مدونات

ستُبدي لك الأيامُ (1)

تمضي الأيام متشابهات في كرّها وفرّها، نقابل وجوهًا ثم تتباعد الدروب، وقد تجمعنا الصدف -ويا عيني ع الصدف يا عيني- فتحملنا على جناحها، وتطوف بنا في فضاءاتها، نتنشّق عبير الأيام الخوالي وندوزن على أوتار الأماني العِذاب.

قبل أيام، طرق أحدهم -وله في قلبي جلالٌ لا مثيل له- بابي، والحق أقول “أنا من سنين لم أره/ لكنَّ شيئًا ظل في قلبي زمانًا يذكره”، وتشعّب الحديث وامتدت حباله، تصدّع قلبي لآلام صاحبي، وانتفض انتفاضة عصفور بلّله المطر، وابتسم صاحبي قبل أن يتركني، وقد أعادني لُقياه إلى مراتع الصبا وأحلام الطفولة.

تسربلت بعباءة قيل إنها كانت لصديقي الجاهلي طرفة بن العبد البكري الجاهلي، والمتوفى عن ستةٍ وعشرين ربيعًا، مضيت تحت جناح الليل أجتر الذكريات، وكان بديهيًّا أن أطوف في رحاب البكري، لا سيّما في معلقته -من بحر الطويل- التي مطلعها (لخولةَ أطلالٌ ببرقةِ ثمهدِ/ تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ)، لم يكن وحده حينها، كانت خولة تملك عليه شغاف قلبه، حتى وإن حالت بينهما السّبل 16 سنة أو يزيد.

وفي رحلته، ربما كان معه بعض أصحابه فخاطبهم (وقوفًا بها صحبي على مَطيِّهم/ يقولون لا تَهْلَك أسًى وتجلَّدِ)، وربما كان وحده يتمنى في نفسه الأماني، ويتخيّل أنه يشكو لأصفيائه هجر أحبائه، أو أتعبه كتمان هوى فباح بشيء من سره، ولا بدّ للمصدور أن ينفث. كاد يُطلق العنان للسانه، غير أنه وجد لرحيق حبّه عبيرًا أقوى وأطول أمدًا إن كتمه بين جوانحه، وراقه أن يتعذب في هواها دون أن يبوح، أن يغلي في الدواخل ألف بركان وهو يتصنّع الهدوء ولا جراح بريطاني!

وبينما صاحبي الجاهلي على حالته تلك، قلّبتُ الأمور في عقلي ظهرًا لبطن، وأثارت نشوة لقاء صاحبي فضولي تجاه البكري، ماذا فعل الله بخولة؟ وماذا فعل الله بك يا طَرَفَة حين تُهت في بُنيات الطريق؟ ليتك قبِلت نصيحة خالك المتلمّس، ولم تركب دماغك يا صديقي وتلقي بنفسك إلى التهلكة، لكن -وقد سبق السيف العذل- فما نفع ليت؟!

وسرت في أوصالي رِعدةٌ وأنا أسمع من اللامكان من يقول (ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلًا/ ويأتيك بالأخبارِ من لم تزوّد/ ويأتيك بالأخبارِ من لم تبع له/ بتاتًا ولم تضرب له وقتَ موعد)، وبعد توثُّق من الصوت وصاحبه، إذا هو ابن البكري، وقد نفض عنه غبار السنين وأخرجته ذكرى خولة من سباته الطويل.

قلت: يا صديقي البكري! قال: اسمي طرفة وافتح فاك في الأحرف الأولى (طَرَفَة)، اسمي أحبّ إلي مما سواه، ثم أطرق قليلًا ورفع رأسه مستدركًا، هذا طبعًا في المنزلة الثانية بعد خولة، ثم تنهّد تنهيدةً طويلة كادت تعيده قبره، وقال وهو يهزّ رأسه وقد ارتخت عيناه: سقى الله أرضك يا خولة! قلت له: هل سألت عنها؟ هل بحثت عن حسابها في فيسبوك؟ ربما هي من عِلية القوم فتفضل تويتر وانستغرام وسناب شات؟

أمسك عصًا وخطّ في الأرض رسمًا لم أتبين مغزاه، فسألته كيف اهتديت إلى البيتين البديعين يا طرفة؟ قال: التجارب تصنع العجائب، لم أتصوّر يومها أن هذه القصيدة ستخلد اسمي في العالمين، وأنها ستضعني في مصاف شعراء العربية، وصمت هنيهة قبل أن يسألني: ماذا قيل في هذين البيتين من بعدي؟ قبل أن أنطق ببنت شفة، ابتدرني بقوله: أعلم أن الأيام ستُطلعني على ما أغفل عنه، وسينقلُ إليَّ وإليك الأخبار من لم نزوّده بها، ومع ذلك فقد خلِق الإنسان عجولا، ولا بأس أن تهديني لما ضللت عنه.

قلت: أبشرك يا طرفة! سار بيتك مسير المثل السائر، حتى قيل إن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تمثّل به؛ فقاطعني متلهِّفًا مستقصيًّا عن تفاصيل هذه المكرُمة، ونقلت له ما أورده البغوي في تفسيره، والنحاس في معاني القرآن للنحاس (في تفسيرهما لسورة يس)، وكذلك السمعاني في تفسيره، ونقلت له ما أورده السيوطي في شواهد المغني، وكلها تتعلق بعجز بيته السيّار (ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد).

وقال طرفة: دع عنك الجملة وأتحفني بالتفاصيل! قلت: نقل لنا الرواة عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها سُئِلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثّل بالشعر؟ قالت لا، إلا قول طرفة (ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد)، وأخبرته أن البغوي والنحاس والسمعاني ساقوا الكلام بتمامه، في حين اقتضبه السيوطي؛ فقال لي: اعطني خبر البغوي بحذافيره.

ونزولًا على رغبته فعلت، إذ قال البغوي “وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان النبي يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه، ولم يتمثّل بشيءٍ من الشعر إلا ببيت أخي بَني قيسٍ طَرَفَة (ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا/ ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد)؛ فجعل يقول (ويأتيك من لم تزود بالأخبار)؛ فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس هكذا يا رسول الله؛ فقال “إني لست بشاعرٍ ولا ينبغي لي”.

استبد بالجاهلي الطرب، وقال ثمة جماعةٌ يقال لهم أهل البيان والبديع؛ فهل تعرضوا لهذا البيت بشيء من الدراسة والتحليل؟ أدري أنهم قتلوا معلقتي بحثًا وفحصًا ودرسًا، لكن يعنيني هذا البيت بالدرجة الأولى، إذ -وسأكشف لك سرًا وخذه خبرًا عاجلًا إن شئت- قلتُه وقد ترحّلت خولة عن الديار، وكنت عائدًا من الدوام تعبًا وغلبني النوم، ولعلني نمت طويلًا مثلما فعل كاظم الساهر ساعة قال (وصحيت من نومتي وأنت في بلد ثانٍ).

تذكرت لحظتها صاحبي وحديثه عن غمازات محبوبته، وحيائها اللافت ووجهها الطفولي، وابتسمت وطرفة يستحثني القول، وأنا أستمهله وأعصر ذاكرتي علّها تسعفني بشيء يجبر خاطره ويطيل بشاشة وجهه. وددت لو حدثته عن ألوان البيان والبديع، لكنه استوقفني وأبدى اعتراضه على مناهج الاستطراد، يروقه القصد والاعتدال والمباشرة دون اللف والدوران، وبدا له أنني لم أفهم سؤاله فأعاده بعصبية، وشفعه بسؤال آخر: أعندك جواب سؤالي؟

قلت: لا تغضب يا فنان! إن من تقسيمات البلاغة الإيجاز والمساواة والإطناب، وحتى لا أتشعب بك في متاهات تلك التصنيفات؛ فإنهم قد استحسنوا بيتك أيما استحسان، وضمّنوه في قائمة المساواة، هي عندهم واسطة العقد بين الإيجاز والإطناب، والمراد بها أن تكون الألفاظ على قدر المعاني، وألا يستغني الكلام فيها عن لفظ منه، ولو حُذفَ منه شيءٌ لأخل المعنى.

المساواة في هذه الحالة -يا عمنا طرفة- هي الأصل المقيس عليه، وهي فنٌ من القول عزيز المنال، لا يبلغه أي أحد مهما أوتي من مقومات الكتابة، شيء يجعلهم يسألونك سؤال الأستاذة نجاة الصغيرة (من أين تأتي بالفصاحة كلها/ وأنا يتوه على فمي التعبير)؛ فضحك سيدنا طرفة حتى بدت نواجذه.

ولأدخِل السرور عليه أكثر، قلت إنهم قد استدلوا ببيتك ذائع الصيت (ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا/ ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد) على المساواة، مثلما استدلوا عليها بقول ربنا تبارك اسمه “وما تقدّموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله”، وقوله تعالى “كلُّ امرئٍ بما كسب رهين”، وكذلك قوله عز شأنه “من كفر فعليه كفره”، فضلًا عن قول المصطفى “إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلّ امرئٍ ما نوى”.

ولمّا رأيت على وجهه علائم الاهتمام، أحببت أن أزيده فتابعت: وقال بعضهم (أقصد البلاغيين، وهو يفهم مقصدي) في الشطر الأول إيجاز يقال له (إيجاز القصر)، وهو من أساليب البلاغة، وتقديره ما كنت جاهلًا به؛ فحُذف الجار والمجرور (به).

تهلّل وجه البكري، وهمّ يقبّل رأس العبد -الشبراوي لا الحلواني- وكأنما رددت عليه ضالته، وسألني: فما بال أقوامٍ يجمعونني والحطيئة في سلة واحدة؟ ومن هذا الحطيئة بالأساس؟ قلت سأوافيك بخبره وقصته معك في الجزء الموالي.



حول هذه القصة

أخرج صديقي الصحفي ربيع الشيخ هاتفه بفخر لا مثيل له، وقال سأريك صورةً وقل لي رأيك! قلت: هات! وصاحبي هذا له ذوقٌ في انتقاء الصور، يجعلك تتمنى في نفسك الأمنيّات، ترجو أن تتحول الصور إلى واقع.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة