يَوميّات كاتب في الحجر

البيت حافز لتنمية موهبة المطالعة، وفي العادة، يتعلم الأطفال عادة القراءة من تقليد آبائهم.

ها هي تقف وقفة آدمي بكبرياء عجيب، تحملق في وجهي بملامح قاسية وكـأنني لم ألمسها قط!
وكأنني ما حضنتها قط ما آثرتها على وسادتي المفضلة!

فجأةً وبغتةُ وعلى حين غرة وبدون سابق إنذارٍ ولا إخبارٍ ولا إشعارٍ ولا اختيارٍ، فُرض علينا جميعًا الحِجر الصحي من لدن فيروس مِجهريٍّ لا يُرى بالعين المجردة، حيّر العلماء، وأعجز المختبرات المُهَيمنة على الأدوية في سائر أرجاء المعمورة، وخلط أوراق الزعماء السياسيين في العالم، وهزّ الحكومات…وألغى المواعيد والحجوزات واللقاءات والاجتماعات والزيارات…إلخ.
لكن ما العمل في ظل هذه الأجواء التي أٌملت على أي فرد في المجتمع برنامجا مغايرا، وفرضت انقلابا في الأجندات السابقة، والمشاريع المبرمجة، والسفريات الحقيقية والمتخيلة…؟
نعم، وهنا أصف خيالي ولا وعيي الفردي، كنت دائم السفر في تفكيري ورؤاي، سواء أغمضت عينيّ أو تركتهما تحلقان في المفازات، وفي غابات النخيل في الواحات ساعات السحر…
أن تسافر ليس معناه أن تجر حقائبك وأن تتزاحم في المطارات فقط، فضلا عن التماس تأشيرات الدول التي تفرضها على السياح الأجانب…!

 السفر غير المادي للروح في الكون الفسيح، لا مناسبة له، ولا حيز يحكمه، لأن الوعي واللاوعي، دائما في سفر لا يتوقف، عابر للحدود والقيود والمتاريس…

قد نسافر بعض المرات، وفي بعض الأحيان، أو بعض المناسبات، إما سفرَ علمٍ من أجل المشاركة في ندوة أو مؤتمر أو تظاهرة أكاديمة معرفية، وقد نسافر  للاستمتاع بمياه البحر بعد ارتفاع حرارة المدن الجافة البعيدة عن نسائم المحيطات والمتوسطات…

لكن السفر غير المادي للروح في الكون الفسيح، لا مناسبة له، ولا حيز يحكمه، لأن الوعي واللاوعي، دائما في سفر لا يتوقف، في سفر عابر للحدود والقيود والمتاريس…لكن ذلك، كل ذلك، كان يتم في زمن مضى قبل إملاء الحجر، وتقاطر مئات الرسائل الإعلامية والرقمية وبوسائط التواصل الاجتماعي كافة، من أجل لزوم البيوت واستبعاد فكرة الخروج نهائيا ماعدا في الحالات الضرورية التي وصفت بالقصوى…
هنا أحس الكاتب المدون أنه روحه قد شُدت بعِقال الحَجر، وأنها ما عادت قادرة على التحليق حتى في أرجاء الحي الصغير الذي يقطنه الجسد المنهك بآهات المعيش اليومي ومتطلبات التوافق مع اقتضاءات الأسرة وأفرادها الذين لا يملون من الطلب، إن لم أقل الطلبات الملحة …
لم يعد أمام صاحبنا مجال للمناورة وركوب الخيال المجنح والتحليق في سماوات اللاحدود والأصقاع النائية التي لم تطأها أقدام العوام.
بعد تفكير قصير، قرر أن يلوذ بخزانة كتبه التي كان يحس أنه نسي بعض عناوينها الكثيرة التي كانت تتزاحم على تلابيب عقله، وتتراقص أمام ناظره…
يبدو أنه أخيرا بعدما رأى الناس تتسابق على مواد التمويل والغذاء، وكأننا في استعداد وتأهب لحرب طويلة، لا يعلم أحد متى ستنتهي…قد اهتدى لعالم الكتب هُروبا من الوباء الذي اختلط بكل شيء في الوجود…
بدأ منذ اليوم الأول للحجر الصحي يقرأ العناوين من جديد كأنه يراها لأول مرة، يا إلهي أهذه كلها كتبي؟
متى اشتريتها؟
متى أهديت لي؟
كيف اصطفت في هذه الرفوف؟

 ها هي تقف وقفة آدمي بكبرياء عجيب، تحملق في وجهي بملامح قاسية وكـأنني لم ألمسها قط!
وكأنني ما حضنتها قط!
ما آثرتها على وسادتي المفضلة!
وكأنني ما قدمتها على أبنائي وزوجي!
لا أدري كيف انتابني ساعتها إحساس ما بأنها انتبهت بضعفي وقلة حيلتي وأنني لم ألجأ إليها إلا تحت ضغط الضرورة القصوى!
حدثت نفسي قائلا، لا حرج…الكتب هي أيضا لها مشاعر وأحاسيس مثل الحيوان الذي يعرف صديقه الذي غاب عنه جيدا!
بل، قد تكون مثل الإنسان أيضا، مثل الأنثى التي تغار على زوجها من زميلات العمل…من طالباته، ومن أي أنثى تحاول أن تلج عوالمه الحقيقية أو الافتراضية!
عاهدت نفسي ألا أتغيب عنها كما كنت أفعل!
ألا أتشاغل عنها بمفاتن العصر الجديد!
وَعَدتُها دون أن تنبس شفتاي ببنت كلمة!
ألا أوثر الفايس بوك عليها!

الكتب هي أيضا لها مشاعر وأحاسيس مثل الحيوان الذي يعرف صديقه الذي غاب عنه جيدا!

ألا أستعيض عن أوراقها بصور مخاتلة يعرضها المُسمى يوتيوب!
يا إلهي! ماكنت أتوقع أن تغار الكتب على صاحبها كما تغار الأنثى على المذكر أو أكثر!
بدأت أيّامي الأولى في الحجر وجوارحي كلها مُترعة بأشواق ولهفة وحنين لإعادة المرور على العناوين العديدة والكثيرة والكبيرة…
عناوين كتب ومجلدات ومجلات ودواوين شعرية ومجاميع قصصية وروايات من حساسيات متنوعة، ودوريات مختلف أحجامها وألوانها وأشكالها وعصورها…
يا إلهي! كم كنت قاسيا جاحدا، تنكرت لكتبي طيلة ما انصرم من أزمان!
آه! كم قاس أنت أيها المُتنكِّرُ، كيف نسيت أو تناسيت أفضالها عليك وعلى عقلك وعلى جميع خلاياه الظاهرة الحية والخفية التي استبد بها التلف؟
وقفت مشدوهًا لست أدري كيف أنظر في وجه مجلداتك التي اقتنيتها ذات تاريخ حين بدأت أول سنة ما بعد الإجازة…ما زلت أتذكر اللحظة حين توصلت بمنحة الدراسات العليا في جامعتي بالشرق…وهرولت مسرعا في اتجاه أكبر مكتبة بمدينتي…وأنفقت بعض المنحة في اقتناء لسان العرب…واليوم أدرت ظهري لتلك الأسفار التي لا تزال متربعة على عرش خزانتي؟
الآن يا خزانتي المجيدة بعدما اكتشفتك من جديد، كم يلزمني من الوقت لأصل الرحم مع نفائسك؟
 لست مهتمًا بزمن رفع هذا الحجر، فأنا محتاج لأتصفحك، لأحضن مجلداتك التي تذكرني بسنوات الطلب الجامعي، سأقتطع لك من حياتي أوقاتا مديدة!

 

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها