كورونا بين خطابي الدعوة والسياسة

الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر

أزعم أن أحد الصراعات الأساسية التي جرت ولا تزال تجري في المنطقة الآن تدور حول أنماط التدين المتعددة في المجتمع،خاصة أن وراءها قوة دفع من مؤسسات ومصالح وارتباطات داخلية وخارجية.

طلبت أجهزة الدولة من قيادات الإخوان في السجون، أن تبدأ مراجعات على غرار مراجعات الجماعة الإسلامية في التسعينات.
وقد قوبل العرض بالرفض من قبل القيادات لأنها رأت أنها لم تكن على نفس الأرضية الفكرية التي كانت تنطلق منها الجماعة الإسلامية قبل مراجعتها الشهيرة في التسعينات؛ من تكفير للدولة والحاكم ومؤسساته أو الموقف من الأقباط …الخ
أما المشكل بالنسبة إلي فقد كان محاولة الدولة لنقل الأمر من أن يكون أزمة تخص المسار الديموقراطي- أي أزمة سياسية -لتصبح أزمة ثقافية وفكرية تتعلق بالخطاب.

وهذا عين الإشكال كما أراه في الخطابات الدعوية حول كورونا، فبرغم صوابيتها من حيث المصادر التي تصدر عنها؛ إلا أنه وحده غير كاف ليقدم لنا إجابات علي ما يجري، كما إنه إن ظل عند حدوده القاصرة تلك؛ فإنه- من وجهة نظري -لن يكون خطابًا تغييرا؛ بل يكرس الوضع القائم الذي يُحتج عليه.  
ودعونا نري -بداية -الفرق بين خطابي الدعوة والسياسة (انظر تفصيلا لذلك في كتاب حوارات مع طارق البشري  ص٢٣٥-٢٩٢).
النشاط السياسي – يقوم ويتعلق بإدارة الجماعة السياسية، وإدارة المجتمع وناسه، وهذا الأمر يحتاج إلي تكوينات مؤسسية ذات قدرة على  إنفاذ القول بالقدرة المادية عند الاقتداء لصالح الجماعة.
أما الدعوة- فتتعلق في الغالب بالتكوين الفكري السائد في الجماعة البشرية المعينة، أو الذي يجب أن يسود فيها؛ وبمعالجة وجوه النقص والعلل المتعلقة بهذا الجانب الذي يظهر في الأفكار والقيم السائدة لدى الناس أو بعضهم كما يظهر في سلوكياتهم وأخلاقهم.
لذلك فالسياسة تتجه وتدور حول السلطة،أما النشاط الدعوي فهو يتعلق بالتكوين الفكري الثقافي /القيمي والسلوكي لدي الجماعة أفرادا وجماعات.
السياسي يتوجه لمؤسسات الدولة بما تملك من سلطات مادية ومعنوية، أما الدعوة فتتوجه لجماهير الشعب للإقناع والممارسة العامة.
هناك فارق آخر : هل تحدد دورك وممارستك لتحديد سياسي أم لتحديد دعوي؟
التحديد السياسي يجعلك تنظر إلى التكوينات السياسية التي تمسك بالسلطة إلى أن تصل إليها، بينما تنظر إلى الشيوع الفكري في إطار النظر الدعوي.

في إطار السياسة أنت تنظر إلى القوة السياسية التي تعوق أو تمكن الحركة السياسية ومن خلال أجهزة الدولة ومؤسساتها،أما في الاطار الدعوي فأنت تنظر إلى القوى الفكرية والثقافية في المجتمع من جهة شيوعها وانحسارها.

السياسي يتوجه لمؤسسات الدولة بما تملك من سلطات مادية ومعنوية ،أما الدعوة فتتوجه لجماهير الشعب للإقناع والممارسة العامة

سمات أو خصائص الخطاب الدعوي وملامحه في زمن كورونا!

١-خطاب أخلاقوي؛ بمعنى مصادرة العوامل والبني والعلاقات التي تنتج الظواهر المركبة ليختزلها في البعد الأخلاقي فقط.

وكورونا وفق هذا المنظور؛ ليس نتاج رأسمالية متوحشة ونمط تنموي معاد للبيئة، وسياسات دولية وعولمية ، واستهلاك شره …إلخ من عوامل تدور حول المصالح والمؤسسات والبني والعلاقات، وتنتج أفكارًا وقيما يتبناها البشر.

ولكن يدور مناط الأمر عنده حول الاستغفار والتوبة من الذنوب والمعاصي والمظالم التي يقترفها الناس،أو ابتلاء للمؤمن وعقاب لغيره دون بيان لطبيعة هذه المظالم وأشكالها الجماعية والفردية ،والمؤسسية والنظامية ، وأنواعها المستجدة.
“الأخلاقوية” منظور يصادر العوامل المشكلة للظواهر ويختزلها في بعد واحد ووحيد يدور حول التجاوزات الأخلاقية.
وأحب أن ألفت النظر أن المنظور الأخلاقوي للظواهر يسمح بتسرب خطاب المؤامرة بسهولة، لذا فقد رأى بعض الدعاة اقتناعا؛ في حين فعلها الساسة مصلحة،في أن انتشار الفيروس وراءه قوى خفية أو ظاهرة تبغي تحقيق مصالح من وراء تفشيه في العالم.
ويرتبط بذلك المطالبات المستمرة من رجال الأعمال والناس بالتبرع لمعالجة تداعيات الجائحة؛ وفي ذلك إغفال لضرورة تدخل الدولة بإجراءات وسياسات عامة تعيد توزيع أعباء الفيروس ومعالجة التفاوتات التي يحدثها.
٢-خطاب يدور حول الفرد ولا يدرك بشكل كاف تشكلات الجماعة في مؤسسات وبنى تدور حول الثروة والسلطة.

لذا فهو يتجه إلى الفرد لإصلاح أحواله وقد يتجه إلى الجماعة، ولكن باعتبارها مجموعة من الأفراد لإصلاح أحوالهم أيضًا.

وهنا ينشأ مأزق هذا الخطاب ،فهو غير قادر على الانتقال من  (وباء المصاحبة ) الفردي إلى إدراك طبيعة الدولة ، وغير قادر على مخاطبة المجتمع لتحقيق صالحه العام.
أنا أدرك أن هذا ليس من صلب وظيفة الدعوي بل هو من جوهر السياسة،بمعني أن الدعوي يدفع ثمن غياب وضعف السياسة ،ففي غياب الأخيرة، يتم المراهنة على الدعوي لتحقيق التغيير المطلوب برغم أن جوهره هو تغيير ما بالذات /النفس الفردية والجماعية تمهيدا لتغيير ما بالدولة والعالم من بني ثروة وسلطة.

وقد يحدث العكس أيضًا ؛بمعني أن فائض الخطاب الدعوي قد يغطي على القضايا التي تقع في قلب السياسة بمعناها المتسع.

الأزمة السياسة لا تنعكس على الإسلامي فقط بل تمتد لنقيضه العلماني أيضًا حين تتحول السياسة لديه إلي ممارسة ثقافية

وهذا يجعله يقع في تناقضات متعددة ؛ففتوى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف تدعو المسلمين إلى دعم المرضى ومساعدتهم والإكثار من أعمال البر والخير، وتغفل في الوقت ذاته أي مخاطبة للسلطة السياسية في ضرورة القيام بواجباتها نحو مواطنيها، برغم دعوتها لنا إلى الالتزام بأوامر السلطة واجراءاتها الاحترازية.
[ملاحظة جديرة بالاعتبار:إن أزمة السياسة لا تنعكس علي الإسلامي فقط بل تمتد لنقيضه العلماني أيضًا حين تتحول السياسة لديه إلى ممارسة ثقافية ، لكن هذا يحتاج إلى تفصيل لاحق].
ثالثًا :الغموض:- فهو وإن انطلق من مرجعية الإسلام كدين،إلا أن الإطار الديني دائما وأبدًا حمال أوجه متعددة من التفسيرات والتأويلات التي تصل في أحيان كثيرة إلى التناقض والتنافس بين اتباعها،أو المصادمة والتناقض مع قيمها الأساسية (مثال تبني بعض الإسلاميين لسياسات نيوليبرالية جوهرها إعلاء قيم السوق ،أو تصور الدولة الإسلامية باعتبارها دولة الحداثة المعاصرة ).
بل أزعم أن أحد الصراعات الأساسية التي جرت ولا تزال تجري في المنطقة الآن؛ تدور حول أنماط التدين المتعددة في المجتمع ،خاصة أن وراءها قوة دفع من مؤسسات ومصالح وارتباطات داخلية وخارجية (لذا فإني أعيب على بعض المثقفين التعامل مع الخطابات الإسلامية باعتبارها كلا واحدًا)
طبيعة الخطابات الصادرة عن الأديان،أنها منفتحة علي مختلف التفسيرات والتأويلات وتتفاعل بشكل متعدد مع السياقات التي تتحرك فيها ،كما تستخدم المقولات الدينية لتسويغ الاختيارات والانحيازات ،وفي أحيان كثيرة تتجاور الانحيازات والاختيارات دون شعور بالتناقضات بينها.
أنا أفهم الخطاب الإسلامي في سياق جائحة كورونا باعتباره سبيلًا للتميز الحضاري، وقدرته علي إنتاج نمط تنموي مستقل ( ليس في بعده الاقتصادي فقط، وإنما في مكونه وفلسفته التي يتأسس عليها أيضا) ؛نمطًا يرفض الاستهلاكية الشرهة ومبادئ السوق كقيم هادية لحياتنا،ويرفض الاعتداء الشرس علي الطبيعة كلها بل أزعم أنه بدون هذا الانعتاق-أي الاستغفار والتوبة عن المظالم الفردية والجماعية والمؤسسية- لن نكون قادرين على استرداد ذاتيتنا.
كما أفهم المكون الدعوي فيه من جهة ضرورة تمثله في أشكال حديثة، فالعالم المعاصر يقدم لنا أشكالا وصيغًا يقع أغلبها في نطاق المجتمع الأهلي بأدواره المتعددة من توعية وضغط وتنمية بشرية ومجتمعية وتشبيك ٠٠٠إلخ بما يسمح بتجسيد لقيم الدعوة في الواقع المعيش.

أحد الصراعات الأساسية التي جرت ولا تزال تجري في المنطقة الآن؛ تدور حول أنماط التدين المتعددة في المجتمع ،خاصة أن وراءها قوة دفع من مؤسسات ومصالح وارتباطات داخلية وخارجية (لذا أعيب على بعض المثقفين التعامل مع الخطابات الإسلامية بإعتبارها كلا واحدًا)

فتاوى الجائحة
لقد لاحظ بحق الباحث الشرعي المتميز د. مسعود صبري في كتابه الذي جمع فيه فتاوي الجائحة وصدر عن دار البشير :”أن فقهاء الأمة لم ينشطوا في نازلة مثلما نشطوا في تلك النازلة … والسعي الحثيث لنشر الفتاوي بكل وسيلة ممكنة، وأن الأزمة أبرزت عن جهد جمعي رائع في الاجتهاد الفقهي، مما يعد ظاهرة صحية من جانب الفقهاء “.

ويضيف أن فتاوى تعطيل المساجد ومنع الجمع والجماعات قد استحوذت على غالب الفتاوى في المجامع والهيئات الفقهية.
إلا أن هذه الملاحظات العامة لا تخفي بعض خصائص الخطابات الدينية التي تستحق الحوار بشأنها ومنها :
١-العلاقة المضطربة بالسلطة السياسية ؛ فالفتوي لا تتأسس في مسألة الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الفيروس على المرجعية الشرعية؛ أي من داخل النسق الفقهي، بل بما تصدره السلطة السياسية من قرارات وما تتخذه من إجراءات :”يوصي الجميع بالتقيد التام بما تصدره الجهات المختصة من الإجراءات الوقائية والاحترازية والتعاون معها في ذلك امتثالا لقوله تعالى: (وتعانوا علي البر والتقوي ) .

بل إن أغرب ما قرأت أن تؤسس اللجنة الدائمة للإفتاء في مجمع فقهاء أمريكا الشمالية فتواها في ترك صلاة الجمع والجماعات على قرار السلطة المحلية للولاية أو المدينة :”فلا يجوز لإدارة المساجد والمراكز الإسلامية إلغاء صلاة الجمعة أو الجماعة بها لأجل وجود فيروس كورونا في الولايات المتحدة ،إلا لو أصدرت السلطات الصحية بمدينة معينة تعليمات تلزم بإغلاق دور العبادة ومنع التجمعات “-بحسب الكتاب المذكور.
أنا أدرك غياب نظرية فقهية كلية للتعامل مع الفتوى في ظل الدولة القومية الحديثة، التي لا تؤمن بوجود مرجعية مفارقة لها أي من خارجها، وقد أوجد هذا الغياب اضطرابا في علاقة الدولة بالدين سواء في داخل البلدان ذات الأغلبيات المسلمة، أو تلك التي يعيش فيها المسلمون أقلية.

إلا أن الانطلاق من التأسيس من داخل المرجعية الشرعية يسمح بالالتقاء مع الاجراءات التي اتخذتها السلطة ويحافظ في نفس الوقت على حصانة الفتوى في حال إن كانت هذه الاجراءات غير مناسبة أو فعالة.
كما أن هذه العلاقة المضطربة مع سلطة الدولة قد جعلت من الخطاب الفقهي تابعا وليس مستقلا أو مبادرا ؛ فهو يدعم خطاب السلطة فيما تتخذه من إجراءات أو قرارات [لذا فهو يأتي بعد أن تصدر الدولة قراراتها وتتخذ سياساتها].

ولا يحمي الناس من تداعيات الجائحة؛ فلم نسمع فتوى واحدة- من هذه المجامع التي نشطت في معالجة نوازل الجائحة -تعالج ظاهرة تسريح العمالة أو ترحليها بلا حقوق أو العمالة غير الرسمية …إلخ

من ظواهر تمس قطاعا عريضا من الناس، واكتفي بعضها بدعم العمالة المؤقتة أو غير الرسمية من مدخل إغاثي /خيري فقط.
٢-تأسيس الفتاوى علي العلم ؛فقد أشارت هذه المجامع في تعطيل الجمع والجماعات إلى أن قرارتها استندت إلى تقارير طبية وآراء علمية وبيانات وإحصاءات ،بل إن المجلس الأوربي للإفتاء قد عقد اجتماعه وتداول نقاشه في حضور عدد من الأطباء، وكأنَ الخطبَ جلل يحتاج في الأخذ به إلى المساندة من الأطباء.
ولكن هل يمكن لهذا التأسيس المستند إلى العلم أن يمتد لمجالات وموضوعات أخرى بما يسمح بامتزاج حقيقي بين العلم في مناحيه المختلفة وبين النظر الفقهي ؟

علاقة المضطربة مع سلطة الدولة قد جعلت من الخطاب الفقهي تابعا وليس مستقلا أو مبادرا ؛ فهو يدعم خطاب السلطة فيما تتخذه من اجراءات أو قرارات،ولا يحمي الناس من تداعيات الجائحة؛ فلم نسمع فتوي واحدة-تعالج ظاهرة تسريح العمالة أو ترحليها بلا حقوق

٣-غياب رؤية شرعية كلية يتأسس عليها النظر الفقهي الجزئي؛ فباستثناء المجلس الأوربي للإفتاء الذي صدَّر فتاويه برؤية شرعية كلية للنظر للأوبئة : تعاملت أغلب الفتاوي مع قضايا جزئية ، وقد سمحت هذه الرؤية الكلية للمجلس الأوربي أن يثير عددًا من القضايا الهامة من قبيل :”الإفساد في الأرض في علاقة الإنسان ببيئته والمصادر الطبيعية ،والظلم الذي نشهده بأنواعه المختلفة ،والاستخفاف بالإيمان والأخلاق والقيم حتي اختل التوازن الكوني العام كما نلاحظ في العقود والسنوات الأخيرة”.

“والخلل الذي يمس القيم والأخلاق ،والخلل الحاصل في إقامة العدل بين الناس وحسن توزيع الثروات فيما بينهم والخلل في مجال التعامل مع البيئة والحفاظ عليها من أسباب التلوث والتغير ،والخلل الناشئ من إشعال الحروب والصراعات ،كلها من الذنوب التي ينبغي أن تتوب منها البشرية ،ويأتي الابتلاء محذرا لها من مغبة الاستمرار في سبل الظلم والعدوان.
تذييل:
لطيفة (١): آيات تغيير ما بالنفس (إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم – وما كان الله مغيرًا نعمة أنعمها علي قوم حتي يغيروا ما بأنفسهم)خطابها للجماعة لا للفرد ،ولا يعني هذا عدم تغيير الفرد ما بنفسه ، ولكن تغيير الأقوام والأمم هو تغيير جماعي في البني والمؤسسات والعلاقات ؛كما في الذات الفردية.
لذا فإني أميز بين خمسة أنواع من الخطاب :الفرد -المجتمع-النظم-الدول-الإتسانية.
لطيفة(٢): خطاب التوحيد الذي جاء به الرسل جميعًا ؛من شأن الإيمان به تفكيك البني والعلاقات القائمة التي مدارها السلطة والثروة ،لذا فقد أدرك المخاطبون بها ذلك،فمن قبلها وآمن أو رفضها وكفر كان يدرك أنها ستغير ما بنفسه ولكنها ستعيد صياغة العلاقات والبنى.

 

 

 

 

 

 

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة