الهوية الوطنية وتحديات الاعلام الرقمي

في زمنٍ بَسَطت العولمة فيه هيمنتها على العالم، وأخذت فيه تنخر عباب حياة الأمم والشعوب، تزاحمُ الثقافات الوطنية والمحلية، وتفرضُ منطقها عنوةً وطواعيةً> أصبح موضوع الهوية الوطنية يُطرح بجديةٍ، كونهُ موضوعا يمس كيان الأمة وتاريخها، ويُهدد حاضرها ومستقبلها.

إن العولمة وما أفرزتهُ من ثورة إعلامية ورقمية قد جعلت العالم قرية صغيرة، وألغت كل المفاهيم التقليدية للحدود بين البلدان، إلا أنها وفي الوقت ذاته ساهمت في إحكام قبضة الدول العظمى المُنتجة على الدول النامية المستهلكة، فاستطاعت بث مضامينها وقيمها في ثقافة تلك الدول المغلوب على أمرها.

بدوره، تأثر الإعلام بالثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال الرقمي

لا شك في أن الانفتاح على العالم باتَ إجراء حضاري وضرورةٌ عصرية، كما أن التفاعل مع الآخر ومواكبة التطور التكنولوجي والمعلوماتي أمرٌ لا مفر منهُ، وأن الانغلاق ليس إلا حُكماً بالعُزلة واغلاق الأبواب أمام الازدهار والتنمية، لكن هذا، من جهةٍ أخرى، لا يعني بالضرورة الانسلاخ عن الهوية الوطنية، فتصبح الأمة بلا هوية وبلا كيانٍ يجمعها ويوحد بنيانها وخصوصيتها وثقافتها وعاداتها.

وإذا ذكرنا الهوية الوطنية، كان لِزاماً علينا التطرق إلى الإعلام باعتباره المنظومة التي تضطلع بمهمة حفظ وتأريخ ونقل الهوية من جيلٍ إلى آخر. وبالتالي، فإذا كان الإعلام ينهل من معين الهوية الوطنية، فإن مخرجاته سيكون لها تأثير كبير في تعزيز الهوية الوطنية وتنميتها في خِضم ما نشهده من تحولات وتغييرات عالمية.

أما إذا كان مجرد إعلام مُستهلك لا ينتج شيئاً، فإنه بدلاً من تعزيزه للهوية الوطنية سيتنصل من مكونات الهوية الوطنية، ولن يتوانى في أن يُغذي وأن يُرسّخ قيماً وأفكاراً وأخلاقياتٍ تتنافى وكل ما هو وطني.

بدوره، تأثر الإعلام بالثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال الرقمي، حيث ساهمت الأخيرة في خلق وسائل إعلام جديدة، أصبحت في متناول عدد كبير من الجمهور، كالصحافة الالكترونية والبريد الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي والمدونات وغيرها.

إن من أبرز الجوانب التي يؤثر فيها الإعلامي الرقمي هي الانتماء واللغة والدين والأخلاق

فهذه “النوافذ” المُسماة الاعلام الجديد أصبح لها دورٌ وتأثير كبيران في تكوين الاتجاهات والمواقف باعتبارها الطريق إلى المعرفة، والأداة الفاعلة في التنمية وتغيير الوعي.

إذ يجب على الإعلام الرقمي أن يحمل على عاتقهِ مسئولية تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخها في نفوس أبناء الوطن. فهذا واجبٌ وطني على وسائل الإعلام، خصوصاً في ظل التطورات في ميدان الثورة المعلوماتية والإعلامية.

إن من أبرز الجوانب التي يؤثر فيها الإعلامي الرقمي هي الانتماء واللغة والدين والأخلاق.

الانتماء: قضت وسائل الاعلام الرقمي شيئاً فشيئاً على الانتماء للمكان، الذي يرمز الى الوطن، نظراً لأن الفرد أصبح ينتمي إلى مجتمع عالمي، يظله سقف العولمة.

اللغة: جزء من نسيج الوطن، تحمل سمات المجتمع الثقافية، وتعتبر أحد مكونات الهوية الثقافية. وفي ظل العولمة، تأثرت اللغة العربية وتراجعت بشكل ملحوظ، فصناعة المحتوى باللغة الإنجليزية هيمنت واستفحلت، وهذا يعني فرض أنماط وأساليب “لا عربية” من التفكير والسلوك.

الدين: فالاعتقاد الديني هو الأساس الذي تقوم عليه الثقافات. وقد أثرت وسائل الاعلام الرقمي على الدين في إطار الغزو الثقافي للمجتمعات. حيث ساهمت في تعزيز النزعة المادية على حساب النزعة الروحية، وتقديم رموز دينية مشوهة، في محاولةٍ لنزع الدين من لبه ومضمونه.

الأخلاق: فسوء استخدام محتوى الاعلام الرقمي، يؤدي مع التكرار إلى إضعاف مَلَكة الحياء حتى تحكم على القيم الأخلاقية بالفناء.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة