رَأَيتُ فِـلَسطِين..

في القَلبِ أشواقٌ لا يعلمها إلا الله، وفي الروحِ آمالٌ حَرَّة؛ يَطرقُها اليأسُ كلَ يوم لكنه يعود خَاليَ الوِفَاض من دون أن يَتمَكنَ منها، تأتيني الذكرياتُ تِباعًا يا فِلسطين، هل تَعلَمين…؟ أنا منكِ ولستُ فيكِ، وعِشتُ بكِ ولم أعش فيكِ.

عندما أبْصَرتْ عَيناي ووعِيتُ للحياة، قِيلَ لي موعدنا في فلسطين.. وما فلسطين؟ أرضُنا المحتلة، ولمَ هي أرضُ الميعاد؟ لأن بها مسجدنا الأقصى.. أرى في التلفاز أحداثًا دامية، لا أدركُ عنها شيئًا، فأسأل: مَن هؤلاء؟ هؤلاء اليهود المغتصبون الذين سرقوا أرضنا، ومَن هؤلاء؟ المجاهدون الذين يدافعون عن أرضنا.

رأيتُ صورةً مُعلَقة على حائط البيت، بها شيخٌ باسم الوجه، يُقَبِلُ جبينه رجلٌ وضاءُ المَحيا، صارت محفورةً في ذاكرتي، وعن ظهر قلب حفظتُ صورة الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي.

وكبرتُ.. وعِشتِ بداخلي يا فلسطين، تكبرين ويَكبر الشوق، وعندما طال الانتظار؛ قلتُ لا بد من ثمنٍ للقاء، وسعيتُ أدخِر الثمن.

غزة غزة رمز العزة

كانت الأرض تهتز من تحت الأقدام، كزلزالٍ قوي، كبركان يَهمُ بالانفجار، ترتفع الأصوات وتلتهب الحناجر، كانوا يقولون “غزة غزة رمزُ العِزة”، ومن فرط الحماس تكاد الأرض تحمِلنا إلى هناك على جَناحِ الريح.. تنتشر قواتُ الأمن حولنا، يلبسون الأسود، بيدهم أسلحة، يحيطون بنا.. هل أصبحَ للخوفِ مكانٌ يا غزة؟ غزة محاصرة، غزة مهددة، غزة تَنزِف.. كنتُ أعود بعدها وأدركُ أن ثمن اللقاء لم يكتمل بَعد.

ما زلتُ أذكُر الصندوق الخشبي الصغير، كان مخصصًا لادخار مصروفي، أخذنا الصندوق كتبنا عليه “تبرعوا لغزة”، طُفنا الشوارع والأزِقة لجمع التبرعات لإخواننا في غزة، أثناء حرب 2008م، بعد يومٍ شاق أتذكر أنني لم أوفِ حق اللقاء بعد..

كان الظلام سائدًا، نحمل بين أيدينا شموعًا مُضاءة في أحد الشوارع الرئيسية، نَقفُ صامتين، وهذه خطبة عَصماء تقول إن إخواننا في غزة يعيشون بلا كهرباء، أطفالُ غزة يَحيَونَ على ضوءِ الشموع.. هذا ظلامٌ تُنيره شمعة، وأنتِ تنيرينَ داخلي يا فِلسطين، قضيتي التي أحيا لها وأحيا بها. أم حسبتِ أن حَملَ قضية دمويةٍ مرهق؟ بل راحتي في الاستناد إليكِ، وملاذي في الاطمئنان بكِ. الآن بعد 16 عامًا صارت غزة المحررة، غزة الأبية، هي الحرةُ والكُلُ مُحتَل، الأنظار تتوجه إليها بعد كلِ عدوانٍ، ينتظرون ردَّها، أصبحت أمَلَنا الوحيد رغم حصارها.

أنا هنا يا فلسطين

يا فلسطين، كلما كبرتُ كبرتِ معي، كم أحداثٍ مرت حملتكِ فيها بين الحنايا كي لا أفقدكِ، وكم فتنٍ مرت تخطف العقائد خطفًا؛ خفتُ عليكِ منها، وكم من آلامٍ زادت آلامي فخفتُ أن يُثـني الألمُ صاحبكِ عن المسير.. لكن أنا هنا يا فلسطين، مازلتُ كما أنا، أشدو ألحانكِ وأنتظر لقاءكِ، لا أعرف إذا ما كان ثمن اللقاء سَيصعُب أكثر، لكن يهون لكِ الصعب.

أقول: اقتربَ اللقاء.. يقولون: كاذب، أقول: بل صادقٌ صَدقَ الوَعد.. يقولون: حالِم. وأقول: عاشق. لديَّ حديثٌ طويل، أذخره للقاء، لا أريد كشف أوراقي، لا أريد كشف أشواقي، فـ لديكِ الملايين يحملونكِ في قلوبهم، لكنكِ واحدةٌ في قلبي لا غيرك، أحبابُكِ كُثر وأنتِ حبيبتي ليس سواكِ.

أصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم

إلى رُبىً حزينةٍ كوجه مجدلية

يا أيها الثوار..

في القدس، في الخليل، في بيسان، في الأغوار

في بيت لحمٍ، حيث كنتم أيها الأحرار

تقدموا، تقدموا..

فقصة السلام مسرحية، والعدل مسرحية

إلى فلسطين طريقٌ واحدٌ، يمر من فوهة بندقية.

“نزار قباني”

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة