التاريخ غير المكتوب لإنشاء جامعة الإسكندرية

أن أبرز معارضي التوجه إلى إنشاء جامعة جديدة كان هو العالم المصري الكبير الدكتور علي مصطفى مشرفة عميد كلية العلوم الذي كان مغرماً بالتجويد و متيماً بالإتقان وحريصاً على الكمال .

كان إنشاء جامعة الإسكندرية أمراً طبيعيا في سياقه، وأصبح بمضى التاريخ نجاحا ساطعا، ومثل أي نجاح فإن لهذا النجاح السكندري ألف أب، فكل من قدر له أن يسعى فيه فخور بما تم ، وعادة فإن من يروي دوره في تحقيق النجاح يتجاهل بالطبع أدوار الآخرين لأنه يعتقد أنه مسل عما يقول لا عما حدث ، بيد أن التاريخ له كلمات أخرى ، ومن حق التاريخ أن نستمع له..
والسؤال المنطقي الأول هل كان هناك أحد يعارض نشأة جامعة في الإسكندرية في ذلك التوقيت حتى يقال إن هناك أصحاب فضل في الإنتصار على الرؤية الممانعة؟ 

هكذا يمكن قراءة التاريخ وفهمه بعيداً عما يُسميه علماء اللغة العربية “النقولات” التي تنقل عن أصحاب الروايات ما يرونه من دون النظر إلى الأقطاب الأخرى في أية واقعة.

ذلك أن أي خطوة في سبيل التوسع لابد أن تجد عاقلاً يحذر منها ، وفي العادة فإن العالم صاحب الرأي المتعقل يرى أن التجويد في الأصل أهم من التوسع بالفروع أو التكرار، كما يرى أن تكرار الجهد يقلل من التركيز ، وهذا حق لا مراء فيه رغم نبل الغاية من التوسع..

جامعة الإسكندرية

ومع أنني بالطبع مع التوسع والكيانات الجديدة بل إنني نفسي كنت السباق إلى وضع خطة تكوين جامعات جديدة وليس إنشائها فحسب، فإن الأمانة تقتضيني بالطبع أن أشير بكل أمانة وتقدير إلى أن أبرز معارضي التوجه إلى إنشاء جامعة جديدة كان هو العالم المصري الكبير الدكتور علي مصطفى مشرفة (1898 ــ 1950) عميد كلية العلوم الذي كان مغرماً بالتجويد و متيماً بالإتقان وحريصاً على الكمال بأقصى درجة من الحرص.
وفي مقابل هذا الحرص الشديد من الدكتور مشرفة ، فقد كان هناك إقبال شديد على فكرة إنشاء الجامعة الجديدة في الإسكندرية، وكان هناك من ينحازون إلى هذه الفكرة بحكم علاقتهم أو علاقة إقليم نشأتهم بالإسكندرية وفي مقدمة هؤلاء النحاس باشا نفسه زعيم الأغلبية، وعلي باشا إبراهيم المدير الثاني لجامعة القاهرة الذي نشأت جامعة الإسكندرية بصفة رسمية في أثناء توليه منصب مدير الجامعة الأولى ..

كما كان هناك من كانوا بطبعهم يحبون للتقدم أن يمضي في طريقه مثل أحمد لطفي السيد باشا، ومن يحبون أن يبدأوا البناء ويتركوا للزمن إكمال ما بدأوه على حد وصف الدكتور محمد كامل حسين لأستاذه علي إبراهيم باشا ، وهو الوصف الذي ينطبق أيضا على الدكتور طه حسين بدرجة تقترب من انطباقه علي باشا إبراهيم.

وكانت هناك طائفة ثالثة من الذين يحبون أن يكون لحزبهم دور إنشائي يضاهي الدور الرهيب الذي كان الوفد يتبناه ويرضى به أنصاره، وكان في مقدمة هؤلاء محمد محمود باشا رئيس الوزراء وزعيم حزب الأحرار الدستوريين والدكتور محمد حسين هيكل باشا وزير المعارف في وزارة محمد محمود باشا وزعيم حزب الأحرار الدستوريين من بعده…

أن أبرز معارضي التوجه إلى إنشاء جامعة جديدة كان هو العالم المصري الكبير الدكتور علي مصطفى مشرفة (1898 ــ 1950) عميد كلية العلوم الذي كان مغرماً بالتجويد و متيماً بالإتقان وحريصاً على الكمال بأقصى درجة من الحرص.

وهكذا فإن وزارة الأقلية القائمة بالحكم في 1938 بدأت خطوات تنفيذية تمثلت في إنشاء فروع للكليات الجامعية في الإسكندرية فأصبح هناك فرع لكلية الآداب ، وفرع لكلية الحقوق.. 

ولم يكن هناك مجال بعد للطب ولا للعلوم ، و من الطريف أن دور الطب بدأ يحاول البزوغ من خلال الطائفة الرابعة الذين أسهموا في تأسيس جامعة الإسكندرية وهم طائفة الاسكندرانية المقيمين في الإسكندرية أنفسهم ويمثل هؤلاء الدكتور محمد محفوظ الذي لم يكن يكف عن الدعوة لإنشاء كلية للطب في مدينة  الإسكندرية.

و هكذا أصبح الطب راغبا في أن يكون له ثالث فرع لكلية جامعية في الإسكندرية بالإضافة إلى فرعي كليتي الآداب والحقوق القاهرينين اللذين بدأت الدراسة فيهما  في 1938 في عهد الدكتور محمد حسين هيكل وزير المعارف في وزارة محمد محمود باشا..

أما الإنشاء الحقيقي والضخم للجامعة و كلياتها بما فيها الآداب و الحقوق فإنه لم يتم إلا في عهد وزارة الوفد والنحاس باشا.  وكان وزيرالمعارف فيها هو أحمد نجيب الهلالي باشا، واختير الدكتور طه حسين مستشار ذلك الوزير العظيم ليكون مشرفاً على الجامعة الجديدة أو مديراً لها.

 النظام الذي نشأت به كلية العلوم في جامعة الإسكندرية واستمرت عليه كان هو مفتاح النجاح في التفوق الذي أحرزه علماء من طبقة أحمد زويل و هو ما مهد له الطريق الذي انتهى بجائزة نوبل. وليس في هذا القول مبالغة، فهو قول طبيب مشتغل بمراقبة الحياة العلمية والجامعية بقدر من التقصي.

كان القدر يهيئ للجامعة الجديدة كثيراً من الظروف المواتية المساعدة له على نشأة قوية. فقد كانت الحرب العالمية في أوجها، وكان هناك كثير من المباني التي يمكن تحويلها إلى مباني جامعية في ظل ركود الأنشطة المعتادة.. وهكذا فإنه على سبيل المثال بدأت كلية العلوم الجديدة بما يعرف على أنه السنة الإعدادية لكلية الطب التي جهزت لها معاملها ومدرجاتها في مباني المدرسة العباسية الثانوية وهي مبانٍ ضخمةٌ وفخمة   ومجهزة وذات حدائق و ساحات لا تقل عن متطلبات أي جامعة عالمية كبيرة.
وكانت جامعة الإسكندرية محظوظة بوجود من يستطيع أن يؤسس كلية للعلوم على مستوى متميز لا يقل عن مستوى كلية العلوم في الجامعة الأم، كان هذا هو المفكر المصري المرموق الدكتور حسين فوزي (1900 ــ 1988) الذي تخرج في الطب تلميذاً لعلي إبراهيم باشا نفسه، وعمل طبيبا للعيون ثم انتقل بتوجهاته الى دراسة الاحياء المائية.

وكان وجها من وجوه الحياة الثقافية والفكرية في العاصمة، كما كان صديقاً للدكتور طه حسين وتوطدت هذه الصداقة بحكم زواجهما من فرنسيتين، وكان في ذلك الوقت يشغل منصبا علميا كبيرا؛ وهو المسئولة عن مصلحة معاهد البحار بعدما عاد من بعثه في الأحياء المائية.

وهكذا نشأت كلية علوم جديدة فائقة التميز والجودة  واسعة الأفق،  وقد نشأت وهي تتبنى أسلوباً دراسيا ذكيا لا يقل في مردوده العلمي عن الأسلوب الذي نشأت به كلية العلوم في جامعة القاهرة.
من المفيد هنا أن نذكر أن جامعة القاهرة كانت قد بدأت بكليتين جديدتين (هما الآداب والعلوم) وبتحويل مدرستين عاليتين إلى كليتين (هما الطب والحقوق) وقد قيل في الكواليس وقتها إن وجود كليتي الآداب والعلوم كفيل بأن يلغي تلقائيا وجود مدرسة المعلمين العليا ، وهو ما حدث بالفعل على نحو ما تكرر أيضا في الأزهر الشريف حين نشأت الكليات بادئة بما يسمى قسم التخصص وهكذا تم إلغاء مدرسة القضاء الشرعي.
وهكذا كان الإنجاز النوعي الحقيقي في إنشاء جامعة الإسكندرية متمثلاً في إنشاء نمط جديد من كلية علوم لا تتشابه مع النظام البريطاني وإنما تتشابه إلى حد ما مع النظام الفرنسي بدبلوماته المتتالية أو المتعاقبة أو بأسلوب قريب من هذا .. ومن العجيب أن النظام الذي نشأت به كلية العلوم في جامعة الإسكندرية واستمرت عليه كان هو مفتاح النجاح في التفوق الذي أحرزه علماء من طبقة أحمد زويل و هو ما مهد له الطريق الذي انتهى بجائزة نوبل. وليس في هذا القول مبالغة، فهو قول طبيب مشتغل بمراقبة الحياة العلمية والجامعية بقدر من التقصي.
بقي أن نذكر من باب الاستطراد الأخير أن الجامعة المصرية الثالثة في عين شمس (أو جامعة إبراهيم) حين نشأت في 1950 أخذت في كلية الآداب بالنظام الفرنسي في الدبلومات وهو نظام مختلف تماماً عن نظام آداب القاهرة.. وهو ما كان له أيضا أثره فيمن تخرجوا في تلك الجامعة من أعلامنا في مجالات الانسانيات .. وهذا موضوع آخر.

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة