كورونا تصنع عالما جديدا

لا أحد كان يظن قبل “زمن كورونا” أن نصف سكان الأرض سيجبرون على دخول منازلهم، خوفا من عَدوٍّ فتَّاك لا يُرى بالعين المجرَّدَة.

يطرح هذَا السُّؤال في هذا التوقيت بالذَّات نظرا للحياة الجديدة التي أصبحَ الإنسان مجبراً عليها، بل طال الأمر كل المؤسسات ووسائل التواصل المختلفة والخطابات التي على مرأى العين. 

لا أحد كان يظن قبل “زمن كورونا” أن نصف سكان الأرض سيجبرون على دخول منازلهم،خوفا من عَدوٍّ فتَّاك لا يُرى بالعين المجرَّدَة.
 هل هي سلطة القدر؟ أم سلطة البشر الخفية والمدبرة بليل؟ ما حقيقة “فيروس كورونا cvd 19″؟ تبدو مثل هذه الأسئلة القلقة والمحيِّرة والكثيرة.. تطرح من جديد حول مصير الإنسان فوق هذه البسيطة أي أفق؟ وأي شيء نتظر البشرية؟ هل نحن مقبلون على عالم جديد؟
فالمتتبع للأرقام التي نتابعها صباح مساء على وسائل الإعلام والمواقع الرسمية في دول العالم بين حالات وفيات وإصابات جديدة حالة تنذر بهول الكارثة التي حلت بنا في عام 2020. يحتفظ لنا التاريخ  بسجل كبير من زمن الأوبئة التي حلت بالعالم ومن أشهرها فتكا طاعون “عموس” نسبة إلى قبيلة  عمواس بالقرب من القدس وقد ظهر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب في السنة 18 للهجرة إذ حصد حوالي 30 ألفا من أهل الشام.

وطاعون “جستنيان” الذي ظهر في مصر سنة 541م الذي ظهر في عهد الإمبراطور جستنيان ولذلك الطاعون باسمه وأصيب هو أيضا منه، ولكنه تعافى منه،وقد حصد حوالي 50 مليون شخص أي حوالي نصف سكان العالم آنذاك.

لا أحد كان يظن قبل “زمن كورونا” أن نصف سكان الأرض سيجبرون على دخول منازلهم،خوفا من عَدوٍّ فتَّاك لا يُرى بالعين المجرَّدَة.

وأيضا ظهور “الموت الأسود” مابين 1331 و1351م،  أخطر كارثة إنسانية عرفتها البشرية في القرن 14 انتقل من الصين إلى الهند ثم آسيا الوسطى حتى اجتاح أوربا وشمال إقريقيا، حصد مئات الآلاف بل الملايين من سكان العالم.

تحدثنا بعض المصادر التاريخية أن عدد الضحايا الموت الأسود يقدر بـ 75 مليونا إلى 200 مليون إنسانا أدى إلى تغير جذري في أوربا على المستوى الاقتصادي، ومنها اختفاء الطبقات.
وطاعون “لندن العظيم” سنة 1665 في هولاندا قتل مئات البشر، ومرض “الجذري” الذي ظهر في مصر وقتل مابين 300 و 500 مليون شخص، ومرض “الكوليرا” الذي ظهر بالهند خلال القرن التاسع عشر حصد أرواح الملايين حول العالم… تعد هذه الأمراض الأشد خطورة في التاريخ تحتاج إلى طرح أسئلة جديدة.
 إنَّ تحدِّي اليوم  راجع إلى مسألتين أساسيتين: أولهما؛ راجع إلى ما مدى التزام الأفراد بشروط السَّلامة الصِّحية التي تصدرها عن المؤسسات الرسمية في الدول، ومنظمة الصحة العالمية بالخصوص حول وضع الاحتراز الشديد لتجنب السيناريوهات السوداء للأفراد والمجتمعات الإنسانية.
وثانيهما؛ يعود إلى الآمال المعلقة على العلماء والخبراء على إيجاد لقاح فعال يخلص الإنسانية من الكارثة الإنسانية.
ويبدو من خلال ما تصدره المواقع الإخبارية من حالة تأهب للقاح للمرض من خلال تسارع الدول لإيجاد لقاح فعال يحترم المعايير الدولية، آنذاك سيزُفُّ خبرا سارا للعالم يعيد الحياة إلى مجراها الطبيعي وهذا ما نتمناه.

إن التوجس الحقيقي اليومي الذي يشغل بال الإنسان حول استمرار هذا الوباء خلال الأشهر القادمة التي ستكون لها تداعيات نفسية واجتماعية تزيد من حدة الأزمة وتفاقمها وخاصة في المجتمعات العربية، وستنعكس كذلك على الدول المتخلفة التي تعاني من تردي الخدمات الصحية والبنية التحتية اللازمة وعلى الأسر كذلك.
 نتأسَّفُ كثيرا على فقد العالم ثروة بشرية بحلول هذا العام وما زالت ولحد الآن الأرقام في تواصل مستمر، سنشيع جنازة إنسانية كبيرة على الأرواح والمفقودين ونترحم عليها، إنها خسارة كبيرة لا تقدر بثمن. فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة التي يمر منها العالم لا يمكن أن تقدر بخسارة الأرواح من جراء هذا الوباء اللعين. وفي هذا تعلمنا “كورونا” دروسا وعبرا ومنها:
تعلمنا أنَّنَا يجب العيش بإخاء وسلام بعيدا عن الصراعات الضيقة والأيديولوجيات  البائدة التي تجاوزها الزمن، فالعيش الإنساني المشترك يحتم علينا التسامح والتضامن والتعايش بسلام وأمن بعيدا عن التطاحنات والخلافات والنزاعات والحروب .

 نتأسَّفُ كثيرا على فقد العالم ثروة بشرية بحلول هذا العام وما زالت ولحد الآن الأرقام في تواصل مستمر، سنشيع جنازة إنسانية كبيرة على الأرواح والمفقودين ونترحم عليه

تعلمنا “كورونا” أن البشرية تفتقر إلى الحلول الآنية للمشاكل والمخاطر التي تهدد الإنسانية مهما بلغت من التطور التكنولوجي والاقتصادي فإنها تظل عاجزة عن الحل أمام أول امتحان بسيط. مالم يكن التظافر والتعاون الحقيقي بين المجتمع الدولي.
 لهذا يدعونا التفكير الموضوعي والتأمل النظري إلى إعادة ترتيب العالم ووضع كل في مكانه الطبيعي، وعدم الركون إلى المسلمات الجاهزة التي آمنَّا بها ردحا من الزمن.

فالمجتمعات التي ظننا أنها مكتفية بذاتها وقادرة لوحدها أن تصنع التاريخ، تحولت في زمن كورونا إلى مصدر للوباء وبركان ينفجر في كل لحظة، نموذج إيطاليا، وإسبانيا، والولايات المتحدة..

إننا بحاجة اليوم إلى التفكير في الخطاب السائد للوعي باللحظة والمصير، والمستقبل في زمن متغير ما بعد “كورونا” وما سينجم عنه من نتائج على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لصنع غد أفضل.

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة