرو بن عُدُس (ويقال ابن عُدَس) التميمي، كان رجلًا شريفًا من أغنى أغنياء قومه، يضارع عمنا جيف بيزوس، وكأي رجلٍّ كان يحب النساء، وتزوج ابنه عم أبيه واسمها دختنوس بنت لقيط بن زرارة.

واجهت دختنوس معضلة وجودية، المال أم الإقبال على الحياة؟ لم تتحمل أن تبقى في ظل رجل كبير السن، ففركت (كرهت) الحياة مع زوجها وطالبته بالطلاق -وربما هددته بالخُلع- فطلقها وتزوجت ابن عمها عميرة بن سعيد بن زرارة، وكان شابًا وسيمًا لكنه فقير، بل “فقير قوي”.

وتمضي الأيام، وينهش الجوع أمعاء دختنوس، وفي بعض المساءات تمر بخيمتها إبلُ طليقها المسن، وكانت الإبل كأنها الليل لكثرتها، فأرسلت جاريتها تطلب منه لبنًا، فلما أخبرته الجارية قال “الصيف ضيعت اللبن”؛ فأرسلها مثلًا، وعادت الفتاة أدراجها، وقصَّت على سيدتها ما وقع بتمامه وكانت دختنوس تجلس إلى جوار بعلها وابن عمها؛ فضربت على كتفه وقالت “هذا ومذقةٌ خير”؛ فأرسلتها مثلًا.

والمذقة في اللغة الشربة من اللبن المخلوط بالكثير من الماء، وقصدت أن الزوج الجديد مع فاقته وهزال حاله خيرٌ من الأول، وقولها يُضرب مثلًا لمن قنع باليسير إذا لم يجد الخطير، وقريبٌ من هذا المعنى قول امرئ القيس (وقد طوَّفتُ في الآفاقِ حتَّى/ رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ).

هذه مجمل القصة التي أوردها المفضل الضبي، وهي مورد مثلنا، لكن الأمر يحتاج إلى تفصيل، إذ تبرز أسئلة: لماذا اختار الصيفَ على وجه التحديد؟ وما وجه الاختلاف في ضيعت؟ وهل ثمة روايات مغايرة لما ذكره الضبي؟ وإذا لم يكن في هذا المثل تشبيه؛ فعلام قام التمثُّل به في عالم الأمثال؟ ومتى يُتمثَّل به؟ وما أشباهه في العالم العربي اليوم؟

قال أهل اللغة إن ابن عدس اختص الصيف لأن دختنوس طلبت الطلاق منه في الصيف، وألحت عليه حتى طلقها فيه، فهو بذلك يقول لها يوم طلبتي الطلاقَ أضعتِ اللبن. في “الزاهر في معاني كلمات الناس”، قال أبو بكر بن الأنباري (ت 328هـ) إنه ذكر الصيفَ لأن فيه تكثُر الألبان، وهو يُضربُ للرجل يتركُ الشيء وهو ممكن، ويطلبه وهو متعذِّر، ويريد لقد طلبتِ الشيء في غير وقته.

وهنا يلاحظ أن حديثه لامرأة (دختنوس)، ومن ثم جاء الخطاب للمؤنث وبه يقال المثل حتى وإن خوطب به المذكر أو المؤنث أو المثنى أو الجمع، لا فرق في ذلك، إذ الاحتكام إلى مورد المثل.

وهذه الخصوصية معروفة في الأمثال، ومنها قولهم “ماذا وراءكِ يا عصام” (بكسر الكاف)، مهما اختلف المخاطَب، وقولهم “أَطِرِّي فإنَّكِ ناعلة”، وقولهم “أَطْرِقْ كَرَا”، وكذلك في مثلهم “أصبحَ نومانُ”. يفسر أبو هلال العسكري ذلك بقوله “ويقولون الأمثال تُحكى، يعنون بذلك أنها تُضرب على ما جاء عن العرب، ولا تُغيَّرُ صيغتها؛ فتقول الصيفَ ضيَّعْتِ اللبن؛ فتكسِرُ التاء لأنها حكاية”.

وقال غيره إن المثل يشتمل على استعارة، ولذلك لا تُغيَّر الأمثال بل تُروى على حالها من دون تبديل؛ لأن الاستعارة يجب أن تكون لفظَ المشبَه به المستعمل في المشبَّه، فلو غُيِّر المثلُ لَمَا كان لفظ المشبه به بعينه، ومن ثم لا تكون الاستعارة، وعليه لا يكون مثلًا.

وفق ما سبق، لا يُلتفت في الأمثال إلى مضاربها تذكيرًا وتأنيثًا وإفرادًا وتثنيةً وجمعًا، بل يُنظر إلى مواردها، والاستعارة في مثلنا هذا تمثيلية، ويراد بالاستعارة التمثيلية التركيب الذي يستعمل في غير ما وضِع له، وذلك تأسيسًا على علاقة المشابهة بين المورد والمضرب، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي؛ فكلُّ من طلب شيئًا ضيَّعه قبل ذلك يُتمثَّلُ فيه بقولهم “الصيفَ ضَيَّعْتِ اللبن”.

غلاف كتاب “المحاسن والأضداد” لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (مواقع التواصل)

رواية أخرى

ينقل لنا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255هـ) في كتابه “المحاسن والأضداد” موردًا آخر لهذا المثل، يختلف في ملابساته وصيغته كذلك عما وصلنا عن المفضل الضبي، إذ يقول “أول من قال في الصيف ضيعت اللبن هو قتول بنت عبد، وكانت تحت رجل من قومها فطلقها، إنها رغبت في أن يراجعها -وكانت تحبه- فأبى عليها، فلما غسلت منه يديها خطبها رجل يقال له عامر بن شوذب فتزوجها، فلما بنى بها، بدا للزوج الأول مراجعتها، وهوى بها هوى شديدًا؛ فجاء يطلبها ويرنو بنظره إليها، ففطنت به وقالت (أتركتني حتى عُلِّقْتَ أبيضَ كالشَّطَنْ/أنشأتَ تطلُبُ وصلنا.. في الصيفِ ضيعتَ اللبن).

وأطال الجاحظ النفس في القصة وذكرها بتمامها، لكن ما يعنينا منها هو ما وقفنا عنده الآن، ولنا فيه جملة استنتاجات، أولها أن الجاحظ يقول إن أول من ذكر المثل أنثى (قتول بنت عبد)، وهي تخاطب به رجلًا (طليقها)، ومن ثم فكلمة ضيَّعت مفتوحة التاء، وليست مكسورة التاء، على خلاف ما هو شائع ذائع في كتب اللغة والأدب.

والاستنتاج الثاني من قصة الجاحظ دخول حرف الجر (في) على مادة المثل، وهو لم يرد في الرواية الأولى؛ ففي الرواية الأولى تأتي كلمة الصيف منصوبة على الظرفية (ظرف زمان)، بينما هنا تأتي مجرورة/ مخفوضة بعد حرف الجر/الخفض في، ما يعني أن المثل فيه تباين في مورده.

والاستنتاج الثالث أن كلمة ضيعت وردت بكسر التاء، إلا أن الجاحظ ساقها على لسان المفرد المؤنث تخاطب به المفرد المذكر، فكان أن فُتحت التاء على غير ما هو مشهور بين الناس؛ فصارت (ضيعتَ)، وهو تبكيتٌ منها لما كان منه.

ومن بعد صاحب “البخلاء”، يطل علينا أبو بكر بن الدينوري (ت 333هـ) في كتابه “المجالسة وجواهر العلم” بمورد آخر للمثل ذاته، ويختلف أيضًا في ملابساته وصيغته كذلك عما وصلنا عن المفضل الضبي، إذ يقول الدينوري نقلًا عن الأصمعي (ت 216هـ) والذي سمع المفضَّل الضبي -سنحتاج لهذه الجزئية بعد قليل- وقد سأله جعفر بن سليمان عن قول الناس [في الصيفِ ضيعتِ اللبن]؛ فأجاب الضبي إن صاحب هذا الكلام عمرو بن عمرو التميمي، ثم ساق القصة باختلافات يسيرة.

غلاف كتاب المجالسة وجواهر العلم لأبي بكر الدينوري (مواقع التواصل)

رواية ثالثة

في القاموس المحيط، يبسط الفيروزآبادي (ت 817هـ) قصة تختلف عن قصتي المفضل الضبي والجاحظ، فيقول إن الأسود بن هُرْمُزَ طلَّق امرأته العَنودَ الشَّنيئة -وكانت دميمة الخِلقة- رغبةً عنها إلى جميلة من قومه، ثم جرى بينهما ما أدى إلى المفارقة؛ فتتبَّعت نفسه العنود، فراسلها فأجابته (أتركتني حتى عُلِّقْتَ أبيضَ كالشَّطَنْ/ أنشأتَ تطلبُ وصلنا.. في الصيفِ ضيعتَ اللبن)، ثم قال الفيروزآبادي “وعلى هذا، التاءُ مفتوحة”.

وفي مفترق الطرق بين الروايات الثلاث، يرفع عبد الكريم السمعاني عقيرته في “الأنساب” بقصة ثالثة، لا يمكن الاعتداد بها موردًا للمثل، لكنها في سياق توظيفه والاستشهاد به، وفيها أن يحيى بن معين قال أتيت محمد بن عبيد الطنافسي -حين قدِم بغداد- وكنتُ قد أبطأتُ عنه حتى انتشر أمره وجلس إليه الناس يأخذون عنه؛ فلما أتيتُه وقد كان الناس كثروا قال لي (خَلَّفْتَني حتى إذا عُلِّقْتَ أبيضَ كالشَّطَن/ أنشأتَ تطلُبُ وصلنا.. في الصيفِ ضيعتَ اللبن)، وهذا نص ما أورده الجاحظ منسوبًا إلى قتول بنت عبد، وعند ابن الأنباري “وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفرَّاء قال (الصيف ضيعتَ اللبن) بفتح التاء”.

وفي سِفره “إكمال تهذيب الكمال”، يسوق علاء الدين مغلطاي القصة التي جاء بها السمعاني مع اختلافات أهمها أنه لم يذكر كلمة ضيعت (بالعين)، وإنما قال ضيحت (بالحاء المهملة)، ولربما توهمنا أنه تصحيف، غير أن يحيى يقول “في الصيفِ ضيحت اللبن”، وهو الصواب. لم يذكر الأغلب الأعم من أهل اللغة الفعل ضيَّحت في هذا المثل، وهو من الضياح أي اللبن الخاثر، ولكن الخفاجي يرجِّح أن الفعل ضيعت وليس ضيحت.

دخول حرف الجر

نفيد من رواية الأصمعي عن المفضَّل الضبي أنه سمع مشافهةً من المفضل الضبي، والمفضل رأسٌ في هذا العلم، إذ إنه أول من جمع الأمثال في كتابٍ بتكليف من معاوية بن أبي سفيان، وكلامه حجة على من بعده لأنه متقدِّم على كل من ألَّف وصنَّف في الأمثال، وكلهم عيالٌ عليه. ونظرًا لأن المفضل ساق المثل في كتابه منزوع حرف الجر، في حين نقله عنه الأصمعي مُثبتًا بحرف الجر، فلربما نسي الأصمعي أو التبس عليه، أو توهَّم ذلك.

في “تصحيح الفصيح وشرحه”، يقول ابن درستويه (ت 347هـ) تعليقًا على دخول حرف الجر على هذا المثل “الصيف منصوبٌ على الظرفية، واللبن منصوبٌ على المفعولية بالفعل ضيعتِ، والعامة تقول [في الصيفِ ضيعتِ اللبن]، وهو خطأ”.

عند ابن السكيت (ت 244هـ) في “إصلاح المنطق”، وابن جني (ت 392هـ) في “الخصائص”، وابن منظور (ت 711هـ) في “لسان العرب” يأتي المثل بكسر تاء الفعل، بينما عند الصاحب بن عباد (ت 385هـ) في “المحيط في اللغة”، وأبي الفرج بن الجوزي (ت 597هـ) في “اللطائف” يأتي المثل مسبوقًا بحرف الجر، في حين اختار الشهاب الخفاجي التيسير على نفسه وعلى الناس، إذ يقول في “حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي”: فتدبَّر قولَه الصيفَ ضيَّعت اللبن، وفي نسخة (في الصيف)، وهو روايةٌ في هذا المثل، وأصله كما في شرح الفصيح.

واتفق أحمد بن عمر الحازمي (معاصر) مع الخفاجي في هذه اللطيفة، فقال في كتابه “شرح الجوهر المكنون في صدف الثلاثة الفنون”، تعليقًا على مثلنا هذا (يقال للرجل الطالب شيئًا ضيَّعه قبل ذلك: الصيفَ ضيَّعت اللبن، أو في الصيف كما في بعض الروايات).

أمثال قريبة من “الصيفَ ضيَّعتِ اللبن”

في تبكيت المرء لسوء صنيعه يُتمثَّل بقول تأبَّط شرًا “لتقرعن عليَّ السِّن من ندم/ إذا تذكرت يومًا بعضَ أخلاقي”، وعندما يندم المرء على ما ضيَّع يقال له “تطلب أثرًا بعد عين”، وفي الأمثال العامية يقال في مصر “العايط في الفايت نقصان في العقل”، وفي العراق يقولون “شيفيد الندم بعد خراب البصرة”، والقائمة تطول.



حول هذه القصة

تمضي الأيام متشابهات في كرّها وفرّها، نقابل وجوهًا ثم تتباعد الدروب، وقد تجمعنا الصدف -ويا عيني ع الصدف يا عيني- فتحملنا على جناحها، وتطوف بنا في فضاءاتها، نتنشّق عبير الأيام الخوالي وندوزن عليها.

ثمة عوامل مشتركة بين الاختلاق والفبركة تلمسها في قطاعات مختلفة، والتركيز عليها يكشف مفارقات كثيرة، في حين ينجم عن التغاضي أن يتصدر المشهد أشباه مهنيين بينما ينزوي الأكفاء وأهل الخبرة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة