ميراث غير المسلم من المسلم وإشكاليات الاجتهاد المعاصر في أحكام المواريث

هل يصح الاجتهاد الآن في قضية توريث غير المسلم من المسلم؟

لبحث الموضوع يجب أن نلقي نظرة سريعة على الاجتهاد في أحكام المواريث، وطبيعته، ثم نبين ما هو حجم هذه القضية من الاجتهاد.

أولا: الاجتهاد واقع في باب المواريث كما هو واقع في غيره

فأحكام المواريث قابلة للاجتهاد كباقي احكام الشريعة الإسلامية والاجتهاد فيها موجود منذ عصر الصحابة والتابعين والعلماء المجتهدين، فلقد اجتهد الصحابة واختلفوا في مسائل عديدة لم تكن في عهد النبي، مثل العول والرد، والجد مع الإخوة والمسالة المشتركة، وغيرها واجتهد فيها الأئمة من بعدهم واختلفوا، لكن يبقي الاجتهاد في أحكام الميراث له طبيعته الخاصة.

ثانيا: طبيعة الاجتهاد في أحكام المواريث أنه من داخل النص وليس من خارجه

آيات المواريث جاءت محكمة وقاطعة في دلالتها، مما ضيقت مساحة الاجتهاد فيها بخلاف باقي أبواب الشريعة، وما كان نصاً قطعياً في ثبوته، محكما وصريحا في معناه فينبغي العمل على مقتضاه ولا يجوز الاجتهاد فيه، فللزوج النصف أو الربع، بنص صريح واضح فلا يجوز العدول عن هذا النصيب باجتهاد.

والمساحة التي جرى الاجتهاد فيها في الميراث، انطلق الاجتهاد من داخل النص، وليس من خارجه فتأسس الاجتهاد على اعتبار النص وليس على إهداره، أو تنحيته، فمثلا المسالة العمرية التي اجتهد فيها عمر بن الخطاب بإعطاء الأم ثلث الباقي بعد صاحب الفرض بدلا من ثلث التركة والذي قد يبدوا مخالفا لظاهر الآية لكن بالتأمل انه اعتمد من ذات النص، ولم ينحيه أو يتجاهله يقول تعالى “فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ” وواضح من النص أن الأم تأخذ ثلث المال إن لم يكن للميت فرع وارث فالأم تأخذ الثلث إذا انحصر الميراث في الأم والأب فقط، ولم يكن ثم وارث سواهما، بدلالة قوله تعالى “وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ” أي لم يرثه إلا أبواه فلامه الثلث فان وجد وارث مع الأبوين فلا مجال لإعطاء الأم ثلث التركة بل يأخذ هذا الوارث فرضه، ويقسم الباقي بين الأم والأب بذات النسبة التي ذكرها النص، فلامه الثلث والأب الباقي ، فأنت ترى أن هذا الاجتهاد انطلق من النص وليس من خارجه، فلم يعطِ الأم ثلث الباقي مراعاة للأب وظروفه بل لأن النص يقتضي ذلك بخلاف المحاولات المعاصرة في الاجتهاد في أحكام المواريث والتي تقوم على تنحية النص وتعطيله وتعتبره منتج تاريخي، ينبغي تجاوزه بتجاوز زمنه، وهو نظرة الحداثيين العرب لأحكام الشريعة، وهو منطق فاسد ومرفوض عقيدة وشريعة، وهو قول خطير لأن آثاره لن تقف عند قضية المساواة في الميراث، أو توريث غير المسلم من المسلم وإنما تعني أن شريعة الإسلام جاءت لظروف معينة انتهت بانتهاء هذه الظروف بما يعني إنهاء عالمية الإسلام وخلوده، وصلاحيته لكل زمان ومكان وهذا لا يؤمن به أحد من المسلمين، فأحكام الميراث كباقي أحكام الشريعة منوطة بنصوص مقدسة مجردة عن الزمان والمكان صالحة لكل زمان ومكان.

ثالثا: اغلب الاجتهاد الواقع في أحكام المواريث في عصر الصحابة ارتفع الخلاف فيه بانعقاد الإجماع

فاغلب الاجتهاد الذي وقع في عصر الصحابة ارتفع الخلاف فيه بانعقاد الإجماع ومؤدى هذا أن هذا الاجتهاد أصبح إجماعا قيمته كقيمة النص، لا يجوز الاجتهاد فيه مرة أخرى يقول الإمام السرخسي في كتابه المبسوط “الإجماع موجب للعلم قطعاً بمنزلة النص، فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له: لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الإجماع بدليله” انتهى.

أما ما ظل الخلاف فيه قائما إلى يومنا، ولم ينعقد عليه إجماع فما زال الاجتهاد فيه مفتوحا أمام العلماء.

 

مسالة التوارث بين المسلم وغير المسلم

ما قيمة الرأي القائل بجواز توريث غير المسلم من قريبه أو زوجته المسلم؟

جاء النص الصريح الصحيح بعدم التوارث بين المختلفين في الدين لحديث النبي -صلي الله عليه وسلم- لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.

وقد انعقد الإجماع على عدم ميراث غير المسلم من المسلم بخلاف ميراث المسلم من غير المسلم الذي وقع فيه خلاف قديم الجمهور على عدم جوازه منهم الأئمة الأربعة ومذاهبهم وذهبت طائفة من العلماء جواز توريثه، منهم من الصحابة معاذ ومعاوية رضي الله عنهما، واختاره ابن تيميه وابن القيم، ورجحه الشيخ القرضاوي في عصرنا وأخذ به المجلس الأوربي للإفتاء.

وهذا يعني أن توريث غير المسلم من المسلم لم يكن يوما محل خلاف فابن تيمية وهو الذي أجاز ميراث المسلم من غير المسلم نجده يعلل ذلك بقوله “إنا رأينا الإسلام يبيح للمسلم أن يتزوج الكتابية ولا يبيح للكتابي أن يتزوج المسلمة”، وهذا مؤداه أن ابن تيمية ومن معه لا يجيزون توريث غير المسلم من المسلم ونسبة الجواز إليه تضليل علمي وتلبيس على الناس، أما الاعتبارات التي ساقها المنادون بهذا الرأي اليوم من أن الزوجة غير المسلمة ستكون هي الأم الحاضنة لأبناء الزوج المسلم، وهكذا. فلا تنهض لاختيار هذا الرأي لأن في أحكام الشريعة الأخرى ما يحل هذه المشكلة وهو تشريع الوصية وسنفرد لها مقالا آخر، ومن ثم فلا حاجة إلى القول بهذا الرأي.


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة