أبو تريكة.. والمواقف الذهبية

أبو تريكة

 

يزداد العطرُ الأصليُّ جمالًا ويفوح شذًا كلّما مرّت عليه الأيام، وتعلو قيمة الذهب مهما مرّت عليه السنون،  وتزيد الحكمة كلّما زادت الخبرة، ويحتفظ المعدن الثمين بقيمته مهما انتشرت الأنواع الأخرى. ولعلّ (محمد أبو تريكة) نموذج للإنسان الأصيل وللمعدن النفيس، فهو ماركة مُسجَّلة في ميدان الحق، ونجم لامع في ساحات الإنسانية، يزداد بريقه كلّما مرّت عليه المواقف وتتابعت الأزمات، فقلّما تجد لاعبًا معتزلًا يتمتع بهذه الشعبية بعد اعتزاله بسنوات، فالنجم يأفل والضوء يخفت، لكنّ تريكة له وضع خاص، فنجمه ساطع وضوؤه منير وأثره مستمر.

أمير القلوب

إن أمير القلوب يُجيد إحراز الأهداف خارج المستطيل الأخضر، فهو نجم الفضاء الأزرق هذه الأيام، رغم أنه لم يحصل علي الكرة الذهبية في نسختها الأخيرة كما فعل (ميسي)، ولكنْ لأنه صاحب المواقف الذهبية، انشغل الناس به عن النجوم الحاليّين. فهو دومًا يُعبّر عن مكنون قلوب المصلحين، وهو رأس حربة المُربّين الذين يتوقون إلى تربية جيل مُعتزّ بهُويّته، كما أنه مُتميّز في صناعة الأتعاب، فهو يُقلق بمواقفه مؤسّسات، وينسف بكلماته دعاية وقناعات، إنه يُزعج المُخادعين الذين يحاولون سحب بساط الفضيلة من تحت أرجل أبناء هذا الجيل.

إن تريكة بموقفه الأخير الذي طالب فيه بضرورة التصدّي بحزم لمناصري المثليين الذين ينشرون الرذيلة التي تتنافى مع الإنسانية، يُثبت أنه رجل مواقف يعيش في سبيل فكرة ورسالة. لقد وقف رافعًا راية الحق في ميدان يخلو من المؤثّرين والمشهورين، فالتفَّ حوله كثير من الناس الذين ينتظرون لواء فضيلة أو علم أخلاق يتمسّكون به. حمل أبو تريكة اللواء وهو يدرك صعوبة الأمر وقوّة التيار، فلقد هاج وماج كلُّ ساقط في بئر النفاق، وتبارى دعاة الحرّية الزائفة إلى نقده نقدًا لاذعا! وكان أولى بهم وهم يدعون إلى حرّية الرأي أن يحترموا رأيه! لكنهم يريدون فقط كلَّ حرّية وكلَّ رأي يوافق حرّيتهم! يريدون مِمّن يُنكرون فِعالهم أن يسكتوا حتى لا يتأثّر بهم غيرهم! لكنهم لا يُدركون أن ديننا علّمنا أن النهي عن المنكر أوجب من الأمر بالمعروف، وهناك قرىً أزالها الله لأن أهلها {كانوا لا يتناهَوْنَ عن مُنكَرٍ فعلوه…} (المائدة: 79).

يعي ما يقول

إن سِجلَّ (أبو تريكة) التهديفي مع الأهلي ومنتخب مصر وعدد البطولات القارّية والمحلّية التي حصل عليها جعلته أسطورة كروية عربية إفريقية لا خلاف عليها، لكنّ الشعبية الجارفة والحبَّ المتواصل الذي يدفع الجمهور في كلّ مباريات منتخبه السابق إلى النداء باسمه في (الدقيقة 22) التي تحمل رقمه السابق لم تكن بسبب هذا فحسب، بل لمواقفه الإنسانية والأخلاقية، فكثيرون حقّقوا بطولات أكثرَ منه ونسيهم الناس، حَوَتْ السجلاتُ الإنجازاتِ ولم تحتفظ بها القلوب والمجتمعات.

إن تريكة -قبل أن يكون هدّافًا كرويًّا- هدّافٌ إنسانيّ، يعي ما يفعل، ويُدرك ما يقول، فهو يجعل مِن موهبته رسالة، ومِن عمله أمانة، ومِن شهرته وسيلة. ولعلّ أشهر مواقف النجم الذهبيّ تعاطفه مع غزة عام 2008، حين احتفل بأحد أهدافه مُرتديًا قميصًا يحمل الإنسانية، مكتوبٌ عليه بحبر التكافل والكرامة والعزّة (تعاطفًا مع غزة)، وتصدّى للذين أساؤوا إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بكلّ ما أُتِيح له مِن قوّة، كما وقف شامخًا ضدّ الظلم والقتل الذي وقع بمُشجّعي النادي الأهلي في أحداث (استاد بورسعيد) عام 2012، وكان متواصلًا مع أهالي الضحايا علّهم يجدون فيه ما يُهوّن عليهم قسوة الأزمة، فهو يستغلُّ جيّدًا حبَّ الناس له وتعلّقهم به، ويُدرك أن هذا توفيق من الله وكرم سيُسأل عنه.

إن التاريخ يحتفظ للإنسان بمواقفه ويُخلّد ذكراه إذا آثر دينه على نفسه، وفكرته على حياته، ورسالته على شعبيته. وأمير القلوب لا يُجيد مسك العصا من المنتصف، بل يدور مع الحق حيث دار، لا يقبل الضيم، ولا يُهادن الظالمين، ولا يسكت عن المُخادعين، ولسان حاله:

قِفْ دونَ رأيكَ في الحياةِ مُجاهِدًا     إنَّ الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ

فسلام على تريكة ومواقفه وبطولاته الخالدة، سلام على مَن ربّاه ليعيش لفكرة حتى لو خسر مِن أجلها، سلام على مَن يدعمون المُصلحين وعلى رأسهم تريكة، لأنهم يعلمون أنه لا يُمثّل نفسه، بل يُمثّل هُويّة وقِيمًا وأخلاقًا وأعرافًا، فهو أكثر من مجرّد لاعب.

سلام على من ربّى رجلًا كهذا الرجل، يحمل رسالة ويترك أثرًا ويبذر خيرًا ويُحرّك أمة، فرّبَّ هِمّة أحيت أمّة.