بلا…. نحن على وشك الغروب

شاطئ في أيرلندا

كان يكفي أن تكون لعبتنا هي لعبة دخولنا مدينة الفتيات اللواتي تأخرن عن الزواج، كان ذلك يوجعها لكنني نجحت في إخبارها أنني أقاسمها نفس النكتة.

 لا أعرفها كثيرا، لكن أعرف أننا من مواليد سبتمبر/أيلول ، ولنا شغف القراءة ذاته، هي فتاة بسيطة جدا في حديثها في أناقتها، وفي عذوبة لسانها، متوسطة القامة، ذات وجنتين حمراوتين، ذات جسم مكتنز و أنوثة جاذبة تغرق ناظيرها في تفاصيل تفكيك جمالها الهادئ والهائج على ملامح وجهها العذب.
هكذا رأيتها ومازلت أراها، كنت قد إلتقيتها مرتين لا أكثر، جالسة أمام رمال البحر الذهبية حيث كنت رفقة أصدقائي للأصطياف، في قرية ميرلفت والتي تقع بين مدينة تزينت وسيدي إفني جنوبي المغرب، وكان ذلك في تموز عام 2016.
رأيتها وحيدة تداعب هدير الموج وتلامس حجارة، وليست كباقي الحجارة التي تعودنا على مصادفتها في الأزقة والغابات، بلا هي حجارة تعكس لون الغروب،  يلفظها البحر كما يلفظ جثث المصطفين إليه، والأخدين قوارب الموت إلى الضفة الأخرى سبيلا للعيش الكريم، وآخرين عشقوا علو أمواجها فركبوها من كل العالم.

 بينما هي كانت تحمل حزنا كان يشهد لها عن هروب إمرأة من عربة القطار 29 وصعود العربة 30 من العمر،  بدت وكأنها ابتاعت الكثير من الورود ولكنها نسيت أنها ستداعب شوكا فظا غليظا، وتجاهلت أنها ساعدتهم في إهانتهم لها، دون أن تضع في طريقهم أبوابا ثقيلة قديمة يخشون طرقها كلما رأوها تطل من نافذة غرفتها .
رأيتها تكتب على الرمل المبلل “إذ ما أحببت يوما فقل للحب كفى وجعا.”
هي التي إقتربت بإبتسامة،  لكنني بادلتها بتحية لا تكاد تخلوا من الفضول، أنا التي قرأت حروفها المبللة، فأخفيت سرها حتى لا أربكها لانها كانت تحتاج إلى جسر يؤمن لها طريق العبور، ولهذا كنت مدركة أن الثقة تحتاج إلى لون أخر من الحياة، حياة  نتمنى ألا نكون فيها بهذه الذاكرة الثقيلة حتى و إن كلفنا ذلك أن نجلد صمتنا، ونبقى في هيئة بشر.

 
 “إذ ما أحببت يوما فقل للحب كفى وجعا.”
 كان يكفي أن تكون لعبتنا هي لعبة دخولنا مدينة الفتيات اللواتي تأخرن عن الزواج، كان ذلك يوجعها لكنني نجحت في إخبارها أنني أقاسمها نفس النكتة، لكن أنا لا التفت لي تلك الأفواه التي يصاحبهاضجيج الضحكات، فقطف الثمار قبل نضجها يفقدها ثقل حلاوتها ولامعاتها، كما القمر عند بزوغه يبدو لافتا، لكن لا يكتمل ثبوت رؤيته إلى عند إكتمال نوره.
فطلبت مني أن التقط لها صورة، لكنني إستغربت كثيرا منها حين بدت حزينة في الصورة، هنا وضعت مسافة بيننا حتى لا أغضب من جرأتي لأنها كثيرا ما تسببت في إحراجي،  لأننا لسنا جميعا مهيئين لذلك، ولهذا عزمت أن يؤجل ذلك إلى يوم اخر يروق لها أن تبتسم كما لو أن رحلتها الأخيرة هنا بمفردها.
أعطيتها الهاتف، ثم سألتها هذه أول زيارة لك هنا؟
فقالت: نعم…. كثيرا ما أخبروني عن جمال هذه القرية، و بحرها الممتدة من تزنيت إلى مدينة سكنت قلوب الإسبان فاستعمروها وتركوا فيها بيوتا ومعمارا شاهدا على عشقهم.
فاردفت : وماذا عنك؟
هذا المكان هو ذلك الصوت الذي يمكنني أن أصادف فيه نفسي وان  أطلب فيه أمنيتان لأجدد عقيدتي مرتين.
فردت : ماذا؟
قلت: “لي أمنيتان واحدة لله وواحدة بيني وبين نفسي حتى يرى ربي ما بيني وبين عباده، لأرى بعدها أن ما مضى سيمضي لسماء، ليعود لي كزهرة الأقحوان.”
رأيتها تضحك و ملامح التعجب على وجهها، فقلت : لا يهم أن لا تعجبك فلسفتي وقد أبدو لك ساذجة أو حمقاء، كما يحق لك ذلك، فحتى أنا أقول هذا عن نفسي لآسخر منها، فنحن في حاجة إلى كل هذه الحروب حتى نعيد النظر في علاقتنا بأرضنا.
لا عليك فقط استمتعي، سأتركك الآن، وبإمكانك أن تنضمي إلينا مساءا؛ أعتقد ان ذلك سيروقك…
لاتخجلي فأصدقائي ممتعون،وتافهون، مبدعون حد الثمالة، و ربما تجدين ما تبحثين عنه، يكفي أن تقبلي دعوة العشاء هذه.
لي أمنيتان واحدة لله وواحدة بيني وبين نفسي حتى يرى ربي ما بيني وبين عباده، لأرى بعدها أن ما مضى سيمضي لسماء
كانت الشمس على وشك الغروب، كان البحر يهيىء نفسه لصفاء، و الأمواج للاسترخاء، والسماء لحلكة الظلام، حتى تفتن الأرض ببريق نجومها و تحتضن الجبال ثمالة موجها.
بينما كان الجميع يصفف الخضر والأسماك في الطواجين ويضعونها  تطبخ على الفحم، وآخرون أعدوا أشهى السلطات و زينوا الصحون بأحلى الفواكه، وقام آخرون بترتيب الطاولات وإشعال النار.
كنت أنا حينها أسبح في سمرة الماء، لأنها كانت عادتي وعقيدتي في التعبد أقترب فيها إلا جسدي أكثر، وأعاتبه في بردة المياه و أصالحه متذوقة ملوحة المياه.
وريثما أنا أقترب من خيمتي، رأيتها تقترب وفي يدها علبة شيكولاتة.
تبادلنا السلام، ودعوتها إلى الطاولة، ومازحتها قائلة : ” القاعدة التاسعة والعشرون من العمر لقانون الصداقة هنا  ترمي إلى أنه بمجرد قبولك دعوة العشاء مباشرة فإنه عليك أن تقبلي بقواعد لعبتنا، وأولها أن ركن التعارف الذي اعتدت عليه غير موجود هنا،..هنا نصرخ من بطون انفسنا نحيي من رحيم المكان، لا يهمنا ماضيك ومن أنت وحتى من أين جئتِ… لا ندري كم عدد أيام عطلتك لكن ما يهمنا هو أن نتذكر بعضنا بعضا وان نحب بعضنا بعضا بما نحن عليه ليس بما كنا عليه. … اتقبلين بذلك ؟
فمن دهشتها ضحكت بصوت عال قائلة : أتمزحين….. أنا كميا.
 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة