مدونات

ماذا لو تحدثت أمريكا العربية؟

تعليم اللغة العربية
تعليم اللغة العربية

لطالما حظي موضوع العلاقة بين اللغة والفكر من جهة، وبين اللغة والثقافة من جهةٍ أخرى عناية الباحثين على اختلافهم، فلاسفة أو علماء لسانيات أو اجتماع أو نفس أو أنثروبولوجيا وغيرهمأو. وكان شغلهم الشاغل يتمحور حول تأصيل هذه العلاقة، وتبيان من يؤثر على من، ومن المُهيمن ومن المُهيمنُ عليه، أهي اللغة أم الثقافة.

وانطلاقاً من أن “فرض المُحال ليس بمحال”، فلنفترض أن أمريكا تحدثت العربية، أي جعلتها لغتها الرسمية، هل ستعيقُ العربية التطور أم أنها ستعززه؟ وللإجابة على هذا التساؤل، دعنا بداية نعطي تعريفاً لكل من اللغة والفكر والثقافة.

فاللغة: هي نظام من المعلومات الصوتية الاصطلاحية (تعريف دائرة المعارف الأمريكية)، أو هي نظام من الرموز الصوتية (تعريف دائرة المعارف البريطانية)، أو إنها النشاط اللغوي الإنساني في صورة ثقافية منطوقة أو مكتوبة معاصرة أو متوارثة (تعريف العالم اللغوي الفرنسي دو سوسور de Saussure).

والفكر: هو عمليات ذهنية يقوم بها العقل للوصول إلى معرفة مجهول (تعريف المعجم الوسيط/ بتصرف).

والثقافة: هي “كل شيء يتوجــب على الفرد أن يعرفه وأن يؤمن به لكي يعمل بطريقة مقبولة من طرف كل أعضاء المجتمع، فثقافة المجتمع تتألف من كل شيء يجعله يقوم بذلك في أي دور يقبل به أعضاء المجتمع ويرضونه لكل واحد منهم”. كما أنها “الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة الي أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضواً في مجتمع” (تعريف عالم الأنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد بيرنت تايلور Edward Burnett Tylor).

اكتساب الفرد للغة المجتمع يعني –بوجهٍ من الوجوه- اكتسابه لثقافة هذا المجتمع، أي عاداته وتقاليده وإيمانه وفنونه وأخلاقه وقوانينه

والواقع أن علاقة اللغة بالثقافة وبالفكر موضوع شائك وكثير التعقيد، قامت لأجلها نظريات ودراسات أكاديمية كثيرة في القديم والحديث. ولن نخوض غمار هذا المبحث، كما أنني لستُ هنا في مقام ذم لغةٍ أو مدحُ أخرى، ذلك أن اللغة –أياً كانت- مِطواعةٌ لناطقيها، حيث بإمكانهم إدخال كلماتٍ وخلق ألفاظٍ جديدة لا حصر لها تحملُ معانٍ وتدل على مدلولات كلما دعت الحاجة إلى ذلك، خصوصاً في ظل التقدم سريع الوتيرة الذي نشهده.

ولكن ليس هناك من ينكر بأن اللغة تؤثر في وتتأثر بالثقافة، فالعلاقة بينهما علاقة متبادلة ومتشابكة وشديدة التعقيد. و(الكلمة) في حد ذاتها تحمل في طياتها خبرة مشتركة، ومخزونٌ من المعرفة بهذا العالم يشترك فيه آخرون. ولذلك تجد الباحثين يدرسون لغة مجتمعٍ ما حتى يتعرفوا على ثقافة هذا المجتمع. فاللغة مخزون معرفي وتراكمٌ من الخبرات، وأفكار وأحداث يمكن نقلها من جيلٍ إلى آخر، فاللغة وعاءٌ يحمل الثقافة. والإنسان يقوم بتحليل الواقع الذي يعيش ويتفاعل فيه من خلال استعمالهِ للغة، تلك اللغة التي اكتسبها من بيئته والتي ورثها جيلهُ من جيل أبويه وهكذا دواليك.

وبالتالي، فإن اكتساب الفرد للغة المجتمع يعني –بوجهٍ من الوجوه- اكتسابه لثقافة هذا المجتمع، أي عاداته وتقاليده وإيمانه وفنونه وأخلاقه وقوانينه..الخ وهذا تأطير وتنميط أولِّي اجباري. تأطير لملكة التفكير عند الفرد، وتنميطٌ لنظرته للواقع، وأولي اجباري لأنه يتعلم اللغة في صغره ورُغماً عنه. فالفرد بهذا الاكتساب اللغوي أشبهُ بمن فُرِضَ عليه جهاز يفلتر التفكير ويضبط الإيقاع الداخلي لينسجم وإيقاع المجتمع ويمنع ما يشذ. فاللغة، إذن، هوية المُجتمع، والتحدث بها يعني الاعتزاز والتمسك بهذه الهوية، ومنع استخدامها أو التحدث بها يعني رفضها.

وطالما أن علاقة الثقافة بالمجتمع علاقة تبادلية متشابكة، يؤثر ويتأثر أحدها بالآخر، وطالما أن المجتمع تجري عليه سنة التبديل والتغيير، فهذا يقتضي بطبيعة الحال استحداث كلماتٍ وألفاظ في لغة المجتمع تشير إلى وتدل على كل إفرازٍ جديد يرافق التغير، وتسد الفراغ اللغوي الذي قد ينشأ عن التغير والتطور ويلبي كافة الاحتياجات العصرية.

فعجز ناطقي اللغة عن سد هذا الفراغ باستحداث ما يلزم من مصطلحاتٍ وكلماتٍ، يعني البقاء في أسر ما نتوفر عليه من كلمات، أي نصبح عندذٍ سجناء اللغة. وبالتالي البقاء ضمن شروطها وخبراتها وضمن إطارها المعرفي، والذي يساوي التخلف عن الركب، والرد على تساؤلات الغد بإجابات الأمس. وفي عصر الانفتاح الثقافي والثورة المعلوماتية، بات كل شيء مكشوف وبارزٌ للعيان، وأقبلت الأجيال على منعطفٍ وتغيرٍ كبير وجذري لم تعهدهُ الأجيال التي سبقتهم. فلن يُجدي معهم بأي حالٍ من الأحوال تبني عقلية الماضي في استشراف المستقبل، فلا يمكنهم تسمية الخلاّط العصري (Blender) بالرحى!

فكل افرازٍ يتمخض عن التغييرات الحاصلة في المجتمع، سواء أكانت في المجال الصناعي أو التقني أو العلمي وغيره، يرافقه استحداثٌ لكلمة تدل عليه، يعني بروز خبرات ومعارف جديدة، وفتح آفاقٍ جديدة واسدال الستار عن أبعادٍ أخرى واكتشافاتٍ متعددة. وهذا يترتب عليه فهمٌ أكبر وأدق للطبيعة وعناصرها، وقدرة أكبر على التحكم بها، وتوجيهها كما تريد، فتصبح حرفياً مُسخرةُ لمن توفر على شروطها وفهم آليتها.

أما كل افرازٍ يُقابلُ بالتقوقع وبالرفض التام لمجرد أن المجتمع اكتفى بما لديه، أو لأن ثقافته تنبذ كل بدعةٍ، فهذا المجتمع بلا شك سينتهي به الأمر ليكون مجتمعاً أحادياً قروياً. الأجيال اللاحقة ليست إلا صورة مستنسخة عن الأجيال السابقة، الاب يلد نفسه. وهذا يترتب عليه جهلٌ أكبر وفهمٌ مشوه للواقع، ولن يبرع أفراد هذا المجتمع إلا في الشعارات الفارغة وفي الشوفينية الوطنية والقومية واللغوية. فرفض التغييرات يعني بالضرورة جمود اللغة، فاللغة تتطور استجابةً للتغييرات الحاصلة في المجتمع، وتصبح أكثر مرونة.

كم كلمة عربية وإنجليزية تمت إضافتها ما بين 2019-2020؟

ومن جهةٍ أخرى، فللغة تأثير كبير في طبيعة الفكر، الأمر الذي دعا فريتز موثنر Fritz Mauthner، وهو فيلسوف وجودي نمساوي-مجري، للقول بأن أرسطو لو كان يتحدث الصينية أو أي لغةٍ أخرى، لتبنى منظومةً منطقية مختلفة تماماً عن نظريته في المقولات (قاطيغورياس). وهذا يعني أننا ننظر إلى الواقع ونُعبر عنه، بل إن طبيعة تفكيرنا عموماً ستعتمد على مفردات تتصل بوسيلة التعبير السائدة والشائعة في مجتمعنا، وحتماً ستؤثر عليه.

كم كلمة عربية وإنجليزية تمت إضافتها ما بين 2019-2020؟

في أبريل 2020، تمت إضافة 535 كلمة إنجليزية جديدة في قاموس ميريام وبستر (Merriam-Webster)، مقارنة بالعام الماضي، حيث بلغ عدد الكلمات المضافة 640.  فيما أضيفت 500 كلمة إنجليزية جديدة في قاموس أكسفورد (Oxford English Languages) في ديسمبر 2020، مقارنةً بعام 2019 الذي أضيف فيه ـ650 كلمة انجليزية جديدة.

في المقابل، فشلتُ في العثور على أية معلومة تشير إلى إسهامات الناطقي بالعربية باستحداث كلماتٍ جديدة ما بين عامي 2019 و2020، إلا أن مكتب تنسيق التعريب بالرباط، وهو جهاز تابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، له اسهاماتٌ يُشكر عليها في مجال التعريب، حيث صدر عنهم في 2020 معجم مصطحات كوفيد 19 (إنجليزي – فرنسي –عربي)، وهو معجمٌ يمكن تحميله مجاناً من الشبكة، إلى جانبٍ عدد من المعاجم التي صدرت في تواريخ قديمة. كما أن لهم قاموساً تقنياً على الشبكة (arabterm.org)، يوفّر قاعدة مصطلحية ثلاثية اللغات، تحتوي على 156,140 مدخلاً و513,950 مصطلحاً، وآخر تحديثٍ أجري على الموقع كان في 2016.

الخاتمة

وإجابة التساؤل الذي طرحناه في بداية المقال “ماذا لو تحدثت أمريكا العربية؟” متروكٌ للقارئ، فهو المخوّل بإطلاق الحُكم والتصريح بالإجابة من وجهة نظره.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة