عمر هارون .. هل طار السمبر بعيدا عن النهر؟

البروفيسور السوداني عمر هارون

عاد البروفيسور في ذلك اليوم الي منزلة بضاحية الصافية بالخرطوم بعد الظهر، وخرج عصرا بملابس الرياضة إلي ممارسة رياضة المشي على ضفة النيل كعادته كل يوم، ولكنه لم يعد.

كان اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر  من العام 2012  يوما عاديا بالنسبة إلى البروفيسور والعالم السوداني البارز عمر هارون الخليفة .

عاد البروفيسور في ذلك اليوم الي منزلة بضاحية الصافية بالخرطوم بعد الظهر ، وخرج عصرا بملابس الرياضة إلي ممارسة رياضة المشي على ضفة النيل كعادته كل يوم، ولكنه لم يعد إلي يوم الناس هذا.
كان خبر اختفاء البروفيسور صادما للمجتمع السوداني، واستنفرت له كل الجهات المختصة إمكانياتها، وكذا الإعلام وتم لاحقا تكوين لجنة عليا برئاسة المشير عبدالرحمن سوار الذهب،  للكشف عن خبايا الحادثة غير المعهودة وعن مصير العالم المفقود، ورغم الغياب الذي أمتد إلى ثمان سنوات، لا تزال الآمال معلقة  في خيط يكشف حقيقة اللغز الكبير.
العالم السوداني البارز عمر هارون  تذكر سجلات كلية الآداب بجامعة الخرطوم أنه حقق أعلى معدلات التفوق في تاريخ الكلية، وقد أهله نبوغه لاستكمال دراساته العليا والحصول على الدكتوراة في علم النفس، من جامعة نيوكاسل البريطانية في وقت وجيز.
كان البروفيسور يعمل وقتها أستاذا بجامعة الخرطوم وأستاذ زائرا في جامعة كيوتو باليابان، ومستشارا  للهيئة القومية لرعاية الموهوبين بالسودان،  بعد أن أدخل برنامج اليوسيماس (العبق) وبدأ أيضا مشروعا طموحا للكشف عن الأطفال الموهوبين في مناطق السودان المختلفه والذي سماه (مشروع طائر السمبر).
 يعد مشروع طائر السمبر من أهم الأفكار والأعمال التي ابتدرها البروفيسور هارون وعقدت عليه آمال عراض.      
طائر السمبر  (اللقلق الأسود) هو طائر موسمي في السودان، كبير الحجم، يصل طوله إلى المتر،  يتميز بلون ريشه الأسود اللامع الذي يغطي جسده باستثناء البطن ذات اللون الأبيض الناصع، و يزيد من جماله سيقانه الحمراء الرشيقة التي يمشي بها في الحقول في ثقة وخيلاء.          

عاد البروفيسور في ذلك اليوم الي منزلة بضاحية الصافية بالخرطوم، بعد الظهر وخرج عصرا بملابس الرياضة إلي ممارسة رياضة المشي على ضفة النيل كعادته كل يوم، ولكنه لم يعد إلي يوم الناس هذا.

لعل ملكات البروفيسور هارون المتفردة تظهر بجلاء  في اختياره لأسم المشروع بما  يحمل الاسم من صفات الطائر، ورمزيات جمعها هذا العبقري في شعار مختصر  يذخر بالمعاني، فطائر السمبر يراكم خبرات ومهارات أسلافه عبر السنين ويستعين بها في هجرته الموسمية عبر رحلاته القارية الطويلة.
 فهو طائر مهاجر ويأتي إلي السودان مع بداية فصل الخريف فيستبشر الناس برؤيته بهطول المطر، علاوة على خبرة الطائر الفائقة في الملاحة الجوية، ويذهب علماء الطيورإلى أن  للطائر جهاز توجيه يشبة إلي حد كبير جهاز التوجيه (gps) في رحلاته الطويلة ويعود به العام المقبل إلي نفس البيت ونفس الشجرة بل ونفس العش الذي تركه العام الماضي.

حملة دعم مستمرة منذ اختفاء البروفيسر السوداني عمر هارون

 فهو طائر وفي، ذكي وحريص فهو يطير في الأعالي فوق مجري الأنهار ومسطحات المياة  ويتفادى الصحاري القاحلة ولهذا يستطيع  النزول إلي الماء والغذاء الذي يراه  بعينه الثاقبة، ولنا أن نتأمل في هذا الزخم من الرمزيات التي جمعها بروفيسور هارون،  بذكاء لتكون عنوانا ومانفستو لمشروعه الطموح الكبير. الذي يستند على تراكم التجارب والحضارات السودانية ويرتقي بها إلي معالي العلم والتكنولوجيا وهو يبصر ويبحث بعين السمبر الحادة ويلتقط الأطفال الاذكياء والمواهب المتفردة .
 لعل سيرة البروفيسور عمر هارون الخليفة الذاتية وأبحاثه منشورة على الشبكة  العنكبوتية بما يغني عن إيرادها في هذا الحيز إنما مختصر مسيرته يكشف أنه من مواليد مدينة الرهد شمال كردفان في العام 1962، وأكمل تعليمه في السودان وإنجلترا في تخصص علم النفس ونال درجة الدكتوراه من جامعة نيوكاسل والأستاذية في جامعتي الخرطوم وكيوتو باليابان.
 وله عدد كبير من الأبحاث والمؤلفات في تطبيقات علم النفس ونال العديد من الجوائز المرموقة دوليا ومنها جائزة شبكة العلوم النفسية العربية لعام 2010 كأبرز باحث فى علم النفس فى العالم العربى وعمل مستشارا للهيئة القومية لرعاية الموهوبين.
أسس مشروع (طائر السمبر)،كذلك أسس البروفيسور مشروع التدريب علي برنامج العبق (اليوسيماس)  وحصد نتائج غرسه سريعا، وذلك بالنظر إلي النتائج الباهرة التي أحرزتها الدفعات الأولي من أطفال السودان من طلابه في منافسات اليوسيماس حول العالم.

 ”اليوسيماس“ هو وسيلة لتدريب الأطفال من أجل تحسين المهارات الذهنية وتعتمد علي فكرة تنشيط القدرات العقلية العملية في نصف الدماغ الأيمن

وقد كان هذا النجاح مصدر سعادة كبرى للبروفيسر هارون وتضاعفت سعادته وهو يري توجه الدولة في طريق تعميم مناهج اليوسيماس على أطفال المدارس في السودان.
وبرنامج ”اليوسيماس“ هو وسيلة لتدريب الأطفال من أجل تحسين المهارات الذهنية وتعتمد علي فكرة تنشيط القدرات العقلية العملية في نصف الدماغ الأيمن (مركز الخيال والإبداع) علاوة على زيادة فعالية النصف الأيسر، وذلك عبر التدريب على إجراء العمليات الحسابية باستخدام آله يدوية صغيرة.
 كما  يزيد  البرنامج من الذاكرة العددية للارقام الطردية والعكسية  لدى الأطفال عند قياسها في الأبحاث بمقياس وكسلر لذكاء الأطفال  مقارنة بغير المتدربين. كذلك  ينمي الذاكرة البصرية لدى المتدربين عند قياسها بالبطاقات التعليمية وأسطوانة الذاكرة.
قام البروفيسور هارون بدراسة مقارنة بين  أداء الأطفال في كل من السودان، أمريكا واليابان والتي أظهرت بأن الأطفال في السودان يحتاجون إلى 150 ثانية لاداء بعض إختبارات الذكاء،  بينما يحتاج الأطفال في أمريكا إلى 120 ثانية وفي اليابان إلى 90 ثانية فقط.
 أقترح هارون التدخل تقليص الفرق الكبير بين أداء الطفل السوداني والياباني باستخدام برامج اليوسماس  التي اثبتت الدراسات فعاليتها في تقدم ملكات الأطفال المتدربين في حل المشكلات مقارنة بما قبل التدريب خلال 41 دقيقة وبعد التدريب خلال 33 دقيقة فقط وبذلك يكسب الطلاب ثمانيه دقائق  مقارنة بغير المتدربين.

لا يزال إختفاء البروفيسور عمر هارون يخفى الكثير من الأسرار لكن يبقي السؤال المهم،  هل يعود البروفيسور هارون يوما ليستكمل ما بدأه من مشاريع جليلة أم تبقى قصتة مجرد سيرة أنيقة لرجل نبيل وعالم جليل أراد أن يغير مستقبل بلاده بما يرفعها إلي مراقي العلم والتقدم.

ويعتبر البروفيسور هارون أن الثماني الدقائق هذه تعمل على تفجير الطاقة العقلية للأطفال بشكل كبير . ويدلل علي ذلك بقوله عن طلابه من الأطفال المتدربين : يستطيع بعض الأطفال في السودان  حل 150 مسألة حسابية معقدة خلال 8 دقائق وذلك أسرع من مستخدمي الآلة الحاسبة والورقة والقلم بل والكمبيوتر أيضا .
 وقد كان حلم الرجل الذي عمل من أجله بجد وجهد كبيرين أن يغير فلسفة التعليم في البلاد بطريقة تضعها في مصاف الدول المتقدمة علميا و تقنيا وذلك عبر إكتشاف المواهب العلمية وصناعة العباقرة.
لايزال إختفاء البروفيسور عمر هارون يخفى الكثير من الأسرار لكن يبقي السؤال المهم،  هل يعود البروفيسور هارون يوما ليستكمل ما بدأه من مشاريع جليلة أم تبقى قصتة مجرد سيرة أنيقة لرجل نبيل وعالم جليل أراد أن يغير مستقبل بلاده بما يرفعها إلي مراقي العلم والتقدم؟
تتعدد الأسئلة المنطقية عن هذا المصير الغامض لهذا العالم الفذ، وإن كان نشاطه العلمي الكبير قد أزعج بعض الجهات فقررت إيذاءه؟  أم أن طائر السمبر الحصيف قد غفل لحظة وطار بعيدا عن ضفة النهر. .

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة