مدونات

مصطفى كامل الروح التي استيقظت بها مصر

مصطفى كامل
مصطفى كامل

أبدأ بحديث موجز جدا أهم الجوانب في تكوين مصطفى كامل باشا ١٨٧٤- ١٩٠٨ وهو الجانب الذي لم يتناوله أحد من مؤرخيه على نحو مستقل، وذلك بسبب ما احتوته وطنيته من حياته وما احتوته حياته من وطنيته ،هذا الجانب هو الثقافة، فقد كانت الثقافة الرفيعة والأصيلة هي العنصر الغالب على تكوين مصطفى كامل في شبابه، وكانت هي الدافع الذي دفعه إلى طريق الأداء المتميز في الوطنية المقتحمة الرائدة، ولولا ما تمتع به مصطفى كامل من ثقافة لظل أثره محصوراً في نطاق ضيق من الفكر ومن العمل على حد سواء، لكن ثقافته هي التي نفعته و دفعته إلى كل ما اختطه من السبل الكفيلة بتحقيق أهدافه من سعيه الوطني الجاد نحو استقلال وطنه، وحرية مواطنيه.
وليس من شك في أن خطابة مصطفى كامل تنطق بما كان يتمتع به من ثقافة رحبة و حية لا تقوم على الجدل ، ولا على تكرار الأصول ، ولكنها تنطلق مباشرة إلى مقاربة الأماني من خلال الحديث عن الواقع ومدى استحقاق أهل الواقع لأن ينالوا ما يتمنونه لأنهم أهل به.
كذلك فإن ثقافة مصطفى كامل تتجلى في مفرداته بوضوح شديد ، وتتجلى أكثر في بنائه لعناصر خطبه وأحاديثه أو مراسلاته وتتجلى في تمسكه بالمنطق والترتيب والمعقولية والحلم و الأمل وبعده عن اليأس و الإغراب والتشاؤم والمغالطة والرهبة .

رأى في خطابه المعلن أن القدرة على التعبير كفيلة تماما بأن تغني عن حمل السلاح و بأن تغني عن العمل السري والفدائي

ومع أن حديث مصطفى كامل في السياسة قد يبدو في الوصف السياسي أقرب ما يكون إلى أن يكون حديثا حالماً رومانسيا فإن أحداً لم يصفه بهذه الصفة لسبب واحد هو انه لم يكن يفارق الواقع الذي يتحدث عنه، وإنما كان يتحدث عن الواقع كما يحب أن يكون وكما يجب أن يكون ، ولهذا فإنه على سبيل المثال لم يتحدث عن الأماني المستحيلة وإنما عن الأماني المشروعة حتى وإن كان القادرون على تحقيق هذه الأماني للشعب رافضين لفكرة الوفاء بها لأصحابها.
كان مصطفى كامل قادراً على التعبير الصائب و المصيب ولهذا فإنه رأى في خطابه المعلن أن القدرة على التعبير كفيلة تماما بأن تغني عن حمل السلاح و بأن تغني عن العمل السري والفدائي ، وبخاصة أنه قد أتيح له قبل أن يبلغ العشرين من عمره أن يعرف طبيعة الاستقرار السياسي في المجتمعات الأوربية المستقرة التي تجاوزت فكرة المقاومة الشعبية بالسلاح وبدأت في سبيلها الموثوق به من ممارسة الحياة الحزبية، والنقاشات المفتوحة.
حين كان على مصطفى كامل أن يحدد موقفه من الحياة التي يتمناها لوطنه فإنه كان من الذكاء بحيث اختار دور الداعية المثابر لا الداعية المؤجج ومع أنه كان يؤدي دور الثائر فإنه رأى في هذا الدور جانبه المثابر ، ولهذا فإنه لم يقفز مباشرة إلى دور الزعامة حتى وإن جاءته الزعامة بصورة تلقائية بفضل النجاح الفذ والمبكر و السريع الذي حققه في دور الداعية، ومع هذا أيضا فإنه ظل حتى مماته مؤثراً دور الداعية على دور الزعيم ، حتى بعد أن تمكن من تأسيس كل الكيانات الداعمة للزعامة الحقة متمثلة في الحزب الوطني وفي الصحافة الناطقة بأكثر من لغة، وفي نماذج العمل الاجتماعي الجماهيري الخدمي متمثلة في المدرسة أو المدارس .. وهكذا.
والواقع أن كل هذا التأسيس لم يشغل مصطفى كامل عن الدور الجوهري الذي رآه لنفسه وهو دور الداعية في الداخل والخارج على حد سواء ، فهو في الداخل يوقظ النفوس إلى حقوقها، وواجبها تجاه هذه الحقوق، وهو في الخارج يعرف الأسماع بهذه الحقوق ، وبأن أصحابها يطلبون الحصول عليها ولا يهملونها، وهو في الحالتين يعقب على الأحداث الجارية بذكاء و انتماء ، ويستلهم التجارب الإنسانية في خارج مجتمعه أو في خارج زمنه استلهاما يحقق له الإقناع الواضح الصريح بعيداً عن الدخول في معارك التفاوض والنفي والإنكار والجحود، و بعيداً عن الإفراط في نقد المستعمر أو في التنديد بسياساته إذ أنه كان في كل ممارساته أميل إلى التنبيه منه إلى التنديد ، ومع هذا الميل الواضح فإنه كان حريصا على الخط الفارق بين الثورة و الادعاء فهو لا يهادن ولا يتقبل الحلول الوسطى من ناحية، كما أنه لا يتقبل التوسط في الوطنية، لكنه من ناحية أخرى لا يؤجج العداوة ، ولا يفرط في الذم أو التحقير أو التجريم ، وكان دقيقا في الالتزام بهذا النمط من الأداء لأنه كان ينطلق من نفس ترنو إلى المثاليات ،بقدر ما ترنو أيضا إلى الانتصار والقدرة على تحقيق الأمل.
ولهذا فإننا نستطيع أن نفهم من محاورات مصطفى كامل مع أنصاره أو المقتنعين به سر هذه المعادلة المنضبطة التي كانت تجعله متحمسا لذاته ولوطنه من غير أن ينتقد حماس الآخرين لأوطانهم أو أفكارهم ، ومن غير أن يرميهم بالعداوة الظاهرة والباطنة التي هي مرادف للخلاف والاختلاف في ثقافة البيئة الفكرية التي عاش فيها، ولست أريد أن أمضي في مثل هذا الوصف النظري للتعادلات المتوازنة التي حكمت سلوك مصطفى كامل في التعامل مع الرأي الآخر ، لأني أستطيع أن أدل القارئ على ما رويته في موضع آخر من موقفه من الأستاذ محمد فريد وجدي حين أراد أن يفتح بابا جدليا للمناقشة مع من ينكرون حقوق المصريين فإذا مصطفى كامل لا يتقبل هذا المسلك في معاملة الأعداء، مع أنه في الوقت ذاته لم يكن يرحب بالأساليب التقليدية في الهجاء والنقائض.

كان مصطفى كامل ينظر إلى الحياة على أنها جهاد وكفاح

ما الروافد التي تحكمت في تفكير مصطفى كامل؟ لا شك في أن مصطفى كامل تأثر بالتاريخ تأثراً لا نهاية له، ولا شك في أنه تأثر بالمعاني الإشراقية في فلسفة الحياة تأثيراً واضحا لكنه قبل هذين التأثيرين كان تلميذاً مجتهداً في مدرسة الحرية التي غذتها كتابات أدباء عصره الذين ظلوا متأثرين بأفكار من سُموا برواد التنوير الذين تناولوا الحرية السياسية من منطلقات إنسانية صوروها على أنها لازمة لاستكمال إنسانية الإنسان من حيث التكوين، ولاستكمال إنسانية الإنسان من حيث الحياة التي لا بد أن ينعم بها ولا بد أن ينعم فيها وصوروها من ناحية ثالثة مرتبطة بالعقد الاجتماعي المتنامي في اتساعه بحكم المنطق و التسلسل و الذي من المفترض أنه يتجاوز المجتمع الوطني إلى المجتمع الإنساني كله .
كان مصطفى كامل ينظر إلى الحياة على أنها جهاد وكفاح لكنه كان ينظر إلى حق الإنسان الذي يحيا في أن ينال ما يتمناه أو ما يستحقه باعتباره إنسانا أولا ،وباعتباره منتميا إلى مجتمع يستحق الحياة ثانيا، ولم يكن مصطفى كامل في دعوته إلى الحياة يتعالى على مستمعيه أو يشترط عليهم أن يجاهدوا لينالوا ما يستحقون، فقد كان حديثه الموحى بجمال وحسن وروعة وعدالة ما يطلبه للجماهير يبدو كافيا بما فيه القدر لتنبيه هذه الجماهير إلى الجهاد.
وبفضل الثقافة الأصيلة فقد تمكن مصطفى كامل من أن ينجو من الانتماء الحزبي إلى المؤسسات الحزبية العابرة للدول، أي أن ينجو من الانتماء الحزبي إلى بوادر الحركة الشيوعية مثلا أو إلى بقايا فكر السان – سيمونية مثلا، وهكذا لم تقهره القوالب أو تحدده ، وإنما كان ينطلق بكل وضوح إلى كتابات من يؤمنون بالإنسان ، ومن يؤمنون به هو نفسه من أهل الفكر والإنسانية وذلك من قبيل الكاتبة الفرنسية جولييت آدم ١٨٣٦- ١٩٣٦ وهي الكاتبة التي قدر له أن يحظى برعايتها وتوجيهها بفضل فارق السن الكبير الذي كان بينها وبينه، وهو فارق ساعد هذه العلاقة على أن تمضي في طريقها متمتعة بطابع الأمومة المتأخرة التي لا تعبر عن نفسها بهذا المعنى السلطوي حتى وإن منحته كل ما في الأمومة الفكرية من عطاء ، ونحن نعرف أن جولييت أدم هي التي كانت تقترح عليه من يستطيع يتصل بهم من أهل التقدير في المجتمعات الأوربية ، وأنها هي التي عرفته بالمجريين (وغيرهم ) من الذين كرر زيارتهم والمرور بهم كي يفيد من تجربة قريبة الشبه من الظروف المصرية في السياسة والاستقلال الوطني.

ولهذا السبب فقد كان السلطان عبد الحميد ١٨٤٢- ١٩١٨ حريصا على تتويج مصطفى كامل باشا بالباشوية في 1904 وهو ما يتوافق ما هو معروف من ذكاء السلطان

كان مصطفى كامل منزها لنفسه عن كل ما هو متاح من العلاقات المريبة بالجماعات السياسية الأجنبية، ولم يكن هذا بالأمر السهل، وكان هذا التنزيه الذي اختطه مصطفى كامل لنفسه أثراً من آثار ثقافته الاصيلة التي ترتفع إلى آفاق الفكر المتجرد في انسانيته بعيدا عن إغراءات التحالفات والمبادلات والمقايضات السياسية التي كانت تتاح في ذلك العصر المستقطب تماما لزعيم وطني شاب وواعد من طراز مصطفى كامل.
ونستطيع أن نقول ما لم يسبقنا إلى قوله أحد وهو أن هذا التنزه والترفع عن التحالفات مع الجماعات الأوربية (بما فيها الجماعات الحاكمة) كان هو السبب الحقيقي (وغير المعلن) للاحترام الذي حظي به مصطفى كامل في الدوائر السياسية العليا في الدولة العثمانية، ذلك أن نشاط مخابرات هذه الدولة القديمة قدم بكل تأكيد ما يرقى إلى أن يكون دليلا واضحاً على عدم تورط مصطفى كامل بأية صورة في أي عمل يمس أمن وسلامة الدولة العثمانية التي كانت كل أنواع و سلالات الذئاب تحيط بها من كل جانب، وبالطبع فمن المؤكد أن مصطفى كامل تعرض لإغراءات عديدة تغلب عليها بيقينه وإيمانه.
ولهذا السبب فقد كان السلطان عبد الحميد ١٨٤٢- ١٩١٨ حريصا على تتويج مصطفى كامل باشا بالباشوية في 1904 وهو ما يتوافق ما هو معروف من ذكاء السلطان عبد الحميد ونباهته وانتباهه وحيويته وكسره للتقاليد، ومن قبل هذا فإنه منحه البكوية كما كان حريصا على استقباله واللقاء به، وحسن التعليق على نشاطه واكرام وفادته بينما كان هذا السلطان العظيم في الوقت ذاته قادراً على أن يكتشف من يشك في أنهم عملاء أو جواسيس أو أغبياء على حد تعبيره.
من أهم الجزئيات التي تصادف قراء التاريخ العربي الحديث والباحثين فيه تلك الصورة المختلفة التي تتعلق بتاريخ مصطفى كامل والحزب الوطني ومكانتهما التاريخية في تاريخ مصر الحديث والمعاصر ، وهي صورة لا نبالغ اذا قلنا انها مضطربة المعالم الى ابعد الحدود لاسباب سنشير اليها بكل وضوح وصراحة بعد ان نرسم الاطار العام للتنازع التاريخي الذي لا يزال مسيطرا على آلياتنا السياسية والفكرية .
ربما كان من المفيد أن نبدأ بالحديث عن أوليات التفكير البيولوجي في فهم الحياة الحزبية في أي مجتمع حي لأنه أمر ضوري للفهم العميق لعدة جزئيات تتعلق بتاريخنا الحديث.

إذا كان هناك توجه “استقلالي” تولاه مصطفى كامل باشا حتى وفاته في 1908 من خلال الحزب الوطني فإن هذا التوجه نفسه قد تولاه سعد زغلول باشا

و من باب تيسير الأمر على القراء نبدأ بدايات سريعة ومباشرة بأن نذكر على سبيل التقريب أن هناك توجهات ،وأن هناك أحزاب، وأن هناك ساسة ، وأن حركة التاريخ الحي أو البيولوجي تتمثل في التبادل المشروع الذي يحدث بين التوجهات والأحزاب والساسة ، وعلى سبيل المثال التقريبي فإنه إذا كان هناك توجه “استقلالي” تولاه مصطفى كامل باشا حتى وفاته في 1908 من خلال الحزب الوطني فإن هذا التوجه نفسه قد تولاه سعد زغلول باشا من خلال الوفد بدءا من 1918، وهنا لا نستطيع أن نقول للتاريخ أوأن نطلب منه أن يمسح تاريخ سعد زغلول حين كان منتميا لحزب الأمة فيما قبل دوره التاريخي والخالد في ثورة 1919 بدءا من 1918 وحتى وفاته في 1927، وهنا أيضا نستطيع أن نقول إن سعد زغلول باشا المولود في 1859 تالٍ في التوجه الوطني لمصطفى كامل باشا الذي ولد بعده بربع قرن في 1874 من دون أن يتطلب هذا من المؤرخ أن يدين ماضي سعد زغلول باشا قبل شروعه في توجهه الوطني، (وهو ما كان يفعله بعض أنصار الحزب الوطني بإصرار و ترصد فيما بعد صعود نجم سعد زغلول باشا) و من ناحية أخرى فإننا لا نستطيع أن نطلب من التاريخ أن يدين طبيعة التوجه الوطني لمصطفى كامل باشا الذي كان سابقا على سعد زغلول باشا ، فنصوره على أنه تبعية للدولة العثمانية وليس حبا في مصر نفسها مع أن كلمات مصطفى كامل باشا الخالدة في حب مصر والتعصب لها تكاد تكون مستقرة في قوقعة كل أذن مصرية.
من دهاء التاريخ ومن حسن حظ مصر أن الزعامة التي ورثت زعامة سعد زغلول باشا وتحملت قيادة الحركة الوطنية 1927 وحتى 1952 أي حين تم تأميم السياسة على يد العسكر كانت تعبيراً عن هذا التطور البيولوجي فقد كان مصطفى النحاس باشا في شبابه الباكر من أنصار مصطفى كامل و الحزب الوطني فلما ظهرت حركة الوفد المصري انضم إليها ممثلاً للحزب الوطني وظل يصعد في درجاتها ومدارجها بإخلاصه ووطنيته حتى صارت له الزعامة.. هكذا فإننا و بتعبير الفكر البيولوجي نرى مصطفى النحاس باشا ظل على التوجه ذاته لكنه غير الحزب مع التغيير البيولوجي الذي طرأ على تبني التوجه ، فقد أصبح الوفد أكثر قدرة على تبني توجه الاستقلال بأكثر من الحزب الوطني، أي أن النحاس باشا من باب التقريب لم يغير توجهه وإنما غير الحزب فحسب ، أما سعد زغلول باشا فإنه في 1918 غير التوجه والحزب ولم يغير الحزب فحسب.

وإذا كان من السهل أن نتفهم حركية التاريخ وحيويته من خلال الأمثلة التي تتجسد في الأشخاص على نحو ما فعلنا في النموذج الذي قدمناه لتونا ، فإننا نستطيع أن ننتهز الفرصة ونذكر نموذجا ثالث يرتبط بالنموذجين اللذين ذكرناهما لتونا ، وهو نموذج حافظ عفيفي باشا الذي بدأ حياته السياسية في الحزب الوطني بل كان من أكثر شباب هذا الحزب انحيازاً إلى مقاومة المحتل والمتعاونين مع المحتل، وقد ذكرنا في كتابتنا التفصيلية عن عبد الخالق ثروت باشا أن حافظ عفيفي باشا كان من أقرب الناس إلى الورداني الذي اغتال بطرس غالي باشا ، وأن الشبهات أحاطت باشتراكه في هذا الاغتيال.. الخ، ومن الجدير بالذكر هنا أيضا أن حافظ عفيفي باشا كان مع مصطفى النحاس باشا بمثابة الممثلين الذين مثلا الحزب الوطني في الوفد المصري عند تأسيسه، وهكذا مرّ حافظ عفيفي باشا بما مرّ به مصطفى النحاس باشا لكنه سرعان ما آثر أن ينضم إلى الأحرار الدستوريين الذين انشقوا على الوفد وعلى زعامة سعد زغلول باشا .. وهكذا مرّ حافظ عفيفي باشا بثلاثة أحزاب بل إنه في نهاية عهد الملك فاروق أصبح ملكيا أكثر منه حزبيا وتولى رئاسة الديوان الملكي حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952.

كل اليساريين يتعالون على مصطفى كامل لسبب واحد ووحيد لا يذكرونه، وهو أنهم حُفظوا وحفظوا أنه عثماني النزعة

لعلنا ننطلق بعد هذا التوضيح لنذكر للقارئ السر الغريب في التعالي الذي يجده عند بعض المؤرخين المتأثرين بالنزعة اليسارية إذا ما تحدثوا عن مصطفى كامل، ومن الجدير بالذكر أولا أن كل اليساريين يتعالون على مصطفى كامل لسبب واحد ووحيد لا يذكرونه، وهو أنهم حُفظوا وحفظوا أنه عثماني النزعة ، وهم كما نعرف لا يحبون العثمانيين لأنهم لا يحبون الإسلام حتى وإن جاهروا بغير ذلك. و لعل كشفنا لهذا السر يريح أعصاب القراء الذين يحسون بالتلبيس ولا يعرفون سببه .
ومن الجدير بالذكر ثانيا أن الوفديين ومن يشايعونهم لا يكرهون مصطفى كامل لكنهم يقللون من قدره ويقللون من قيمته، وهم لا ينطلقون في هذا عن فعل و انما عن رد فعل ، ذلك أنهم يردون بهذا على الهجوم الضاري المتوحش الذي شنه أنصار الحزب الوطني على سعد زغلول وعلى وطنية سعد زغلول..
ومن المفهوم أن كلا من آليات الاحتلال البريطاني و مقتضيات الصراع السياسي و ديناميات الحركة الوطنية في ذلك الوقت كانت تحتم على الوفديين أن يسلكوا مثل هذا السلوك مع مصطفى كامل وحزب مصطفى كامل ، وليس في هذا تبرئة للوفديين ولا دفاعا عنهم، لكننا لا بد أن نفهم مدى ما وصلت إليه الخصومة الحركية بين الوفد والحزب الوطني بفضل ما كان البريطانيون يتمتعون به من القدرة على توسيع شقة الخلاف، ويكفي أن نذكر أن خروج الوفد و وزارة الشعب برئاسة سعد زغلول باشا من الحكم في نوفمبر 1924 بسبب اغتيال السردار لي ستاك كان قد تم على يد فدائيين ممن ينتمون إلى الحزب الوطني ، وأن الحزب الوطني كان في غاية السعادة في ذلك اليوم بسبب فقدان سعد الرئاسة وفقدان الوفد للحكومة ! ومع أن التعليق المعهود في مثل هذه الأحوال أن يقال ، وهذه آفة التعصب، إلا أننا لا نقول ذلك ، بل لا نرى في مثل هذا القول وجاهة ، وذلك لسبب مهم هو أننا نريد أن تنشأ في بيئتنا كيانات تعرف معنى الحزبية وتعرف معنى الولاء والانتماء حتى لو عبّر الولاء والانتماء عن نفسه بالتعصب، وذلك لأننا نؤمن أن التقدم لن يتحقق إلا بعد اجتياز مطبات مثل هذه التجارب المريرة والوعيّ بها.

إن مدرسة التاريخ المصري المعاصر بما اتسمت به من سمات المنهج المادي كانت هي الأخرى مثل الوفديين واليساريين تنظر إلى مصطفى كامل باستعلاء

ونعود إلى سياقنا الأول لنتأمل الحديث عن تناول المؤرخين لدور مصطفى كامل فنقول إن مدرسة التاريخ المصري المعاصر بما اتسمت به من سمات المنهج المادي كانت هي الأخرى مثل الوفديين واليساريين تنظر إلى مصطفى كامل باستعلاء ، ويكفي أن نذكر في هذا المقام قصة كتاب موجز أصدره أستاذنا الدكتور عبد العظيم رمضان في سلسلة تاريخ المصريين التي كان يرأس تحريرها عن مصطفى كامل ، ووصل في نقده لمصطفى كامل إلى أن وصف بعض إيمانه بأنه الوهم المقدس، وقد تولينا عرض هذا الكتاب والتعليق عليه في عدد مبكر من أوليات أعداد مجلة عالم الكتاب (منذ 35 عاما) ولم نتورع عن انتقاد استاذنا الدكتور عبد العظيم رمضان في استخدامه لتعبير الوهم المقدس ، و ربما زدنا في نقدنا وانتقادنا حتى إنه فيما يروى وجد أن من واجبه ، المحتم عليه ، أن يردّ على ما كتبناه في مقالنا، لولا أنه بما عرف عنه من سعة الصدر أعاد تقييم الأمور، ووجد أن تجاهل الأمر كلية أولى من الخوض فيه ، وبخاصة أننا لم نناقشه في صواب أو خطأ ، وإنما ناقشناه مناقشة لا تخلو من التاريخ لكنها كانت أقرب إلى أن تكون مناقشة في جمال اللفظ ودلالته ومناسبته.
على أننا لا بد أن نذكر للقارئ أنه على الرغم من هذا الاستعلاء الذي يواجهه مصطفى كامل على يد الماديين والوفديين واليساريين والغربيين ، وعلى الرغم من التجاهل المتعالي الذي يواجهه أيضا من الإسلاميين فإن الله جلّ جلاله رزقه بالمؤرخ عبد الرحمن الرافعي الذي كفاه كل هذا ، ولو أن مصطفى كامل بعث من قبره وخُيّر بين أن ينال ما ناله على يد الرافعي ، وبين أن ينال تقدير بقية المؤرخين جميعا لفضل ما رزقه الله به على يد عبد الرحمن الرافعي المؤرخ العظيم الذي جعل من سيرته وجهاده محور التاريخ المصري الحديث كله ، والذي ألف عنه وعن خليفته محمد فريد بك كتابين عظيمين جعلهما بمثابة مجلدين أساسين بل جوهريين في مجلداته عن التاريخ المصري الحديث.

قال لي استاذنا يومها بكل تواضع إنه كان يعرف أن محمد فريد هو عماد الدين بسبب موقع مكتبة الأنجلو لكنه لم يكن يعرف أن نوبار هو شريف

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر فإني احب أن أذكر شيئا جوهريا ينبغي على أن انتهز الفرصة لأقص قصة عابرة بالغة التأثير في التدليل على قيمة ما رزق به مصطفى كامل باشا على يد الرافعي المؤرخ من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإنها قصة مهمة تميز بعض المراجع لدارسي التاريخ المصري الحديث ومحبيه ، وهي قصة طريفة على كل حال ، فقد كنا في ندوة تاريخية تتعلق بالعلاقات المصرية الفرنسية، وجاء ذكر حادثة فاشودة في حديث أحد الأساتذة المؤرخين وإذا به وقد نقل عن كثيرين ممن نقلوا عن الرافعي يعلق بما يعني أن الرافعي لم يخصص لهذه الحادثة ما تستحقه من اهتمام على نحو ما يفعل في كثير من الوقائع، ووجدتني أستأذن لأن أعلق مباشرة في الندوة بأن الرافعي خصص لها فصلاً كاملاً فوجدت الأستاذ يفتح عينيه من الدهشة ويهم بمقاطعتي فأشرت إليه إشارة مهذبة بأن يؤجل التعليق حتى أحادثه فتقبل مشكوراً بما عُرف عنه من تهذيب.
وفي الاستراحة ذكرت له السر وهو أن عبد الرحمن الرافعي جعل تأريخه للسنوات من 1892 وحتى 1908 من خلال كتابه الذي حمل عنوان مصطفى كامل باشا وجعل تأريخه للسنوات من 1908 وحتى 1918 من خلال كتابه الذي عنوانه محمد فريد بك وأن نهجه في التأريخ للوقائع السياسية في هذين الكتابين هو نفس نهجه في الكتب الأخرى ، لكنه انتهج في ترتيب أجزاء تاريخه ما يفعله من يطلقون أسماء الشوارع في العالم كله حين يخصون جزءاً من شارع كبير باسم معين بينما الشارع متصل اتصالاً عضوياً ، على نحو ما أن شارع نوبار هو نفسه يصبح شارع شريف، أو أن شارع عماد الدين هو نفسه الذي كان شارع محمد فريد ، أو شارع العروبة الذي هو نفسه طريق صلاح سالم بعد أن يغادر مصر الجديدة ، أو على نحو ما يفصل ميدان كبير بين مقطعين من نفس الاتجاه فشارع رمسيس هو نفسه شارع قصر العيني إذا ما عبر ميدان التحرير على الرغم من أن هذا المثل لا يستوعبه الإنسان إلا بعد تفكير..
قال لي استاذنا يومها بكل تواضع إنه كان يعرف أن محمد فريد هو عماد الدين بسبب موقع مكتبة الأنجلو لكنه لم يكن يعرف أن نوبار هو شريف وقد فهمها للتو أما أن يكون قصر العيني هو نفسه رمسيس فإنه يعترف أنه أخذ وقتا حتى استوعبها.. وكذلك سيأخذ بعض الوقت حتى يعرف أن كتاب مصطفى كامل هو حلقة من حلقات كتب الرافعي ، وليس كتابا مستقلاً بذاته تماما مع أنه كتاب مستقل ، قلت له هل تسمح لي بأن اساعدك فقال: أرجوك قلت هل تعرف كتاب الرافعي مصر والسودان في أول عهد الاحتلال قال نعم، قلت هل تعرف مداه قال نعم عشر سنوات على ما اعتقد قلت متى تنتهي؟ قال إذا كانت تبدأ في 1882 فهي تنتهي ب 1892 قلت ، و1892 هي بداية كتاب مصطفى كامل الذي يستمر في التأريخ لهذه السنوات حتى وفاة مصطفى كامل في 1908. واني اذكر أن استاذنا هذا في ذلك اليوم صمّم على ألا يتركني من دون أن يظهر لي أي مشعر من مشاعر الامتنان لهذا الذي حدثته به.. ثم استحلفني بالله أن أكتب مثل هذه المعلومات التي يسمونها في العلم بمفاتيح العلم.. ومع هذا فإني مقصر إلى أبعد حد في أن افعل ما رأى استاذنا بأنه واجب عليّ.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة