خمس أفكار لاستقبال رمضان بثوبه الجديد

يحتفل المصريون باستقبال الشهر الفضيل منذ الستينات وحتى الآن بالاستماع إلى أغنية "رمضان جانا"
يحتفل المصريون باستقبال الشهر الفضيل منذ الستينات وحتى الآن بالاستماع إلى أغنية "رمضان جانا"

كعادته يأتي رمضان ليروينا بعد ظمأ،ويسعدنا بعد طول شقاء، يأتي غيث رمضان ليسقي أرض قلوبنا المجدبة فتثمر من كل صلاح بهيج، يأتي ليخلصنا من ذنوبنا- وليطهرنا من أدران قلوبنا وليسري عن همومنا، يأتي نجما في ليل بهيم يستدل به التائهون على الدرب.
وكعادتنا نستقبله استقبالا يليق به وبمن أرسله، ولابد أن نحسن استقباله هذا العام؛ فرمضان هذا العام مطلوب منه أن يضيف لقائمة أعماله محاولة التخفيف من الآثار السلبية لجائحة كورونا والمساهمة في الحد من انتشار كآبة الحظر مع تقديم علاج روحي لكل مهموم وخائف.
إن الناس متفاوتون في ردود الفعل في أغلب المواقف، وأكدوا لنا هذه النظرية وهم يترقبون هلال رمضان؛ فمنهم المرحب المشتاق التي تنزل دموعه فرحا لتغسل هموم عام وذنوب أيام، ومنهم المشتاق المحب الذي يبكي حزنا لغياب مظاهر رمضان بداية من التراويح والتجمعات نهاية بالاعتكاف والتبريكات.
ولكنّ المحب لرمضان والمشتاق لهدية الرحمن مؤمن بقضاء الله وقدره؛ فهو يعلم – رغم حزنه على إغلاق المساجد – أن الأمر بيد الله وأن رب المساجد جعل كل الأرض مساجد ” وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمْ “، ولأنه يعلم علم اليقين أن أبواب المساجد أغلقت في الوقت الذي فتح الله فيه أبواب الجنان، وأن أهم باب لم يغلقه الله في وجوه عباده وهو باب التوبة؛  ” فمن داوم قرع الباب يوشك أن يُفتح له”.
ولأن الكثيرين تساءلوا كيف نقضي رمضان ببيوتنا بروح رمضان القديم، وكيف نستشعر متعته، ونذوق حلاوته، ونسعد ببهجته؛ أردت أن أقدم خمس نصائح لنجعل بيوتنا جنة في رمضان، ولينتشر عطر رمضان في الأرجاء لنعوض غياب الأحباب ورفقة الأصحاب:

خطط قبل الانطلاق.

يفوز في كل سباق من يستعد، ويتميز من تميز في التخطيط، وهذا يحدث في كل أمر دنيوي، فحري أن يكون الاستعداد الأخروي أكبر “وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ”، فلنستعد ولنعد العدة للفوز والخروج من سجن المعاصي إلى حرية الإيمان، ولنسارع قبل فوات الأوان” وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً” ؛ فسارع مع المسارعين ، اجلس مع أسرتك وخطط لرمضانك ورمضانهم، وحدد هدفك وعدد ختماتك، وأجب عن سؤال قلبك العائد: كيف ستشغل وقتك بالطاعة قبل أن تنشغل بالمعصية؟
2-احزم حقائب العودة.
رمضان فرصة عظيمة لتجديد العهد مع الله؛ فمزق دفاتر ذنوبك القديمة، وسجل بأعمالك كتبًا من الحسنات تمحو ما سلف من خطايا وسيئات، اجلس مع نفسك جلسة توبة وندم ونق قلبك؛ فالجنة التي تفتح أبوابها في رمضان تذكرتها قبل العمل الصالح قلب سليم ” إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ “؛ فلا تدخل رمضان إلا وقد طهرت قلبك بمطهرات الاستغفار وعقمته بالذكر وحصنته بالدعاء.

3-اجعل بيتك قبلة.
إن أغلقوا آلاف المساجد نتيجة للظروف الصحية؛ فسيفتح المؤمنون ملايين المساجد؛ فكل بيت مسجد، وكل بقعة طاهرة مسجد؛ فخصص للصلاة ركنا بالبيت ونظفه وعطره وزينه بالقرآن محتسبا الأجر من الله عز وجل؛ فأنت تنفذ أوامره “وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ”، اجمع أهلك على الصلاة والقرآن، وانشغلوا فيما يرضي الله من مسابقات ثقافية ودينية، تدارسوا سيرة الحبيب، تواصلوا هاتفيا مع البعيد والقريب، صلوا أرحامكم التي قصرتم في حقهم هاتفيا تمهيدا للتواصل العائلي بعد نهاية الأزمة، تنافسوا في الذكر والدعاء والاستغفار، اجمعوا صدقات بيتكم لتصل إلى المتعففين الذين يمنعهم حياؤهم من السؤال رغم قلة الحيلة، تواصلوا مع أبناء المظلومين وكونوا عونا لهم، أبدعوا في الفعاليات المنزلية التي تهون الحظر المنزلي وتحوله إلى معسكر إيماني واعتكاف رباني.

4- تميز في الانطلاق.
رمضان شهر السباق والتنافس والتميز، وكل مؤمن ينبغي أن يسارع ويسابق ليدخل من الباب المناسب له؛ فهذا يتقن صومه ليدخل من باب الريان، وهذا يقف معتصما أمام باب التوبة حتى يُفتح له، وهذا سيدخل من باب الصدقة والإحسان، وهذا يحيا في ظلال القرآن ليشفع له؛ فما الباب الذي ستدخل منه؟.
والمسارع الحقيقي من يسابق لجميع الأبواب وتجده -كالصّدّيق حينما سأل الرسول أصحابه عن عمل الخير- مجدا واقفا على كل باب، فتميز بعملك واجعل هذا الاختبار لك لا عليك، اجعل المحنة والحظر منحة وفضلا، تميز في الذكر أو الدعاء أو القرآن أو القيام أو الصدقة، المهم يا صديقي أن تكون بقلبك هناك “فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر”.

5- احذر أعداء النجاح.
رمضان هدية من الله لعباده المقصرين والمجدين؛ فمنهم من يعود ويقترب ومنهم من يستمر ويرتقي، ولأن الشيطان لا يرضى أن يتركنا شهرا دون إغواء؛ يفوض أولياءه لإدارة شؤون الإفساد؛ بإنتاج مسلسلات وملهيات تبعد الناس عن طاعة الله ، وتنفق عليهم الدول الملايين ليقوموا بدورهم الناجح في الفشل، وكأنهم عزَّ عليهم أن يتركوا الناس شهرا مع ربهم الذي يريد قربهم ويريدون بعدهم “وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا”؛ فابتعد وأهلك عن أعمالهم وأغلق باب كل فساد؛

فالله يريد أن يخفف عنك، وقلل ما استطعت من الدخول على مواقع التواصل وإحصاءات الفيروس؛ فخُلق الإنسان ضعيفا، وحدد لنفسك وقتا بسيطا تتابع فيه أهم الأخبار أو تكتب فيه كلمة دعوية أو تنشر فكرة مجدية بشرط ألا يزيد انشغالك بالفيسبوك عن نصف ساعة في اليوم؛ فرمضان أيام معدودة وأنفاس محدودة، وما ندرى هل سندركه العام المقبل أم لا؟ ولذا فصم صيام مودع، وادع الله أن يتقبل منك ومن المسلمين طاعتهم؛ فالفائز من فاز في رمضان، جعلنا الله وإياكم من الفائزين.

 

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها