الإسلام وأزمة الهوية الفرنسية

غضب عربي إزاء إساءة فرنسا للنبي محمد
غضب عربي إزاء إساءة فرنسا للنبي محمد

قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي :كيف يمكنني أن أشرح للطفل الفرنسي أن حدوده محاذية لسوريا والعراق إذا أصبحت تركيا أوروبية ؟

من إحدى كلمات البابا فرانسوا في روما وستراسبورغ قبل سنوات قال “في الواقع، فإن أزمة الهوية الأوروبية التي أدت إلى صعود القومية والشعبوية تأتي أولاً من حقيقة أن أوروبا ليست قادرة على النظر إلى تاريخها وتحمل تراثها” .
للفاتيكان ذاكرة لذلك لم يستطع أن ينسى طلب الرئيس الفرنسي جاك شيراك بسحب الإشارة لمرجعية “الجذور المسيحية” لأوروبا من ديباجة مشروع الدستور الأوروبي التي بدأت منذ 2003 ؛ وقد نجح في مسعاه سنة  2004 رغم رفض أغلبية الدول وقتها، حيث كانت رؤيته تتلخص في جملته الشهيرة  “فرنسا دولة علمانية وهذا يعني أنه يجب علينا احترام العلمانية؛ إنه أمر ضروري لصفاء فضائنا الثقافي”.

ثم أضاف: ” لهذا لا نريد وبطرق ملتوية، تمييز دين على آخر”  إذا وجدت الديانة المسيحية نفسها مكرسة في الدستور الأوروبي المستقبلي، فإن ديانات أخرى ستجد نفسها مبعدة من البناء الأوروبي.
أُذَكِّرُ فقط أن مطالبة الرئيس الفرنسي جاءت في سياق أخذت فيه نظرية صراع الحضارات وتفوق “الحضارة الغربية” على “الإسلام” بالخصوص في حيثيات احتلال العراق؛ وصدور الكتاب الجدلي للإيطالية أوريانا فلاتشي(حضارتي هي الأفضل)الذي أخذ حيزا كبيرا من التداول.

ثم تجدر الإشارة هنا إلى أن الديباجية الجدلية لمشروع الدستور الأوروبي كانت تحت رئاسة الرئيس الفرنسي السابق، فاليري جيسكار ديستان.

سوف ينتهي المطاف بوثيقة مشروع الدستور إلى عدم التصديق، حين ستعرض للاستفتاءات الوطنية الأوروبية و سيرفضها الفرنسيون والهولنديون  سنة2005  ولهذا  سيكون تعليق البابا فرنسوا مرة أخرى “رفضوا الاستشهاد بالجذور المسيحية لكن الله قد انتقم” !

فالكثيرين اعتقدوا أن سحب المرجعية المسيحية وقتها قد أثر في القاعدة الشعبية المسيحية الفرنسية؛ في نفس الوقت كانت فرنسا تعرف جدالا داخليا يخص الهوية الفرنسية قاده الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، وزيرا للداخلية وسوف ينتهي بتقنين رفض الصورة بالحجاب على البطائق الرسمية للمسلمات.

اشتهر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بجملته الشهيرة: كيف يمكنني أن أشرح للطفل الفرنسي أن حدوده محاذية لسوريا والعراق إذا أصبحت تركيا أوروبية ؟

أيضا على المستوى الأوروبي كانت مواصلة مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي في أوجها و عرفت جدلا سياسيا ومجتمعيا كان صداه كبيرا في فرنسا دائما يخص: ديموغرافية تركيا  التي تجعل منها ثانية ديموغرافية أوروبية تتحصل بموجبها على مائة نائب أو أكثر و”إسلام” الشعب التركي، ثم بشكل أقل حدود الاتحاد الأوروبي، حيث اشتهر نيكولا ساركوزي دائما بجملته الشهيرة: كيف يمكنني أن أشرح للطفل الفرنسي أن حدوده محاذية لسوريا والعراق إذا أصبحت تركيا أوروبية ؟
وأظن أنه مع الثورة السورية وتصدير فرنسا “لجهاديين” إلى سوريا وقدوم مهاجرين سوريين إلى فرنسا، أدرك أن للجغرافيا تمثلات سياسية أخرى كان يغفلها أو يجهلها.
ديموغرافية تركيا وخصوصا “إسلام” الشعب التركي، وتجربة حزبه الأغلبي اليوم، قد أعادت مشاهد للحياة اليومية التركية كان قد استأصلها في تجربته العلمانية مصطفى كمال أتاتورك.

ويمكن بسهولة هنا أن نوازي بين عداء أتاتورك “للعمامة” ومنعها في تركها وعداء علمانية فرنسا الحالية “للحجاب” ورغبتها في استئصاله من الفضاء العام.
طبعا في جدلية الهوية الفرنسية؛ والهوية الأوروبية في لحظتنا هذه، نسائلها عن طبيعة أنساقها.

فالظاهر أن النخبة العلمانية الفرنسية ومثيلتها المسيحية الأوروبية تفضل نظاما هوياتيا مغلقا وجامدا، ينغلق أمام مكونات جديدة وعلى رأسها الوجود الإسلامي و الذي يتجاوز  فيها القرن، حيث كانت النمسا أول دولة أوروبية تعترف بالإسلام دينا رسميا  في  15 يوليو 1912.
وربما كل هذا يعطينا إشارات لنفهم لماذا هذه العمليات “الإرهابية”  تنبع اليوم في فرنسا والنمسا بالذات وتخص دور العبادة المسيحية بشكل أكبر من غيرها بما فيها اليهودية والوثنية.
طبعا كل هذا لا ينفي وجود “أزمة” حقيقية داخل تمثلات التدين عند مسلمي فرنسا وأوروبا عموما والذي يغذيه تعدد المذاهب مع تعدد الجنسيات الأصل، ثم تواطؤ الدول نفسها، الفرنسية والأوروبية  مع النموذج السلفي الوهابي من خلال إباحة مساجد العواصم والمدن الكبرى لرابطة العالم الإسلامي السعودية، وكذلك فتح الباب أمام إسلام القنصليات العربية-الإسلامية.

حالة سريالية تربط الجنسية بديانة معينة إما غيابا أو حضورا تذكرنا بنفس الحالة الإسرائيلية التي تربط الجنسية بالهوية الدينية واليهودية تحديدا.

حيث اختارت الدول الأوروبية في مرحلة معينة، أن تفوض تدبير الشأن الديني لمسلميها للقنصليات والسفارات. لذلك تعرف الهيئات التنفيذية والتمثيلية لمسلمي كل دولة أوروبية على حدة تطاحنات “ديبلوماسية” و”مخابراتية” بين الدول التي لديها في أوروبا مواطنون أوروبيون بأصول تعود إليها.
التحدي بالنسبة إلى الدولة الفرنسية والدول الأوروبية عموما ومسلمي أوروبا اليوم، هو قبول هذه الدول بمواطنة مسلميها الكاملة وباستقلال تدبير شؤون تدينهم عن الدول العربية الإسلامية وأن يندمج في مؤسسات محلية مبدعة، وأن تمكنهم من كل الإمكانات لبلورة نموذج إسلام أوروبي حقيقي يجيب على أسئلتهم الخاصة بهم هم، والتي هي سابقة على ما يعيشه المسلمون خارج الفضاء الأوروبي، نظرا لاختلاف السياقات الاجتماعية والحضارية وتفاصيل الحياة اليومية وأن تقبل بهذا الإسلام الأوروبي مكونا جديدا من مكونات الهوية الأوروبية كما تشتغل كل الأنظمة الهوياتية ذات الأنساق المفتوحة والدائمة البناء في الزمن، وبشكل خاص  ومستعجل في الحالة الفرنسية.
فالتطرف الفرنسي الخاص بالهوية أخذ ذروته مع عودة الرهينة المحررة صوفي بيتران من مالي في هيئة مريم المعتنقة للإسلام، وما تلاها من ردود أفعال وصلت حد اتهامها في فرنسيتها وتخوينها.

حالة سريالية تربط الجنسية بديانة معينة إما غيابا أو حضورا تذكرنا بنفس الحالة الإسرائيلية التي تربط الجنسية بالهوية الدينية واليهودية تحديدا.

ثم إن مشروع حل جمعية ” التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا” يعد أكبر إشارة على إسلاموفوبية، فلا يمكن لمن يدعو أو يحاول حل هيئة تناضل ضد معاداة السامية بأن يثبت أنه ليس معاديا للسامية مثلا.
فأن يصير الدين متجهة المواطنة والجنسية الوحيدة أو الكبرى،  هي من أكبر التمثلات العنصرية والتمييزية التي يمكن أن يعرفها مجتمع في لحظتنا الحضارية هذه.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة