دور الوصيّة في المواءمة بين حق الوارث واختيار المُورّث

الوصيّة -في تعريفها الفقهي والقانوني- هي تصرّف مُضاف إلى ما بعد الموت، وهي هنا تلتقي مع الميراث في أن كلًا منهما لا يُنفّذ إلا بعد الموت، لكنَّ الميراث حقُّ الوارث بحكم الشرع، والوصيّة حقٌّ للمُوصَى له باختيار المُورّث.

والوصيّة تشريع إلهي مُعجز، ليس له مثيل في النظم الوضعية، فهي تحقق مواءمات كبيرة للفرد والمجتمع. فعلى المستوى الشخصي لصاحب المال، تحقق الوصيّة مواءمة نفسية بين رغبته في الصدقة وحاجته إلى المال، فتُمكّنه الوصيّة من الصدقة وتُعلّق نفاذها إلى ما بعد موته، بحيث إن احتاج إلى المال رجع في الوصيّة، وإن تُوفي نُفّذت الوصيّة ونال الأجر.

كما تحقق الوصيّة مواءمات على مستوى المجتمع، فيستطيع المُورّث التصرّف في حدود ثلث ماله لمَن يراه محتاجًا أو مستحقًّا مِن غير الوارثين، فتقضي على كثير من المنازعات التي تحدث بسبب الميراث.

والوصيّة هي الأساس الأوّل لانتقال المال بعد الوفاة، إذ يقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 180)، فقد أسندت الآية توزيع المال بعد الوفاة إلى اختيار المُورّث، حسب ما يراه الأقرب إلى العدل.

ثم جاء تشريع الميراث فقسّم المال بأنصبة محدّدة على أشخاص مذكورين، غير أن آيات المواريث علّقت توزيع الإرث على إخراج الوصيّة، فأبقت للمُورّث حقه في ثلث ماله يوزعه كيف يشاء بعد موته، كما جاء في حديث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لسعد بن أبي وقاص: “الثلثُ، والثلثُ كثير”. كما نهى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن الوصيّة للوارث، فلا يجمع بين الميراث والوصيّة، وجاء في الحديث: “إنَّ اللهَ أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا وصيّةَ لِوارث”. وأوضحت السُّنّة النبويّة أن الوصيّة بهذا الشكل إنما هي صدقة من الله على عباده، أنْ ترك لهم ثلث المال يتصرّفون فيه بمعرفتهم، كما في الحديث: “إنَّ اللهَ تصدّقَ عليكم عندَ وفاتِكم بثلثِ أموالِكم، زيادةً لكم في أعمالِكم”.

الناسخ والمنسوخ

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن آيات المواريث ناسخة لآية الوصيّة، غير أنه لا حاجة للخلاف بشأن نسخ آية الوصيّة بآيات المواريث من عدمه، طالما يمكن الجمع بينهما، فالقول بهذا الرأي هو خير وأحسن تأويلًا، فيكون من حق المُورّث التصرّف في حدود ثلث ماله بالوصيّة، ويُقسَّم الثلثان ميراثًا حسب القواعد الشرعية، ومقتضى هذا أن يظل الوجوب في الوصيّة قائمًا في حدود القدْر الذي سمح به الشرع، وهو الثلث.

واختلف العلماء في هذه المسألة بين الندب والوجوب، فالندب مُتفَق عليه من الجميع، ويحل مشكلات عدّة، أمّا القول بوجوب الوصيّة في حدود الثلث للأقربين غير الوارثين، فهو مَرويٌّ عن بعض الفقهاء التابعين، ومَن بعدهم مِن أئمّة الفقه والحديث، ومنهم: سعيد بن المُسيّب والحسن البصري وطاووس والإمام أحمد وأبو داود والطبري وإسحاق بن راهويه وابن حزم، ويترتب على القول بالوجوب أن المُورّث إذا لم يُوصِ لأقربائه المحتاجين غير الوارثين، فيجوز أن ينفذها الحاكم كما تُسدَّد الديون الواجبة من التركة قبل تقسيمها.

وعلى هذا الأساس، أخذت تشريعات الأسرة في عدد من الدول العربية -بينها مصر والجزائر وتونس والأردن وسوريا والإمارات- بما يُعرَف بقانون الوصيّة الواجبة، فأوجبت لأولاد الابن المُتوفى أثناء حياة والده حصة أبيهم في حدود الثلث. ومثّلت قوانين الوصيّة في هذه التشريعات مخرجات إنسانية لمشكلة أولاد الابن المُتوفى في حياة أبيه إذا كانوا غير وارثين، إذ أوجبت على المُورّث أن يوصي لهم بشيء من المال في حدود ما سمح له الشرع من الوصيّة، وقد يكون أبوهم الذي تُوفي قبل جدّهم قد أسهم بشكل ما في تنمية التركة، فأعاد قانون الوصيّة الواجبة هذا التوازن.

غير أن القانون الذي عالج مشكلة أبناء الابن المُتوفى أثناء حياة أبيه ما زال عاجزًا عن علاج الحالات الأخرى من غير الأبناء، فالوصيّة في حدود الثلث -ندبًا أو وجوبًا- ليست لأولاد الابن المُتوفى حال حياة أبيه فقط، بل تجوز للأقرباء غير الوارثين، سواء أكانوا محجوبين بالأقرب كابن الأخ، أم ممنوعين من الميراث كالزوجة الكتابية إذا لم يُوصِ لها الزوج بشيء ولم يكن لها عمل أو مصدر دخل، وقد تكون أسهمت بشكل ما في تنمية ثروة زوجها، فيكون حرمانها من ماله يتنافي مع عدل الإسلام. ويستطيع المُورّث إعادة هذا التوازن بالوصيّة الاختيارية لها، فإن أوصى لها بشيء نفذت الوصيّة بلا خلاف بين العلماء، وهذه المساحة تسمح بصدور تشريعات تعالج مثل هذه الحالات، بدل الانحراف والتعسف في تأويل أحكام المواريث، لتوريث الزوجة الكتابية.

كما أن هناك حالات مُلحّة غير حالات الأبناء، مثل حالة ابنة الأخ مع ابنه، فالمال كله لابن الأخ تعصيبًا ولا شيء لابنته لأنها غير وارثة، وقد تكون بحاجة إلى المال فيمكن أن تأخذ من الوصيّة التي تشكّل هنا صمام أمان للسلم الاجتماعي، حتى لا ينقلب حال الأقرباء من الودّ والتراحم إلى الشقاق والتنازع، بسبب إعطاء بعضهم وحرمان آخرين.

وبدلًا من التعسّف في الاجتهاد بشأن أحكام المواريث، فقد ترك الشرع للمُورّث ثلث ماله يعالج فيه بمعرفته مثل هذه الحالات، فقد شُرعت الوصيّة -ندبًا أو وجوبًا- لإعادة التوازن في العلاقات الاجتماعية، ومعالجة ما يحدث من إحَن وشقاق وتصدّع، عند حصول بعض غير الوارثين على جزء من المال وحرمان آخرين.

لذلك، يمكننا القول إن تشريع الوصيّة يقوم بدور إطفاء حرائق اجتماعية تحدث أثناء توزيع الميراث، غالبًا بسبب خلل في فهم الآيات، أو نقص الوعي، أو تقصير من الدعاة في إيقاف الناس عند حدود ربّهم.