ربيع بيكاسو

روميساء ربيع الشيخ (مواقع التواصل الاجتماعي)
روميساء ربيع الشيخ (مواقع التواصل الاجتماعي)

أخرج صديقي الصحفي ربيع الشيخ هاتفه بفخر لا مثيل له، وقال سأريك صورةً وقل لي رأيك! قلت: هات! وصاحبي هذا له ذوقٌ في انتقاء الصور، يجعلك تتمنى في نفسك الأمنيات، ترجو أن تتحول الصور -لفرط ما بها من حسن وبهاء وأشياء أخرى- إلى واقع.

المهم، لمَّا أخرج الصورة لم تكن -وأرجوك ألا تغضب- من النوعية التي توقعتها، إنما صورة رسمتها ابنته الصغيرة (روميساء)، أدخلت فيها أشكالًا مختلفة وبألوان بديعة، تلفّت يمنة ويسرة وهمس لي: لا أدري ما هذه الخربشات بالمرة! كانت السعادة تطفر من عين روميساء حين عرضتها عليّ، ووجدتني متورطًا -أنا وأمها، بالرغم مني ومنها- في الإعجاب بالصورة، ولم نفهم ماذا قصدت ابنتنا بهذه الأشكال؟!

قلت له: شجِّعها! لا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا، قد تصبح ابنتك يومًا ما فنانة تشكيلية، أو مهندسة معمارية عالمية على خطى زُها حديد (هكذا قلتُها -جهلًا مني- بضم الزاي)، وصحّح لي صديق -شهد الواقعة- قائلًا (تقصد زَها بالفتح)، قلت: صدقت.

هذا بحذافيره ما شعرت به حين أخرج ربيع هاتفه، وتناوشتني مشاعر متضاربة

لم أصل إلى مغزى رسوم الفتاة، وتذكرت ما سطّره أستاذنا أحمد بهاء الدين، في مقال عنوانه “محاولة لفهم بيكاسو”، والمنشور بتاريخ 13 أغسطس/آب 1960 بجريدة الأخبار المصرية، ثم نشر مع مقالات أخرى في كتاب “هذه الدنيا”، ومفاده أن سافر بهاء الدين إلى مدينة الضباب “لندن”؛ لحضور معرض فني للوحات الإسباني بابلو بيكاسو، ولم يكن متحمسًا في هذه الزيارة مقارنة بغيره من الحاضرين.

وعن غموض الفن التشكيلي وعدم قدرته على فهمه، يقول بهاء الدين “لا شك أن مئات وآلافًا من الرسامين ومن محبي الرسم يحسدونني على هذه الفرصة (…)، ولا شك أنهم سيزدادون حسدًا لي لو عرفوا أن هذه ثاني مرة يصادفني فيها هذا الحظ (…)، لكنني في الواقع لا أحسد نفسي على هذا الحظ الكبير”.

ثم يدور معنا في حيثيات هذا الزهد، يقول “إن بيكاسو دائمًا يتحداني ويحيرني؛ فأغلب لوحاته لا أفهمها، وعندما أعجب بلوحة معينة له يتصادف أن تكون في رأي الفنانين عملًا تافهًا! ولكنني لا أستطيع أن أهز كتفي له وأقول (إن كان لا يعجبني؛ فخلاص.. لا بد أنه كلام فارغ، ولا بد أنها حماقة أن أحاول فهم هذه الوجوه المشوهة والألوان الملخبطة والموضوعات الشاذة الغريبة”.

هذا بحذافيره ما شعرت به حين أخرج ربيع هاتفه، وتناوشتني مشاعر متضاربة لم أسبر غورها، هل الرسم يستأهل الاهتمام والتشجيع؟ أو أنه على طريقة ابنة الحاج عجرم “شخبط شخابيط لخبط لخابيط”، واطمأن فؤادي إلى تشجيع الفتاة، لا سيَّما وأنني -وبعدما اخترمني المشيب- لا أجد في نفسي القدرة على رسم عُشر معشار ما صبّته على ورقها.

وانتشلني ربيع من حيرتي، قائلًا بلهجة المطمئن الواثق “لقد قررت -ووالدتها- أن نطبع هذه اللوحة، وأن نعلِّقها في غرفتها إيذانًا باعترافنا لها -قبل غيرنا- بالنجابة الفنية، ولعلّها تكون بادرة أمل تحدو بها لدخول دنيا الرسم، وبمجرد لوحة واحدة تنتعش الحياة وتضحك لنا -بعدما قلبت لها طويلًا ظهر المجن- بصوتٍ مسموع”.

لوحة بريشة روميساء ربيع الشيخ (مواقع التواصل)

ما حيلتي إذن؟ لم أفهم الرسم ولا هذا الربيع، ولم يفهمه قبلنا أحمد بهاء الدين، ومع ذلك فالمشكلة في ثلاثتنا، فليكن التشجيع سيد الموقف، ماذا سنخسر؟ كلمة طيبة تفتح المغاليق وتحث الفتاة على الإنجاز، وإن لم نكن حاتميي الكرم فعالًا؛ فلا بأس بها تشجيعًا ومقالًا، وعلى كل حال فما أرخص الكلام.

لكن ماذا لو وقع للفتاة ما وقع لصاحبنا الأمريكي، جاسبر جونز؟! أقام هذا الجونز معرضه الأول في ولاية كارولينا الجنوبية (مسقط رأسه)، وصدرت عن إحداهن شهقة الملوخية، وشفعتها بعبارة: يا إلهي! ما هذا الحسن الفريد؟ إنها لوحة لا تُضاهى! في اللحظة ذاتها، حانت التفاتة من سيدة أخرى -تشبه عواجيز الفرح أكل ونقورة- قائلة بالصوت الحياني: وأنتِ أيضًا من أقاربه؟!

حينها، امتقع لون جونز أشكالًا وألوانًا، تحوّل من الإحراج إلى أشكال تنافس لوحاته غرابةً، وتنوعت ألوان تعبيراته للحظات تنوع ألوان اللوحات، لو رأيته لحظتها لأبصرت أبا براقش والحرباء في سرعة اضطرابها وتغيُّر ألوانها.

ما العمل أيها الربيع؟ نشجع الفتاة أم نتراجع ونواجهها بانطباعنا عن اللوحة؟ أنقول لها إننا لم نتلمّس فكرةً جديرة بالاهتمام من رسمها؟ أم نسكت لأننا لسنا أهل اختصاص وندعمها دون قيدٍ أو شرط؟ الرأي أن نشجعها وستُبدي لنا الأيام ما كنا نجهل/ ويأتينا بالأخبار من لم نزوّد، مع الاعتذار للصديق الجاهلي العزيز طرفة بن العبد.

إبداء التشجيع وطلب مساعدة أهل الاختصاص يعظِّم القيمة المضافة لأبنائنا وإخوتنا الصغار

المطلوب من الجميع في هذه الحالة التشجيع والتحفيز، من الوالدين والمدرسين والأصدقاء، المهم ألا يكون هذا التشجيع لغرض أو لحاجة في النفس، تشجيع بريء من المصالح، ومع الوقت قد تُصقل المهارة وتتبدى بشكل جلي لا يقبل التشكيك، أو ينتقل الاهتمام عنها إلى غيرها دون أن يترك في النفس ألمًا أو جُرحًا نجم عن تثبيط من حولنا.

إبداء التشجيع وطلب مساعدة أهل الاختصاص يعظِّم القيمة المضافة لأبنائنا وإخوتنا الصغار، يرعى مواهبهم في سن مبكرة، ويضفي على حياتهم طابعًا خاصًا، (وكم طوى اليأسُ نفوسًا لو رعت/ منبتًا خصبًا لكانت جوهرا/ كم قضى العُدْمُ على موهبةٍ/ فتوارت تحت أطباقِ الثرى). مدار الأمر هنا على اللطف والكياسة؛ فلا فظاظة أو تنمر أو تحامق بدعوى الصراحة، ولا مداهنة أو تراخٍ أو مجاملة مفرطة دون أساس، وإلا سنواجه مصير المسكينة فلورنس فوستر جينكيز.

استبدت بالأخت فلورنس الرغبة في دخول دنيا الغناء الأوبرالي، وكان زوجها يخطط لانتهاب ثروتها، ووجد السانحة في تزيين صوتها لنفسها، وإغرائها لدخول المجال الذي تهواه؛ فتمارس هوايتها ويمارس غوايته ويشفط ثروتها. أفاقت فلورنس من سكرة النشوى مؤخرًا، ولات حين إفاقة وقد سبق السيف العذل، وليس بالإمكان إعادة أمس الدابر.

في الإطار، لا بأس بمشاهدة المبدعة ميريل ستريب في أدائها شخصية فلورنس، في فيلم سيرة ذاتية يحمل الاسم نفسه “Florence Foster Jenkins” من إنتاج عام 2016، ونتبين الفرق بين التغرير والتشجيع، ومتى تكون المصارحة أمرًا ملزمًا، وكما أن حبل الكذب قصير؛ فكذلك حبل التلاعب والخداع والابتزاز، لا نريد التلاعب بمواهب أطفالنا تلاعب سانت كلير بايفيلد بالسيدة فلورنس، وإنما نبحث لهم عن مستقبل أفضل وربيع بيكاسو.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة