الزعيم المحجوب الذي أعاد ترميم صورة الرئيس عبد الناصر فكوفئ بالنفي والنكران

 

من التعبيرات التي أُسيء استعمالها وربما أُسيئت صياغتها تعبير إعادة بناء الإنسان، فليس من الممكن إعادة بناء الإنسان ، لكن المعنى الذكي المقصود في بعض الحالات هو إعادة بناء صورة الإنسان ، وهو معنى سيكولوجي ووجودي وسياسي متميز، وهو في حد ذاته يُمثل التحدي الأول في عالم السياسة في الأزمات والمعارك الكبرى ذلك أن إعادة بناء صورة الإنسان سواء في ذلك صورة الزعيم وصورة الجندي تكفُل النصر في أية معركة قادمة كما تكفل إيقافا  للنزيف المترتب على الهزيمة في المعركة السابقة.
وفي حالة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، فقد كان مفتاح النجاح هو إعادة بناء صورة الإنسان الأوربي بكل ما تعنيه الكلمة، والمتأمل للتاريخ السياسي والاجتماعي لأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن يدرك الأهمية اللا متناهية لهذا المعنى.

المحجوب أدى الدور الذي لم يكن بمقدور أحد غيره 

في حالتنا ، أي في حالة الوطن العربي المعاصر ، فإن أم التحديات التي واجهت مستقبل الوطن كانت هي بناء صورته بعد هزيمة 1967، وقد شمل هذا المعنى صورة الزعيم (ولا نقول الرئيس) لأن المعنى كان مرتبطا بزعامة كانت لها ادعاءات وأطروحات وطموحات وتبعات كما أنها أي الزعامة هي التي سببت الهزيمة الساحقة بتصرفاتها التي لم تحسب حسابا إلا لشيء واحد هو الزعامة ومهابة الزعامة وقُدرة الزعامة.
باختصار شديد كانت الأمة العربية في حاجة إلى سياسي مُقتدر يستطيع أن يُعالج ما خلقته وما خلّفته هزيمة 1967من صورة ممزقة لزعامة الرئيس جمال عبد الناصر وأن يُعيد تركيب هذه الصورة بأكبر قدر من الترميم المتقن الكفيل باستبقاء ملامح الزعامة مع عدم طمس هذه الملامح أي أن تبقى هناك شعارات قادرة على أن تُطمئن الجماهير أن الزعامة لم تنته وأن الحلم العربي لم ينته.
و باختصار شديد يعطي لكل ذي حق حقه فإن محمد أحمد المحجوب  هو هذا الرجل هو الذي أعاد بناء صورة الزعيم جمال عبد الناصر بعد أن تعرض العرب بسببه لأصعب هزيمة في التاريخ ، فهو الذي نظم مؤتمر الخرطوم أو القمة العربية التي  عقدت في ضيافة السودان  أغسطس 1967 و تكفلت برفع الروح المعنوية للعرب وزعيمهم الرئيس عبد الناصر ، بعد أن اتضحت معالم و مآسي الهزيمة الساحقة ، وهي المعالم التي كان قد تم إخفاؤها (مؤقتا) لأسابيع بفضل السيطرة على وسائل الإعلام لكن الحقيقة سرعان ما اتضحت وفرضت نفسها على الوجدان الجريح .
كان الأمر في إعادة بناء الصورة يتطلب خمسة عناصر لم يكن من الممكن أن يتم الترميم بدون استيفائها كلها، كان يتطلب مسرحا وصورة ووفاقا ومبايعة و عهدا جديدا من  شعارات جديدة .

كيف أعاد المحجوب بناء صورة الرئيس عبد الناصر 

جاء الفنان الأديب الشاعر المفكر محمد أحمد المحجوب رئيس وزراء السودان ووفر هذه العناصر الخمسة بطريقة تبدو الآن بسيطة لكنها كانت مذهلة في مقاربتها وعبقريتها ونجاحها:
•    فالمسرح هو مسرح مؤتمر القمة العربي في الخرطوم أغسطس 1967 بعد المعركة بشهرين وفي عاصمة لم تمارس المزايدات ولم تُعرف باستضافة المؤتمرات ، نظرا لأنها محدودة الموارد وغير راغبة في سمعة الزعامة والصدارة ، وهكذا فالمسرح جديد بكل ما توفره الجدة من خلاص من تراث الماضي ومعقباته الخطرة.
•    الصورة هي صورة الرئيس جمال عبد الناصر واقفا بين زعماء العرب ، وقد أحاط به أعداؤه قبل أصدقائه، من أخطأ في حقهم ، ومن ظن أنه لم يخطئ في حقهم وإن كانت الحقيقة أنه أخطأ في حقهم جميعا. كانت هذه هي صورة الواقفين على خشبة المسرح والزعيم المنهزم الواقف بينهم ، لكن الصورة الرحبة للمسرح لم تقتصر على خشبته وإنما اتسعت بعد  زوال حائطه الرابع فأصبحت مؤمنة ومضمونة و مصونة بجماهير سودانية غفيرة تعرف معنى النخوة والشهامة والبطولة والفداء وتحب مصر حبا جما رغم كل الأذى الذي ألحقته بها (ولا تزال) مصر الناصرية.
•    الوفاق يتحقق بين أكبر خصمين من الزعماء العرب، كانا في ذلك الوقت قد وصلا إلى مرحلة تكسير عظام بعضهما البعض في اليمن وقد فشلت محاولات وفاقهما من قبل، فقد كانت محاولات روتينية بيروقراطية تستهدف الصورة الإعلامية دون خوض في المشكل الحقيقي وحل له.. وقد تكفل المحجوب بذكائه بإتمام هذا الوفاق الذي ضمن سحب الجيش المصري من اليمن بصورة شبه مُشرفة، وضمن سحب الرئيس السلال نفسه بطريقة اعتبرها السلال نفسه خيانة ناصرية له، في المقابل ابتعد الملكيون ( الحميديون)  عن الصورة بطريقة شبه مُشرّفة أيضا.  وقد كان المحجوب بحنكته وخبرته ودبلوماسيته هو الرجل الذي تولى إنجاز ما فشل فيه الجميع من قبله، وهو إتمام التوسط والصلح بين الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر وإزالة مظاهر الخلاف الحاد المتفاقم بينهما، وإنهاء المواجهة في اليمن بطريقة يمكن وصفها على نحو ما فعلنا بأنها شبه مشرفة للجميع ذلك أنها صدرت للرأي العام تحت أغطية الصمود والتوحد في مواجهة العدو. 
•    المبايعة : تجلت في صيغة قرارات القمة كما تجلت في استقبالات الجماهير للزعيم المنهزم و للوفود ثم لقرارات القمة ثم مبايعتهم للقادة ثم وداعهم الحار للجميع . وقد توصلت القمة العربية بفضل حماس صادق وصياغة ذكية إلى ما بايعتها عليه الجماهير و هو ما عرف على أنه الموقف العربي الموحد أو ما عرف بأنه نظرية اللاءات الثلاث، وكان هذا الموقف الذي خرجت به القمة هو نقطة الذروة في التعاون العربي في العصر الحديث.
•    التجديد في الشعارات: يُمكن تلخيصه في كلمة واحدة لم يستعملها المؤتمرون ، لكنها هي الحقيقة وهي أن الرئيس جمال عبد الناصر والعرب من وراء قيادته قرروا الصمود بعد أن فشل الصعود، والمعنى الموجز للفارق بين الكلمتين لا يتمثل في حرف واحد لكنه عبر عن نفسه بتعبير ينفي الظن و المظنون في مثل هذه الحالات إذ تمثل هذا الصمود في اللاءات الثلاث  : لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل ، ورغم ما قد نفهمه الآن بعقلية صُقلت بخمسين عاما مضت على 1967 من أن هذه الشعارات كانت في حد ذاتها قيدا على صاحب القرار فإن الأمر لم يكن يحتمل غير هذا في أغسطس 1967 ، صحيح أنه ربما كان من الواجب إعادة النظر في الصيغة في 1968 أو 1969 أو1970 وهو ما لم يفعله أحد ،  لكن  1967   بكل حماسها وبكل خيبتها وبكل قسوتها وهزيمتها لم تكن تحتمل ما هو أدنى من هذا الشعار الجديد البراق.

بداية عصر وفاق عربي فاعل

 
بعد تحليلنا لهذه الصناعة على يد المحجوب والأزهري والسودان ، نتأمل الآن في المنتج الذي مثلته هذه الصورة الجديدة فنجد أن منتوج  Output هذه القمة كان إيذانا ببدء مرحلة جديدة من تعاون عربي بديلا عن تشرذم ، وتكافل أخوي بديلا عن تربص ، وموقف واحد من عدو واحد بدلا من مواقف متناقضة وعداوات متعددة للذات .
إذا قلت إن هناك من شارك محمد أحمد المحجوب في إتمام هذا كله فإنك محق ، لكنك إذا بحثت عن أحد غيره كان قادرا على أن يتم هذا كله فكرا ونصا وصياغة وإخراجا ، فلن تجد في العرب المُتاحين في ذلك العصر غيره. تتأمل في هذا الموقف فترى أن الله سبحانه وتعالى يلطُف بعباده حين يشاء لهم اللّطف وأنه وحده القادر على أن يرزق المُبتلى من حيث لا يحتسب. ثم تتأمل نكران الجميل الناصري في حالة المحجوب الذي فقد كل شيء بعد أقل من عامين : منصبه وصحته وحريته وحياته نتيجة انقلاب عسكري في مايو 1969 فلا تملك إلا أن تدعو الله ألاّ يتكرر هذا النكران.

أدواره الثلاثة  في الأمم المتحدة و الصعيد الدولي 

لم يقف جهد المحجوب في ترميم صورة الزعامة العربية عند حدود مؤتمر القمة ، بل امتد إلى الصعيد الدولي كما العربي ،  فقد وظف محمد أحمد المحجوب  كل قدراته الفكرية والبيانية ومعرفته بالإنجليزية الراقية وبالقانون الدولي في التحدث باسم الوفود العربية في الأمم المتحدة ، وقد أجمعت الوفود العربية على أن تفوضه  وهو رئيس لوزراء السودان للتحدث باسم المجموعة العربية في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة وكانت  تلك المهمة صعبة  وعصية تماما لكنه اضطلع بها إعدادا و إلقاء بأفضل صورة ، و امتد أثر حديثه القانوني في هذه الجلسة فترك أثره منذ ذلك الحين في فهم منظمة الأمم المتحدة  وقرارتها للصراع العربي الإسرائيلي  وتعاملها القانوني مع هذا الصراع  منذ ذلك الحين .
ومن الحق أن نقول إن هذا لم يكن أول مواقف محمد أحمد المحجوب  في دعم الرئيس عبد الناصر في المجتمع الدولي ، فقد قام بمثل هذا الموقف عند وقوع العدوان الثلاثي على مصر في 1956 وكان هو أيضا هو وزير الخارجية العربي الذي تولى الحديث في الأمم المتحدة دفاعا عن الحق العربي وتنديدا بالعدوان الثلاثي .
ومن العجيب إن الأدبيات التاريخية المصرية تقفز على هذه الأدوار الثلاثة  للمحجوب  ، بل إن بعضها وبخاصة كتابات المزورين تنصرف عن الموضوع الى إبداء  العداوة لهذا الرجل العظيم و الحقد على قدراته وأدائه وهو الذي لم يشهد عصر الثورة نظيرا مصريا له . بل تبقى الحقيقة المرة وهي أنه مع كل هذا العطاء و الإخلاص فإن محمد أحمد المحجوب   سرعان ما لقي من عبد الناصر من  نكران الجميل والغدر ما كان النظام الناصري لا يستغني عنه ولا يفرط فيه في كل الأوقات وإن كان الوجدان العربي يذكر مواقف المحجوب بكل الامتنان .

شخصيته الفريدة 

و الواقع أن حضور  محمد أحمد المحجوب  1908 ـ 1976  ونجاحه لم يأت من فراغ ، وإنما كان حضوره وإنجازه يستند إلى تاريخ طويل و زاد كبير، فلم يصل أحد من مثقفي العرب إلى ما وصل إليه محمد أحمد المحجوب من مكانة في السياسة والثقافة معا، وقد كانت ثقافته تُصنف في مصاف أفضل رموزها في العالم ولو أنه تخلى بعض الشيء عن عروبته أو وطنيته لنال كثيرا من التكريم الدولي الذي كان كفيلا بأن يقدسه العرب بسببه لكنه كان شأنه شأن المخلصين، مأخوذ الوجدان بأمته وآمالها لها فلم يعن بأن يحصل على جائزة نوبل على سبيل المثال ولو أنه فكر فيها لنالها . 
ولد محمد أحمد المحجوب عام 1908 بمدينة الدويم في ولاية النيل الأبيض وعاش في كنف خاله محمد عبد الحليم، وكان جده لأمه عبد الحليم مساعد الساعد الأيمن لقائد المهدية عبد الرحمن النجومي..
 تلقى محمد أحمد المحجوب تعليمه الأولي في الخلوة فالكتاب بالدويم ،  ثم في مدرسة أم درمان الوسطى..  وقضى حياته الجامعية (شأنه شأن النخبة السودانية في عهده) في كلية جوردون في الخرطوم، وتخرج فيها 1929 وهو في الحادية والعشرين من عمره، وكان بهذا يوازي خريجي الدفعة الأولى من دفعات كليات جامعة القاهرة الذين تخرجوا في 1929 وكان أغلبهم مثله من مواليد 1908.
 ومع أن المحجوب تخرج في قسم الهندسة وعمل مهندسا في مصلحة الأشغال فإن ثقافته الواسعة وروحه الوثابة دفعتاه إلى الدراسة مرة أخرى في مجال القانون ، ونال الإجازة في الحقوق عام 1938، وهكذا فإنه تخرج في مدرسة القانون بعد مدرسة الهندسة وأصبح في حالة فريدة ونادرة انفرد هو بها قاضيا بعد أن كان مهندسا، وقد مارس القضاء والمحاماة بالفعل، فقد عمل في ميدان القضاء منذ 1938 و حتى استقال عام 1946، ليعمل بالمحاماة.
فيما قبل ذلك كانت النشأة الوطنية قد أتاحت لمحمد أحمد المحجوب أن يشهد ثورة 1924 في السودان التي كانت صدى لثورة 1919، في مصر، وقد شارك في الثورة وأحداثها، كما شارك فيما تلا مصرع السردار السير لي ستاك من أحداث جعلت الإنجليز ينتهزون الفرصة لتقوية قبضتهم الاستعمارية على السودان على حساب وحدة وادي النيل والوجود المصري.
وبعد هذه الثورة بعشر سنوات صدرت “مجلة الفجر” التي رأس تحريرها عرفات محمد عبد الله أحد رموز الحركة الثورية في السودان، وكانت المجلة تعبيرا ناضجا عن الثورة الناضجة، وفيها كتب المحجوب   ونشر شعره مع التجاني يوسف بشير ويوسف مصطفى وغيرهما. 

مؤتمر الخريجين 

مارس المحجوب السياسة مع نوابغ أبناء جيله في مؤتمر الخريجين، لكنه مارسها برؤيته هو نفسه ، خالف فيه إسماعيل الأزهري وأشقاءه ، وإن كانت روح العمل والهدف واحدة بينهم . وتجلت مواهبه وعناصر زعامته على نحو بارز ومُعترف به، وسطع نجمه السياسي كأحد القيادات المتميزة .
وعلى نحو ما هو معروف في حركيات القوى الاجتماعية التي تعمل من أجل الاستقلال فقد كان هناك اختلاف في الرؤى بين الفصائل السودانية المختلفة ، وقد تمثلت أبرز نقاط هذا الاختلاف في الموقف من البقاء مع مصر تحت تاج واحد (أو تحت علم واحد).
كان السودانيون بمشاعرهم الصادقة يؤمنون بعروبتهم وإسلامهم وبأن الوحدة مع مصر هي الأمر الطبيعي، لكن المتصلين بالتخطيط لمستقبل المنطقة من أمريكان و غربيين لم يكونوا مرتاحين إلى مثل هذه القوة البازغة، أما القادة السودانيون الذين كانوا لا ينفصلون عن مشاعر شعبهم فإنهم كانوا يحملون خبرات سيكولوجية إضافية بسبب الماضي أو الحاضر. ومن المدهش أن التحزب تم بطريقة شبه هندسية حيث آثرت طائفة الميرغنية (أو الختمية) التوجه مع المطالبين بالوحدة على حين آثرت الطائفة المهدية التوجه مع المطالبين بالانفصال.
كان “الأنصار” المعروفون باسم “المهدية” والذين أسسوا فيما بعد “حزب الأمة” يتذكرون بمرارة موقف الجيش المصري الذي حاربهم مع الجيش البريطاني وقضى على الثورة المهدية في السودان التي كانت مواكبة لثورة عرابي في مصر. ومع أنهم كانوا يعرفون عن حق أن الجيش المصري عبد مأمور وأنه آذى الثورة العرابية رغم أن قادتها كانوا من ضباطه لكنهم لا يزالون يذكرون أبطالهم الذين استشهدوا على يد البريطانيين الذين استعانوا بالمصريين على قتال وقتل السودانيين.. كان هؤلاء يذكرون مثل هذا التاريخ بالمرارة المعقولة فيحذرون ويحتاطون ويكرهون أن تتكرر فيهم تجارب أخرى ليسوا على استعداد لدفع ثمنها، وكان مع هؤلاء الحق كل الحق ولا نقول كان معهم حق أو حق ما .
كان السودانيون الذين تولوا الوظائف المدنية يعلمون بخبرتهم أنهم لن يكونوا سُعداء في ظل سطوة المصريين البيروقراطية وكانت تجاربهم الممتدة في مجالات متعددة تُحذرهم من الوثوق الكامل بالمصريين.  

نشأة توجه السودان للسودانيين 

كان الساسة السودانيون الذين يزورون مصر يدركون أن هناك من يُحبهم كالوفد والإخوان المسلمين والسعديين والدستوريين والحزب الوطني ، كما يدركون أن هناك جماعات لا تعرف عنهم شيئا ولا تريد أن تمد يدها إلا في حدود ما تستطيعه القاهرة من سيطرة فحسب، بل إن بعض مفكري مصر كانوا يظنون أن العمق السوداني يمنعهم من الذوبان الأوربي ، مع أن السودانيين كانوا لا يقلون عنهم إثباتا للذات في ندية التعامل مع الثقافة البريطانية على سبيل المثال .
لهذا كله لم يكن غريبا أن يكون هناك اتجاه يُنادي بالشعار التقليدي الذي استخدمته شعوب كثيرة من قبل وهو شعار السودان للسودانيين وأن يكون مفكر بقامة محمد المحجوب من هؤلاء وذلك في مقابل المنادين بالاتحاد وعلى رأسهم إسماعيل الأزهري. أعلن المحجوب انضمامه لحزب الأمة، الذي رفع شعار الاستقلال في مواجهة شعار وحدة وادي النيل، الذي كان يرفعه إسماعيل الأزهري، وعلى حين استعان الأزهري في البداية بالطائفة ، فإن محمد أحمد المحجوب لم يستسلم للطائفة. ولكن هذا لم يمنع المحجوب والأزهري من التعاون سوياً في سبيل الخلاص من الاستعمار البريطاني.
وهكذا أصبح المحجوب هو المفكر المدني أو العلماني المُعبّر عن توجه الأنصار أو المهدية ، على حين أصبح الأزهري في الطرف الآخر هو المفكر المدني أو العلماني المعبر عن توجه الختمية والمرغنية .
انتخب محمد أحمد المحجوب عضواً بالجمعية التشريعية (البرلمان السوداني) عام 1947 واستقال منها عام 1948. 

بداية توجسه من ديكتاتورية عبد الناصر 

ومع أن  محمد أحمد المحجوب  كان من المتيمين بمصر ورجالها فإنه كان من الذين استشعروا خطر الديكتاتورية الناصرية، وهكذا فإنه كان من الذين عارضوا عبد الناصر في 1954 وانحازوا إلى عودة الرئيس نجيب وطالبوا بعودة الديموقراطية، وقد نجح السودانيون في هذا  لكن عبد الناصر تمكن من الالتفاف  والتخلص مما اتفق عليه معهم ، فلما اكتشف السودان ميكيافيلية عبد الناصر مع عزله لنجيب ومُجافاته للديموقراطية والقوى المدنية  اجتمع الاتحاديون والانفصاليون على هدف واحد وهو الخلاص من حكم عبد الناصر . 
كان المحجوب صادقا مع نفسه، وهو الذي آثر أن يكون على رأس  الذين دعوا للانفصال عن مصر وهو ما تم في اليوم الأول من يناير سنة 1956برغم كل علاقاته الحميمية بمصر ومُثقفيها وفي مقدمتهم الأستاذ عباس محمود العقاد.
من الطريف أنه حين كان على مصر أن تدعم من يُطالبون بالاتحاد معها ، فإن النظام الناصري خذلهم بل ذبحهم وهكذا أصبح المحجوب في موقف أقوى مرة واثنتين وثلاثا من موقف الأزهري ، فلما أُعلن الاستقلال قال المحجوب قولته المشهورة : اليوم لا معارضة . مع أنه كان يومها زعيم المعارضة ، ذلك أن الأزهري كان صاحب الأغلبية منذ نهاية عهد الملكية في مصر وطيلة عهد محمد نجيب و بداية انفراد عبد الناصر بالحكم منذ نوفمبر 1954.
وليس من شك في أن ضجر السودانيين من ديكتاتورية الرئيس جمال عبد الناصر قادت إلى التعجيل بالتحول ضد الوحدة حتى لا يقع السودانيون تحت حكم الرئيس جمال عبد الناصر وصلاح سالم على نحو ما كانت الشعارات السودانية  تقول وتهتف وتُعلن بل وتُكرر.
وبإعلان نتيجة الاستفتاء على استقلال السودان أصبح المحجوب في الموقف الأقوى جماهيريا وإن لم يظهر هذا بروتوكوليا ذلك أن السودان أخد بالنظام البرلماني فأصبح منصب رئيس الوزراء أهم من منصب رئيس الجمهورية وأكثر من هذا فإن السودان لم يستخدم لفظ رئيس الجمهورية مباشرة وإنما استخدم تعبيرات من قبيل مجلس الرئاسة ولم يستخدم تعبير رئيس الجمهورية بالنص الصريح إلا مع عهد الفريق عبود (1958 ـ 1964) .

في رئاسة الحكومة و وزيرا للخارجية 

عقب استقلال السودان الذي أعلن  1956 أصبح محمد أحمد المحجوب وزيرا لخارجية السودان عام 1957ونظرا لما كان يتمتع به من مواهب ومقدرات فقد رشحه السودان أمينا عاما للأمم المتحدة في 1958.
وبعد ثورة أكتوبر 1964 (يسميها السودانيون: فترة الديمقراطية الثانية) تولى محمد أحمد المحجوب منصب وزارة الخارجية مرة أخرى ثم كان هو الرجل الذي رأس الوزارة السودانية خلفا للزعيم السوداني الشاب الصادق المهدي، إلى جانب مهام وزير الخارجية. وظل حتى قيام انقلاب مايو 1969 المسمى بثورة النميري فتعرض بعدها للسجن وحياة المنفى. ومن  الطريف في الامر أن نهاية الديموقراطية على يد الرئيس جعفر النميري 1969 حدثت في الوقت الذي كان فيه الأزهري رئيسا والمحجوب رئيسا للوزراء.
 وأودع الرجلان العظيمان السجن، بعد أن حل الانقلاب العسكري (أو الديكتاتورية الثانية)  محلهما منذ 1969 وحتى 1985 وعلى حين توفي إسماعيل الأزهري في نفس العام كمدا ومرضا وألما فقد عاش المحجوب سنوات من التعذيب لم تكن تقاليد العروبة تسمح بها، لكن التاريخ يُحدثنا عن أن هذا الجحود تكرس من دون أن ينتبه له أحد من زعماء العروبة أو ملوكها أو رؤسائها بمن فيهم الرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل.  وهكذا فإنه في 1969 و1970 كان الزعيم الجزائري بن بيلا في السجن، وكان الأزهري على مشارف الموت، وكان المحجوب في السجن، وكان عبد الرحمن عارف في المنفى،  وكذلك بعض رؤساء سوريا، وكذلك كان عبد الله السلال في المنفى وكان المنفى هو أخف السجون.

شعره  وشاعريته 

أما المحجوب الشاعر، فشاعر مطبوع ومجيد وقد تجلت قدرته الشعرية في ديوانه “الفردوس المفقود” الذي كان بمثابة قمة التعبير عن كل من الحضارة العربية والخصوبة الإفريقية، وقد هزه الحنين إلي الماضي العربي الإسلامي، وجسد صورة حية للبطولات والأمجاد، لماضي كما ما ظل ينشده.
قال في رثاء زعيمه ومعلمه الإمام السوداني عبد الرحمن باشا المهدي:
يا صانع المجد للسودان قد غربت / شمس النهار وهذا البدر يحتجب
وأوشك الناس من شك ومن جزع / أن يحسبوك إلها ليس يحتسب
قد صادقوك وكان الصدق رائدهم / وصاحبوك إماماً، خير من صحبوا
وله من الشعر الغزلي شعر كثير غير مشهور منه قوله:
كم رشقت الرحيق من كل ثغر / أجد القلب حرقة واتياعا!
وهصرت الغصون والليل داج / وجنيت الجنى ونلت المتاعا
وبثتت الغرام في كل روض / ضمخ الزهر أفقه والبقاعا!
يا ربيع الحياة قف تمهّل / انا والله لا أطيق وداعا!
وقد كتب قصيدة في الشاعرة فدوى طوفان:
فديتُكِ “فدوي” أسعَدتِني / بنجوى الحبيبِ البعيد القريب
شكوتُ القيُودَ وآلامَها / وقلبكِ منها جريح خضِيبْ
فكُنت الضياَء وكنْت الرقي / وكنتِ الجمالُ الفريدُ الحبيبْ
وكنْت الأنيسَ وكنت المنَى / لقومٍ ظماء بوادٍ جديبْ!
يقول محمد أحمد المحجوب في قصيدته ” شهيد الرجاف ” التي تعتبر من عيون الشعر العربي، والتي نظمها تخليداً للشهيد عبيد حاج الأمين الذي سقط شهيداً دفاعاً عن الحرية وهو في منفاه: 

وتأودت سمر القنا من سفحه/ ترثي شهيداً في التراب دفينا
لم يألف القيدَ المذل ولم يكن / للعار في يوم الطعان، قرينا
وهب البلاد حياته متهللا / وقضي حميداً بالخلود قَمينا
وما زلزال الرجاف غير رفاته / رتلن أياً أو شدون حنينا 
صرخاتُ مشتاق لصهوة سابح / وزئير أسد قد حَمينَ عَرينا 

حقد الأستاذ هيكل على الزعيم المحجوب

كان من عادة الأستاذ محمد حسنين هيكل أن يستغل أية فرصة في استطراداته ليصفي حساباته مع من كانوا يعرفون حقيقته أو يعاملونه من دون التملق الذي كان يتمناه منهم، وكان يفعل هذا ببساطة شديد من غير أن يدرك أن تصرفه يصيب صورة المصريين في مقتل وبخاصة أنه كان ينتهز فرصة وفاة من يهاجمهم أة انتهاء نفوذهم وفقدانهم للحرية، لإظهار شجاعته وقوته. 
 وانظر إلي هذا الحقد الدفين الذي أظهره الأستاذ محمد حسنين هيكل تجاه رئيس الوزراء السوداني الأشهر محمد أحمد محجوب، مع أن هذا الرجل  قدم لمصر وللزعامة الناصرية ما لم يقدمه أي سياسي عربي آخر عن حب واقتناع، وقاد مظاهرة مؤتمر الخرطوم في 1967التي أعادت ترميم صورة عبد الناصر وقدمته كزعيم لمرحلة اللاءات الثلاث، ، لم يكن هذا السياسي  العظيم أنه يتصور جلب لنفسه من الأستاذ محمد حسنين هيكل الحقد والغيرة بسبب كفايته الفائقة ، فهو أكفأ منه في الكتابة والسياسة معا، فضلا عن أنه مفكر حقيقي ،وسياسي حقيقي، وأديب حقيقي ، وزعيم حقيقي، وعن أنه كان يتمتع بإعجاب عبد الناصر بشخصيته،  و لهذا كله فإن الأستاذ محمد حسنين هيكل يحرص علي أن يلمزه في هامش من ستة سطور بأكثر من خمس نقائص، فهو انفصالي ضد الوحدة، وهو كاره لمصر، وهو «موظف» عند «المهدي»، وهو محب للحياة ويستمتع بها (وهذا هو التعبير الذي يصف به الماديون من يريدون وصفهم بأنهم تفوقوا في إسعاد أنفسهم بالاستمتاع بالملذات الحسية!!)، 
وهو يؤصل للكراهية بشعر مغرق في العنصرية …. كل هذا يأتي في الهامش الذي يخصصه الأستاذ محمد حسنين هيكل للتعريف بالرجل العظيم حين كان الرجل في قمة عطائه لمصر وللعروبة، لكن حقد الأستاذ محمد حسنين هيكل علي مقومات شخصية الرجل لا ينتهي، وبخاصة أن محجوب فيما تلا ذلك من عهود كان ينظر إلي الأستاذ محمد حسنين هيكل نظرة علوية تركز على أنه يهوذا الذي ذبح أستاذه مصطفي أمين.. 
كذلك فقد كان محجوب عارفاً بأحوال مصر ورجالها بأكثر مما هو مطلوب، ولهذا فقد كان الأستاذ محمد حسنين هيكل علي الدوام كتابا مفتوحا أمامه.
اقرأ هذه الفقرة التي حرص الأستاذ محمد حسنين هيكل علي أن يضعها في الهامش حين وصل إلى الحديث عن محمد احمد محجوب وهو في ذروة عطائه لمصر ولعبد الناصر:
«كان الأستاذ «محمد احمد محجوب» محاميا بدأ حياته العملية مستشاراً لدائرة السيد «عبد الرحمن المهدي» (باشا) زعيم طائفة «الأنصار» وكان مقرباً منه وكان كاتبا وشاعرا وفنانا يُحب الحياة ويستمتع بها وكان «محجوب» معارضا لفكرة الوحدة مع مصر ودائم الترديد لبيت من الشعر يقول:
«ولو أنا على حجر ذبحنا / جرى الدميان بالخبر اليقين»
ومؤدى معناه أنه حتى في حالة الذبح فإن الدم المصري له مجرى يسيل فيه والدم السوداني له مجرى آخر، ولا يلتقي الدميان ابداً»

أثاره  الفكرية 

أما كتابه عن الديموقراطية فيعد أحد أهم المراجع التاريخية والفكرية والسياسية لا في السودان فحسب بل في الوطن العربي كله والدول المتصلة به وقد كتب مقدمة هذا الكتاب اللورد كارادون الذي يعتبر من مفكري عصره في بريطانيا وفيها قال: 
 “رغم اتهام المحجوب للإدارة البريطانية في السودان بتقوية الانفصال في الجنوب بل بتشجيعه، وهي تهمه خطيرة، وأخشى أن تكون جزئياً صحيحة. لكن البريطاني يجد بعض الرضاء حين يعلم أن المحجوب يتكلم دوماً عن البريطانيين باحترام وفي الصميم بود.. والحقيقة أن أحكامه على الناس والقضايا تجي عادة متسامحة أكثر منها ناقدة. فقد سرّه نطق الملك الحسن ملك المغرب السليم باللغة العربية، وأعجب بشجاعة الملك حسين وصراحته، وأخذ بسحر الملك فيصل وقوته، حتى كلامه عن الرئيس ناصر، الذي خدعه في النهاية كان كلام صديق ”  

 
المؤلفات:

“الحركة الفكرية في السودان: الى أين تتجه؟” الخرطوم 1941
“الحكومة المحلية في السودان” القاهرة 1945م
و”موت دنيا” القاهرة 1946 مشترك مع عبد الحليم محمد  
و”نحو الغد” الخرطوم 1970م 
 و”الديمقراطية في الميزان” بالعربية وبالإنجليزية: Democracy on Trial 
أما دواوينه الشعرية فهي:
•    قصة قلب ،  بيروت،1961
•    قلب وتجارب ،  بيروت،1964
•    الأندلس المفقود ،  بيروت،1969
•    مسبحتي و دني  ، وقد نُشر في القاهرة  بعد وفاته 
وله من المخطوطات: 
•    الشعر والشعراء

المقالات 

كتب محمد احمد المحجوب في الكثير من المجلات والصحف أشهرها حضارة السودان والنهضة ثم الفجر، وقد جمع السودانيون بعض مقالاته ومحاضراته باللغة الإنجليزية المقالات والخطب المتعددة داخل البرلمانات السودانية المتعاقبة أو في أروقة الأمم المتحدة ومنظمة الدول الأفريقية. كان زعيم المعارضة داخل البرلمان,
نال الباحث كمال الدين محمد الماجستير من جامعة الأزهر عام 1982 عن رسالته: محمد أحمد محجوب أديباً) وأجاز معهد الدراسات الأفريقية بجامعة الخرطوم عام 1983 رسالة دبلوم عال للباحث محمد عمر موسى بعنوان “محمد احمد محجوب: لمحات من حياته السياسية.” النشرة التعريفية التي قام بإعدادها الدكتور محمد الواثق الذي ترأس قسم اللغة العربية بجامعة الخرطوم  

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها