مدونات

بايدن ورهاناته على أمريكا ما بعد ترامب

جيل بايدن سيدة أمريكا الأولى التي تعشق التدريس
جيل بايدن سيدة أمريكا الأولى التي تعشق التدريس

أربع سنوات من الديماغوجية والغوغائية الترامبية؛ مرّت علينا وكأنها سنوات لا تنتهي،  وسط استقطاب غير مسبوق في صفوف الشعب الأمريكي.

لم ينحصر تأثير هذا الخطاب الديماغوجي على الولايات المتحدة فحسب، بل انتقلت عدواه إلى العالم أجمع؛  حيث انعكست آثار هذا الخطاب سلباً على المسلمين والمهاجرين في نواحي أوربا والولايات المتحدة من جهة أخرى.  وساعد على إيجاد  وضع  خطير  أخلاقي لليمين المتطرف في كل من فرنسا بولندا والبرازيل والمجر، بالإضافة إلى تقوية قواعد الفاشية والنازيين الجدد في ألمانيا من جهة أخرى.
هذه الانتخابات أظهرت مرة أخرى بأن فوز ترامب في انتخابات 2016 أمام هيلاري كلينتون لم يكن فوزا اعتباطياً، إذ إنّ الرئيس ترامب وعلى الرغم من خسارته لانتخابات 2020 إلا أنه استطاع أن يضيف إلى حصيلته الانتخابية سبعة ملايين إضافية عما كانت عليه في العام 2016.

 

وفقًا لاستطلاعات الرأي وبحسب "الواشنطن بوست"، صوّت 57٪ من البيض للرئيس ترامب. كما فاز الرئيس بالبيض في كل فئة عمرية. لقد حقق نتائج جيدة بشكل خاص مع البيض الذين لا يملكون شهادات جامعية، وحصل على أصوات 67٪ من الرجال و 60٪ من النساء في هذه المجموعة.

كان ترامب في أضعف حالاته مع خريجي الجامعات البيض، لكنه مع ذلك فاز بنحو نصف الأصوات في هذه الفئة.
في المقابل، أدلت غالبية مجموعة غير البيض أو الملونين بأصواتها ضد ترامب.

حصل جو بايدن على 87 في المائة من أصوات الأمريكيين الأفارقة و66 في المائة من أصوات اللاتينيين و 63 في المائة من أصوات الأمريكيين الآسيويين. ونسبة مرتفعة من أوساط المسلمين.

النصر جاء بناء على تحالف "مصالحي"، بين النخبة الليبرالية اليسارية البيضاء، والطبقة المسحوقة من السود والملونين والمسلمين.

هذه الاحصائيات إن دلت على شيء فهي تدل على أن انتصار بايدن لم يكن نتيجة لضعف ترامب أو نتيجة لخطاب الليبرالية الوسطية الذي انتهجه بايدن ونائبته هاريس، إنما جاء نتيجة استراتيجيات وتخطيط من قبل خبراء في السياسية الخارجية ومتخصصين في الشؤون الداخلية والخارجية الأمريكية.

فالنصر جاء بناء على تحالف "مصالحي"، بين النخبة الليبرالية اليسارية البيضاء، والطبقة المسحوقة من السود والملونين والمسلمين.
إنّ سبعين مليوناً من الناخبين أعطوا أصواتهم للرئيس ترامب. أو بعبارة أوضح أعطوا أصواتهم لرجل يصف الدول الإفريقية "بالحثالة"، ويُطلق على فيروس فتك بملايين الناس في الولايات المتحدة "الفيروس الصيني"، كما يدعو الشعب لشرب المنظفات لقتل الفيروس، ويصف المهاجرين المكسيكيين بالمجرمين وتجار المخدرات.

كما أنه يعادي المسلمين والمرأة، هذا في الشأن الداخلي ؛ وأما في سياساته الخارجية فهو صديق للديكتاتوريين ورافض لما يسمى بالتغير المناخي ومقوّض لعمل المنظمات الدولية وممارس لضغوط وابتزاز لتحقيق منافع إسرائيل والحفاظ على تفوقها العسكري في الشرق الأوسط.

لا بدّ من الاعتراف بأن خطاب الرجل هو خطاب مقنعٌ لفئات معينة من الشعب الأمريكي، ولا بد من الاعتراف (والتأكيد) على أنّ مهمة بايدن لا يجب أن تقتصر على إعادة الروح الوطنية وتوحيد صفوف الشعب الأمريكي، بل عليه أن يتحرك في مسير لنسف إرث ترامب العنصري.
لا يجب أن ننكر بأن سلوك الرئيس ترامب وخطابه المؤثر في فئات معينة في الشارع الأمريكي، سيجعل من مهمة بايدن مهمة صعبة للغاية (خصوصاً بأنّ الأغلبية في مجلس الشيوخ قد تذهب إلى الجمهوريين). تتأتى هذه المهمة الصعبة من منطلق المعادلات الصفرية التي لعب عليها ترامب في سياسته الخارجية والداخلية.

مهمة بايدن لا يجب أن تقتصر على إعادة الروح الوطنية وتوحيد صفوف الشعب الأمريكي، بل عليه أن يتحرك في مسير لنسف إرث ترامب العنصري.

فالتخلي عن فرض الهيمنة الليبرالية على النظام العالمي ونشر الديمقراطية ولو كانت بالتدخل العسكري، وهي الوظيفة التقليدية التي اضطلعت الولايات المتحدة بتنفيذها في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية سينتج عن التخلي عنها، عائدات إضافية يتم تضمينها في موازنة الدفاع الداخلية.

والتخلي عن الحلفاء ووقف التمويل للمنظمات الدولية سينتج عنها نقل هذه التكاليف إلى الداخل الأمريكي لرفاهية المواطن وخلق فرص عمل وتحسين الاقتصاد وخفض الضرائب.
إن مهمة بايدن تتمثل بأن يفكك هذه السرديات الثنائية ويفك الإرتباط (الذي عززه الخطاب الترامبي) فيما بينها.

المهمة ليست بالسهلة أبداً ولكنها في الوقت نفسه ليست مستحيلة؛ خصوصاً بالخبرة الطويلة التي كسبها بايدن في تعاونه مع صقور الحزب الجمهوري.

حل معضلات جائحة كورونا ومعضلة الاقتصاد والتغير المناخي بالإضافة إلى إعادة التوازن في السياسات الخارجية، تعتبر مفاتيح الحل لعلاج الخطاب الديماغوجي الذي تحدثنا عنه بداية المقال. وفشل بايدن في مواجهة هذه التحديّات سوف يهدد بعودة تيار ترامب مرة أخرى في 2024 حتى وإن لم يرشح ترامب نفسه شخصياً.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة