مواعيد سلمان

يملك بعض الناس بسمة صافية، تُنسيك كثيرًا من متاعبك معهم، أرجو أن تؤجل فكرة الغزل من رأسك قليلًا، فلستُ من أنصار “الغزل بالمذكر”، ولأكون أكثر تحديدًا فإنني أخبرك -وليكن هذا سرًا بيني وبينك- عن صديق مقرّب، مواعيده فاقت بل ونسفت مواعيد عُرقوب، واستأهلت بجدارة أن تكون محلها في مضارب الأمثال.

لقيت عُرقوب يومًا في ستاربكس، كان يرتدي أسمالًا غير الموصوف بها في الكتب، ولمّا تعرفت عليه وتحدثت إليه طويلًا، أعرب عن قلقه بصورة فاقت قلق عمنا أنطونيو غوتيرتش، وطفق يلف ويدور ويكلمني عن السعالب (بالسين) والسحالب (من باب المزاوجة)، حتى مررنا إلى مواعيده “الفشنك”؛ فلم يعجبه لحن حديثي، ووضع يده في جنبه ونظر لي شزرًا: أنتَ لا تعرف التجديد؟ تلوك ما يلوكه القدامى من دون أن تضيف إليهم أو تنقِم عليهم؟!

وبينما أبتلع ريقي من الهجمة المرتدة التي شنّها، تابع بسلامته: فيها إيه يعني؟ أنا وعدت أخًا لي أو قريبًا -لا أذكر لقدم العهد بالقصة- ثم نكثت عهدي ولحست كلمتي، وانتهز السانحةَ موتورون مني ناقمون عليّ؛ فعملوها قصة وسِهراية وفيلم ومسلسل تركي أو مكسيكي من 90 جزءًا! كانت نخلتي، وقريبي هذا كان سمجًا -أظنه كذلك ولست متيقِّنًا- وكلما جاءني ارتفع ضغطي واضطرب نبضي، وإنه لأثقل عليّ من نصف الرحى؛ فصرفته غير مشكورٍ ولا مأجور، وكان صديقًا لبعض الصحفيين فكتبوا في ذمي وانتقاصي ما ألصق بي مثلهم إياه “مواعيد عُرقوب”.

وتقمّص دور الخطيب المِصقَع المِصدَع، وسأل بلهجة المستنكر المتغالي: لماذا ركزوا على اسمي دون غيري، في حين استعملوا صيغة التجهيل في رجل أفعاله أقبح بسنوات ضوئية مما بدر عني. ألم يقولوا إن أحدهم وكان من وجوه القوم الميسورين- جاءه مسكين يطلب نذرًا يسيرًا من المال لدفن أخيه؛ فتعلّل رجل الأعمال بأن البنوك قافلة، وماكينات الصرف معطّلة، وقال له بصوت الراحل رأفت فهيم “فوت علينا بكرة يا سيد”، وكل يوم يقول له “إحنا في الخدمة وأي خدمة.. فوت علينا بكرة يا سيد”؛ ألم يكن هذا أولى مني بالشهرة والجماهيرية؟!

وبعدما هدأت ثائرته، قال عُرقوب أفندي: أنصحك أن تخرجني من الملعب، نفسي انقطع، ولم يعد اسمي بياعًا ولا جذابًا، لماذا لا ترحمني أنت وغيرك وتضخ في الملعب دماءً جديدة؟ دماء كده زي ليفاندوفيسكي أو الحسناء لورديانا، أو عندك صديقك اللي بالي بالك، أنا أشهد له بالتفوق عليّ في التسويف والتأجيل، سيكون إضافة لدنيا الأمثال؛ فبدلًا من قولكم مواعيد عرقوب، قولوا (مواعيد سلمان)؛ فتكسبوا مثلًا جديدًا وتدخلوا في عِداد المجدّدين، ويُقترن اسمك بمسلم بن الوليد وبشار بن برد وابن المقفع والجاحظ من المجدّدين المهرة، فلتفعلوها وترحموا أمثالي يرحمكم الله، قالها ثلاثًا ولم ينطق بعدها؛ فقلت لنفسي: والله كلامك وجيه يا أخ عُرقوب!

الممنوع مرغوب، ولذلك ستطيل الإلحاح عليَّ لأخبرك عن صديقي هذا (وليُ عهد عُرقوب وخليفته)، ستفعل ذلك من باب العلم بالشيء أو الفضول أو التطفل، غير أنني لن أبثك شيئًا من أمر هذا الشاب السعيد الفريد، ومهما ضغطت عليّ لن أقول إنه سلمان الشيخ! رجلٌ يقطر لسانه شهدًا، يبيع نفسه نجدة لصاحبه وانتصارًا للمبادئ (بعض المبادئ)، إلا أنه في حالة من الخصومة الشديدة مع عقارب الساعة، لو رآه كعب بن زهير -رضي الله عنه- لضمّنه بيته مكان عُرقوب ولشبَّه به سعاد في بُردته: (كانت مواعيدُ عُرقوبٍ لها مثلًا/ وما مواعيدُها إلا الأباطيلُ).

لا تضبطه -صاحبنا إياه- يومًا متلبِّسًا بالحضور في موعده، يتلذّذ بالتأخر عن مواعيده لذة الشقي بالملايين، يأنف من الوصول مبكرًا أنفة العربي من الفرار يوم الزحف، تأخذ عليه العهود والمواثيق وأيمان الناس من الجاهليين إلى أهل “زواج التجربة”، ومع ذلك يتحلّل منها في غمضة عين، وتتكاثر بين يديه الأعذار تكاثر الظِباء على خِراش.

لكنه -والحق يقال- يحثك على الالتزام بمواعيدك، يقلب عليك الدنيا اتصالات ورسالات لتستيقظ من نومك وتستعيذ من إبليسك وتخرج إلى موعد ما، تتزيّن في دواخلك فكرة أنه أقلع عن خصومته مع عقارب الساعة، وتخرج للموعد المضروب ظنًا منك أنه قد حضر، أو -أضعف الإيمان- على وشك الحضور.

يجلدك اتصالات يبدأ بسؤال وجودي: وينك؟ لحظتها تؤنِّب نفسك، وتود أن تصل إلى المكان المحدد في لمح البصر، إذ لا يصح أن نتأخر عن موعد، لا سيّما إذا ما كان الأمر يتعلق بمهارات التواصل والقيادة. يتصل أخرى، و(أنت وينك؟) ثانية؛ فتندم على خروجك قبل الموعد بساعة، يا ليتني بت البارحة أمام الموقع (اللوكيشن)، إيثارًا للوصول في الوقت المضروب.

في الثالثة قد تسأله: وأين أنت يا سلمان؟ يجيبك: بالفُم المليان (أنا قريب، عجِّل، لا تتأخر)، ويتوثّق من اقتراب وصولك للمكان إياه، ويخدعك حدسك حين تجد المكان بلا سلمان! تتصل عليه وأنت تغلي على مراجل الضيق، وفي الدواخل يغلي ألف بركان، ترى في صوته ابتسامة مشرقة وقلبًا طفوليًّا، وحجة من الحجج التي لا تنضب، فتثور ثورة “بوهاهونو” وتكاد تقذف حممه البركانية، ثم لا شيء و”يرجع أبوك عند أخوك”.

مدرسة في الأعذار، تتنقل بين بساتين أعذاره تنقّل بلدياته عمر بن أبي ربيعة بين الحِسان، وإن كان عمر مضرب الأمثال في الغزل الصريح، فإننا نطالب السادة المسؤولين بتعميم قرار يجعل صاحبنا مضرب الأمثال في التنكيل بالمواعيد، وقد يُسندون إليه مهمة وضع منهج تعليمي مقنّن في تزيين خرق المواعيد وإدماء كبدها -وطحالها إن شئت- بحرفية منقطعة النظير.

تتنوّع أعذاره طرافة ودراما، يذكرك حاله بصديق للموسيقار الروسي تشايكوفسكي، وقد عزما على اللقاء في باريس، قعد عمنا تشايكو في كرسيّه ينتظر صاحبنا إياه، سلمان الفرنسي وليس سلمان الشيخ، وبعد مرور عصور ودهور أقبل بسلامته وهتف وغنى بنشيد! تبرّم تشايكوفسكي وهو يعض على شفتيه ويقرع السن من ندم: دي مواعيد يا حبيبي! بقى ده اسمه كلام يا غالي!

وابتسم سلمان الفرنسي، ومال بجذعه تجاه صاحبه: سامحني تشوكو يا حبيبي، أم العيال حسبي الله عليها، ما تركت لعيني منامًا من تسعين يومًا، وما صدقت أن جاءتها مكالمة هاتفية فغفوت وقلت (تشايكو قلبه لبن)، سيصبر عليّ ويحتسب الأجر.. تشايكو يا تشايكو! أعذرني يا سيدي، أنا آسف يا سيدي.

وبهدوءٍ -لا علاقة له بأي عاصفة- أزاح تشايكوفسكي صينية الشاي من أمامه، ونقر بأصابعه على الطاولة: أنا آسف يا سيدي! أنا آسف يا سيدي! واندمج معه سلمانكو متهلل الوجه مصفّقًا بيديه، وأغمض تشايكو عينيه وهو يلهج بكلمات صاحبه (وا أسفاه يا سيدي)، حتى صنع منها لحنًا موسيقيًّا، وعاش اللحن وعاشت أعذار صاحبي و”مواعيد سلمان”.



حول هذه القصة

تمضي الأيام متشابهات في كرّها وفرّها، نقابل وجوهًا ثم تتباعد الدروب، وقد تجمعنا الصدف -ويا عيني ع الصدف يا عيني- فتحملنا على جناحها، وتطوف بنا في فضاءاتها، نتنشّق عبير الأيام الخوالي وندوزن عليها.

أخرج صديقي الصحفي ربيع الشيخ هاتفه بفخر لا مثيل له، وقال سأريك صورةً وقل لي رأيك! قلت: هات! وصاحبي هذا له ذوقٌ في انتقاء الصور، يجعلك تتمنى في نفسك الأمنيّات، ترجو أن تتحول الصور إلى واقع.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة