من أمثالهم.. يا بخت من بكاني!

بين البكاء والفرح فلسفة لها أبعاد شتى (غيتي)
بين البكاء والفرح فلسفة لها أبعاد شتى (غيتي)

في تداول الثقافة الشعبية خيط تماسٍ مع العربية الفصيحة، وعقول النَّاسِ على قدر زمانهم، فما نستعمله اليوم في كثيرٍ من أقوالنا واستشهاداتنا التراثية له أصل عند القدماء. من بيننا من يعرف ذلك سليقةً، ومنَّا من يعرفه علمًا ودراسةً، وثمة أقوامٌ يعرفونه دون أن ينشغلوا بهذا الرابط ومتانته.

في الأمثال المصرية الشعبية نقول “يا بخت من بكاني وبكى عليَّ، ولا ضحّكني وضحّك النَّاس عليَّ”، والمراد به أن الناصح لن يجامل أو يداهن، ربما يأتي كلامه على الوجع، ويمر بمبضع جراحٍ في أماكن من الذاكرة والمشاعر تؤذينا على المدى القصير، لكنها على المدى البعيد تُذهب غيظَ قلوبنا، أو تؤلمنا طويلًا لكنها تخفّف من آلام النفس وعذابات الضمير.

وهذا المثل الشعبي له في كلام العرب مرتكز ومرجع، إذ إنَّني لقيت صديقي الجاهلي عبيد بن شَريَّة فأخبرني أن لمورد هذا المثل قصةً في الأقدمين، وذلك أنَّ فتاةً من العرب كانت لها عمات وخالات؛ فكانت إذا زارت عماتها ألهيْنَها، وإذا زارت خالاتها أبكيْنها؛ فقالت لأبيها يومًا: يا أبتِ! إن عماتي يُلهينني، وإن خالاتي يبكينني إذا زرتهن؛ فقال أبوها: يا بنيّتي! (أمرَ مُبكياتِكِ لا أمرَ مُضحِكَاتِكِ)؛ فأرسلها مثلًا.

أراد أبوها بذلك أطيعي أمرَ مُبكياتِكِ ولا تطيعي أمرَ مُضحِكَاتِكِ، وليس المراد هنا التفريق بين العمات والخالات؛ ففي كلٍّ خير وبركة، وإنما مدار الأمر على من ينصح ولا يماري، ويصرِّح ولا يُجَمْجِم، ومن أراد لك الخير نصحك وإن لم يصحبْك، ولربما صحِبَك من لم ينصحْك.

ويبدو أن صاحب (فصل المقال في شرح كتاب الأمثال) -صديقنا أبو عبيد البكري- أراد أن يفض الاشتباك بين العمات والخالات، فاختار لنا قصة موازية نقلها عن المفضل الضبي، ومؤداها أن تلك الفتاة كانت لها عماتٌ يؤدبنها وخالاتٌ يدلعنها؛ فقال “إن خالاتها كنّ يُلهينها ويُضحكنها، وعماتِها يؤدبنها”، وبذلك أحدث البكري نوعًا من التعادل في مسألة ترجيح العمات على الخالات والعكس، وهم إن اختلفوا في مورد المثل، فالاتفاق بينهم جاء في مضربه، ويكون لاتباع أمر مَن يخوفِك عاقبة أمرك لتتيقَّظ فتنجو ولا تتمادى فتتورّط وتسقط.

وقريب من ذلك قول الحسن البصري “إنَّ من يُخوِّفك حتى تلقى الأمنَ أشفقُ عليك ممن يؤمنك حتى تلقى الخوف”، ويرفع هؤلاء شعار الحيطة والحذر، واختلف الناس في مسألة التخويف بين الناصح المشفق والمحب والمهادن “المِهاوِد”، فقد تتقبّل فكرة التخويف وتأخذها على محمل التماس السلامة، وقد تنظر إلى الناصح على أنه “زي الشريك المخالف”، لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، وقد تتأفّف من عتابه وتقريعه، وتتناسى أن وراء هذا العتاب إشفاق وإخلاص، رافعًا شعار “أكثرُ الخوفِ باطِلُه”، متمثِّلًا قول الأول (تُخوِّفُني صروف الدَّهرِ سلمى/ وكم من خائِفٍ ما لا يكون)، والصَّرفان -مثل الجديدان- من أسماء الليل والنهار، وصروف الدهر تصاريفه وهي نوائبه ومصائبه، (وإنَّك يا زمانُ لذو صروفٍ/ وإنَّك يا زمانُ لذو انقلاب)، ولغيره (قل للذي بصروفِ الدّهر عيّرنا/ هل حارب الدّهرُ إلا من له خطر؟).

يضعنا هذا المثل أمام مفترق طرق، هل نقبل قول المنفتحين على مباهج الحياة؟ ماذا عن الحذر؟ ماذا لو أن الصراع بين الإقبال والإدبار تولّدا في النفس؟ كيف نتعامل مع مغالطة النفس؟ سؤال شائك فهذا لبيد بن ربيعة العامري ينصحنا بتكذيب النفس، وهو منطق تخيل نفسك في حالٍ أفضل مهما كانت العقبات من حولك، إنه قانون الجذب الذي يُروّج له كثيرون، فيرفع العامري عقيرته (أكْذِبِ النَّفس إذا حدثتَها/ إنَّ صدقَ النفس يُزري بالأمل).

وتأسيسًا على هذه الوصية، لن نسمع لحديث النفس والتردد الداخلي، سننطلق في فضاءات الحياة باحثين عن فرصٍ جديدة، سنمضي رافعين شعار الكُميت بن زيد (وإن حدثتك النَّفسُ أنك قادرٌ/ على ما حوت أيدي الرِّجالِ فجرِّبِ)، لكن خالد بن صفوان يردنا إلى تكذيب النفس تارة أخرى، إذ سمع أحدَهم يومًا يُنشد هذا البيت؛ فغرَّد معلِّقًا “لا والله! ولكن فكذِّبِ”، لعلّ تعليق ابن صفوان مقترن ببخله، لا سيّما وأنه معدودٌ في بخلاء العرب الأربعة، وربما يكون ذلك لحاجة في نفسه أو لمنطق لم يسعفنا ببسطه وعرضه.

في الدائرة ذاتها، قد يطربنا -كذلك- قول عروة بن الورد (خاطر بنفسِك كي تصيب غنيمةً/ إن الجلوسَ مع العيالِ قبيحُ)، وقول الآخر (خاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةٍ/ فليس حرٌّ على عجزٍ بمعذور)، وما دام في الأمر مخاطرة فهي تحتمل أن يختلف النَّاس -لا العمات والخالات فحسب- في شأنها، منهم من يحذِّر ويشجب ويدين التهور، ومنهم من يبارك الطموح والهمة العالية.

وإن استقر الحال على تكذيب النفس وعصيان العمات أو الخالات، والتسليم بقبول التحدي وتقحُّم المجاهيل؛ فأين الحكمة ومشاورة أهل العلم وذوي الاختصاص؟ أليس في الشورى عصمةٌ للمرء من كثرة الوقوع؟ وهل يُعقل أن نُجرِّبَ المُجرَّب؟ أم يجدر بنا أن نصنع لحياتنا وصفةً تجمع بين الحذر والمشورة واستطلاع الآراء وجسّ النبض، من دون أن نجنح بالكليّة إلى جانب من الجوانب؛ فالاعتدال أولى وأسلم، وليس المخاطر بمحمودٍ وإن سلم.

ثمة أسئلةٌ كثيرة تتقافز مع كل نصح أو تحذير، واحتباس أنفاس مع انقباض في الصدر يواكب كل مجازفة، وفي كل مرة لن يعدم المرء خالات وعمات يهلّلن له تشجيعًا وتصفيقًا وربما إغواءً، وفي الوقت نفسه سيسمع من عمات وخالات وآخرين -زرافات ووحدانا- من يوبخه ويشفق عليه، و”إن الشفيقَ بسوء ظنٍ مولعُ”، ومع كل ذلك عليه أن يتخذ خطوة ويطوي أخرى، وألا يكون من فريق محلك سر؛ “فهم في ريبهم يترددون”.



حول هذه القصة

التجديد سنة الحياة، يتعين علينا أن نجدد ما وسعنا التجديد، ليس من باب كسر الروتين ودفع الملل فحسب، وإنما لأن بيننا نماذج حية تستأهل أن تأخذ حظها من الوجود والانتشار، وألا يستأثر القدماء بالجمل وما حمل.

تمضي الأيام متشابهات في كرّها وفرّها، نقابل وجوهًا ثم تتباعد الدروب، وقد تجمعنا الصدف -ويا عيني ع الصدف يا عيني- فتحملنا على جناحها، وتطوف بنا في فضاءاتها، نتنشّق عبير الأيام الخوالي وندوزن عليها.

أخرج صديقي الصحفي ربيع الشيخ هاتفه بفخر لا مثيل له، وقال سأريك صورةً وقل لي رأيك! قلت: هات! وصاحبي هذا له ذوقٌ في انتقاء الصور، يجعلك تتمنى في نفسك الأمنيّات، ترجو أن تتحول الصور إلى واقع.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة