مدونات

عبقرية الكتابة في اللغة العربية

من أكثر سمات العبقرية في اللغة العربية أنها (على عكس ما يروج بعض المتعالمين ) تكتب بطريقة تجعل القراءة الصحيحة للنص المكتوب لا تخطئ أبداً؛ حتى في الحالات التي تحتمل الكلمة المنظومة معنيين ناشئين عن تركيبين مختلفين.
أبدأ بمثل محدد لنحلله معاً ولنعرف الاستثناء الذي يمكن أن يصادفنا في هذا الصدد،  نعرف المقطوعة الجميلة التي تتضمن قول الواعظ الزاهد: وكم من قبور تٌبنى وما تُبنا.. هاتان الكلمتان من اشتقاقين مختلفين،  لكنهما تُنطقان نُطقاً واحداً بسبب القاعدة التي تقول إن الألف في آخر الكلمة، قد تكتب على هيئة ياء في أحوال كثيرة لكنها تظل تُنطَق ألفاً. ونبدأ في التحليل البنائي البسيط (ولا نقول الصرفي) فنجد أن  تُبنى فعل مضارع مبني للمجهول من فعل البناء ـ وتُبنا فعل ماض مبني للمعلوم من فعل التوبة متصل بضمير الوصل الدال على جماعة المتكلمين.

نحاول معاً أن نتأمل في طبيعة البناء التركيبي التي قادت إلى هذا التماثل في النطق حتى مع بقاء الاختلاف في الكتابة.

فنجد فعل البناء لا يزال على صيغته تُفعل بدون حذف،  لكن فعل التوبة باعتباره معتل العين فإنه فقد هذه العين مع إسناده إلى ضمير جماعة المتكلمين.

على نحو ما يفقدها أيضا إذا أُسند إلى ضمير المتكلم (تبتُ) ومن الإنصاف للغة العربية،  أن نشير إلى أن هذا الحذف من أكثر التصرفات التي تعطي اللغة العربية موسيقى خاصة جميلة في كل هذه الكلمات؛  عشت وملت وقلت و رمت وجلت و صلت وعمت ولمت ودرت وزرت وسرت وصمت وعدت .

أما في الأفعال غير المعتلة؛ فنحن نصادف تشابها في الكتابة تميزه الحركة على التاء بين أخذتُ أنا وأخذت هيّ، وهو أيضا حل عبقري يُغني عن ضرورة الضمير المنفصل الذي نصادفه في الإنجليزية مع الأفعال .

في الغة العربية  كلمة "المال" التي لا يصعب على إنسان متحضر أن يتصور إمكانية أن تكون مكونة من كلمتين "ما" بمعنى الذي وبعدها حرف الجر "اللام." 

فإذا اللغة العربية تستغني بحركة الضمة أو السكون (بل والفتحة والكسرة فيما يتعلق بالمخاطب والمخاطبة ) على التاء عن الضمير المنفصل الذي يمثل كلمة كاملة .
هذا المثل الذي ذكرناه لتونا (تبنى وتبنا) غير شائع لأنه يتطلب أن يكون الفعل المبني للمعلوم من الأفعال معتلة العين التي تبدأ بحرف التاء لتكون هذه التاء مقابلة للتاء التي يبدأ بها الفعل المبني للمجهول في حالة المضارع،فإذا بحثنا في المعجم عن فعل تتوافر فيه هذه الصفات من قبيل "تاه يتوه" فإننا نجد الفعل الذي سيختلط معه إلا من الأفعال المبنية للمجهول (تُهنى) نادر التداول حتى عصرنا الحاضر.
ننتقل إلى حالة الكلمات المفردة التي تبدو وكأنها متوافقة مع كلمتين أخريين وذلك من قبيل العلامات التي تتوافق مع علا  مات وذلك في القول المعروف "فكم من ملك رُفعت له العلامات فلما علا مات".
والفارق واضح، وليس في حاجة إلى دراسة صرفية أو تركيبية فالجملة ركبت تركيبا من أجل غرض بلاغي فحسب.
هل كلمة المال مركبة من صلة  وموصول
ننتقل إلى كلمة عبقرية في اللغة العربية وهي كلمة "المال" التي لا يصعب على إنسان متحضر أن يتصور إمكانية أن تكون مكونة من كلمتين "ما" بمعنى الذي وبعدها حرف الجر "اللام." 

وهكذا يمكن لنا أن نقول على مال الإنسان: ما للإنسان، أو نختصرها بطريقة مفردة فنقول مَالَك مالُك، أو مالُك مالك مع الفارق المفهوم بين الجملتين في التسويغ  وإن لم يكن هناك فارق في الأيلولة.
ومن المهم أن نقول إن مفردة: المال" تعامل في اللغة العربية كجذر مستقل بعيداً عن مفهوم الصلة والموصول، ويُشتق منها ويُنسب إليها على نحو ما نعرف من مفردات : المالي والمالية، والتمويل.. الخ.
ومع هذا يظل هذا التشابه قابلاً للعب عليه حين تقول مثلاً إن على الزائر أن يترك ماله قبل أن يدخل، أو أن الميت لا يؤخذ ماله معه إلى القبر.. وهكذا.
الألفاظ التي تختلف في حرف واحد(الثاء والسين)  ثم تختلط.
نأتي إلى الألفاظ التي تختلف في حرف واحد لكنها مع الاستخدام العامي تصبح وكأنها من الحرف نفسه وأبرز مثال على هذا كلمة الثكنات العسكرية بالثاء، ولما كان المصريون ينطقون الثاء سينا فإنها أصبحت تنطق بالسين، بل أصبحت مع الزمن تكتب أيضا بالسين باعتبارها محلاً للسكون حسب ما يهيئ العقل الباطن للمثقفين .

ومن الطريف في هذا المقام أن نكرر الإشارة إلى أننا الآن دائما ما نسأل بعض زميلاتنا المصريات هل هي سناء بالسين بمعنى النور أم ثناء بالثاء بمعنى المديح لأن الكلمتين تنطقان في مصر بنفس النطق.

ومن الطريف في هذا المقام أن نكرر الإشارة إلى أننا الآن دائما ما نسأل بعض زميلاتنا المصريات هل هي سناء بالسين بمعنى النور أم ثناء بالثاء بمعنى المديح لأن الكلمتين تنطقان في مصر بنفس النطق.
لا يقف الأمر عند الثاء والسين لكنه يمتد أيضا إلى الصاد والسين وقديما قال واحد من أعلم علماء اللغة إن كل ما بالصاد يمكن كتابته بالسين، وبالطبع فإن هذا العالم الجليل لم يقل هذا إلا بعد أن استقصى الكلمات التي بالصاد ووجد لها ما يبرر كتابتها بالسين، وبالطبع فإننا نجد من يقول إن مثل هذا القول تجديف في اللغة إذ كيف يمكن تصور كلمات من قبيل صلاة وصبر وصفوة وصفاء وصحو وصحيان وصحوة وصوفية وصنوان وقد كتبت بالسين؟ لكننا بالطبع نفهم أن حديث العالم الجليل كان مقصودا به كلمات دخيلة هي قابلة أصلاً للتحول إلى السين، ومع هذا فإننا نفاجأ بأن كلمات أجنبية شهيرة لا تنطق إلا بالصاد حتى مع كتابتها في اللغات اللاتينية نفسها بالسين ومن هذه الكلمات صربيا والصرب، وصوفيا وأيا صوفيا.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة